آراء

    استفزاز في بيئة افتراضية

    أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي من «فيس بوك» و«تويتر» وغيرهما من البيئات الافتراضية، ساحة لملايين من البشر للنقاش حول الموضوعات المختلفة (اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وتجارياً بل وترفيهياً).

    وكعادة المحتالين دائماً تصيد الفرص باقتناص ضحاياهم من تلك المواقع (بأسمائهم أو بالأسماء المستعارة)، من خلال ابتكار أفكار تقود ضحاياهم لقاعات المحاكم عن طريق استدراجهم في الحوار (بالقول أو الفعل) لدفع الطرف الآخر للانفعال والخروج عن مشاعره، متلفظاً بكلمات خارجة تضعه تحت طائلة القانون، بسبب العصبية والانفعال والغضب؛ لتبدأ المعاناة بالمحاكم من مقاضاتهم استناداً لقوانين الدولة التي تجرم تلك التجاوزات بعقوبات تصل للحبس والغرامة بهدف ابتزازهم ودفعهم للتسوية بدفع المال، وبعد الحكم عليهم بالإدانة تبدأ المعاناة الأخرى أمام المحاكم المدنية برفع المحتال دعوى تعويض استناداً للحكم الجزائي.

    والتساؤل: هل حسن النية، والاستفزاز الدافع لارتكاب ذلك الفعل المؤثم قانوناً، وسيلة تمنع من مساءلة مرتكبه جنائياً أو تمنع من عقابه، وهل الاستفزاز الواقع من المحتال بهدف دفع الضحية لارتكاب فعل مجرم معاقب عليه قانوناً؟

    إن قانون العقوبات الاتحادي بمادته 96 جعل الاستفزاز عنصراً مخففاً للعقاب - حال ثبوته - وليس مانعاً للمسؤولية الجنائية أو مانعاً من عقابها؛ بل وتشدد القانون في توافر شروطه حتى يكون مخففاً للعقاب بشرطين: أن يكون على درجة عالية من الخطورة بحيث تجعل مرتكب الفعل لا يستطيع التحكم في شعوره بعد استفزازه، وأن يصدر من المجني عليه بغير حق، الأمر الذي يؤكد أن الاستفزاز لا يمنع من المسؤولية الجنائية وإن كان مخففاً لها حال توافر شروطه.

    فأحكام القضاء مستقرة على أن «مجرد الاستثاره أو الاستفزاز أو الغضب لا تنفي المسؤولية الجنائية، ولكي يعتبر عذراً مخففاً يشترط أن يكون استفزازاً خطيراً من دون وجه حق، كأن كان نتيجة إهانة جارحة لا مبرر لها أو اتخاذ موقف مهين أو صدور لفظ شديد لا يقل أثره عن السب أو القذف».

    كما أن الاستفزاز الواقع من المحتال لا يعاقب عليه جزائياً إلا إذا كوَّنت أركانه جريمة جزائية منصوصاً عليها بقانون العقوبات، إلا أنه قد يكون لهذا العنصر من الأثر الكثير أمام المحكمة المدنية عند نظرها دعوى التعويض المرفوعة ضد مرتكب الفعل باعتبار أن من سلطة القاضي بحث مدى استغراق خطأ الضحية الذي ارتكب الفعل المجرم لخطأ من دفعه لارتكاب هذا الفعل، ما يجعله عنصراً مؤثراً في تقدير مقدار التعويض بتخفيضه، ولكن في النهاية لا يمنع التعويض.

    وعليه يتبين تشدد القانون في مدى توافر عنصر الاستفزاز المخفف للعقوبة، ما يؤكد على أهمية تكريس الوعي والثقافة والتنبيه على مشتركي مواقع التواصل الاجتماعي بالتأني وعدم الانسياق وراء الاستفزازات التي تحدث على تلك المواقع، وتجنب الدخول بمهاترات حوارية حتى لا نقع ضحية ارتكاب فعل مأثم قانوناً وموثق بأدلة كتابية جازمة لا يستطيع مرتكبه نفيه أمام المحكمة.

    طباعة