المنصف السـويسي: المسرح أساسي لتقدم الشعوب

يفخر المخرج التونسي المنصف السويسي بمنجزه المسرحي الذي امتد اكثر من نصف قرن، حاملا همه من بلد عربي الى آخر، ليقدم وعيا مسرحيا مختلفا وملتزما بقضايا امته، من خلال تجارب مازالت في الذاكرة رغم مرور السنين، تجارب منحت تلامذته قوة الاستمرار ومواصلة الطريق.

مهرجان قرطاج المسرحي الذي اسسه مازال يواصل مهامه الفنية والابداعية كهمزة وصل بين العالم العربي والعالم، اعتمد في مسيرته على كتاب مسرحيين غربيين وعرب، وتناول افضل ما كتبوا في المسرح القديم والمعاصر، فالحرية بالنسبة له تؤخذ ولا تهدى، ولذلك يرى أن التحرر يبدأ من الذات وبحسب ما يقول «يجب قتل الشرطي الذي في داخلنا، الذي نشأ في ظل الخوف والطمع».

يمسك السويسي بنصه المسرحي من الألف الى الياء، بحزم واحترام وخبرة وعقلية منفتحة على الثقافات الاخرى، ولا يخفي لومه لضعف الاهتمام الرسمي العربي بالمسرح، متسائلا «عن عدد المسارح في الدول العربية مقارنة بعدد الملاعب الرياضية، او عدد المستشفيات او مراكز الشرطة»، رغم أن المسرح كما يرى السويسي من العوامل الاساسية لتقدم الشعوب فهو «المؤسسة الوحيدة الحضارية التي من شأنها الارتقاء بالمجتمع».

«الإمارات اليوم» التقت السويسي في مقر اقامته بالشارقة حيث سيخرج مسرحية «النمرود»، لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، وكان من الطبيعي أن يقودنا الحديث مباشرة الى قضايا النقد المسرحي في الوطن العربي، مشيرا الى افتقاد العرب للنقد التحليلي والتفكيكي الابداعي، فالمسرح العربي وكما يرى السويسي «لا يتقدم إلا بوجود ناقد مبدع، يمارس النقد بمنهجية، ويعتمد التحليل والتفكيك سواء كان بنيويا او هيكليا ليلامس مناهج النقد ومقارباته السيميائية».

منجز مسرحي

لا يخفي السويسي اعتزازه بمنجزه وتجربته الطويلة مع المسرح قائلا «أنا فخور بما قدمته للمسرح العربي سواء في المغرب، او الخليج، والمشرق»، فقد عملت مخرجا في بلدان عربية عدة، واسست تظاهرات مسرحية دولية مثل ايام قرطاج المسرحية التي جمعت المسارح العربية والافريقية بمثيلاتها الاجنبية في العالم»،

مضيفا «اخرجت العديد من الاعمال لكتاب عرب واجانب وكتاب تونسيين، مارست العملية المسرحية في شموليتها على غرار عباقرة وارباب المسرح من المرجعيات الاساسية، من سوفوكليس مرورا بشكسبير وموليير وصولا الى معاصريّ امثال برشت الالماني، وجيرهولد الروسي، وبوشون الفرنسي، وبرتوتسكي البولوني، وستليلر الايطالي،

استفدت الكثير من خلال مقارباتي مع هؤلاء المبدعين الكبار، وسرت على خطاهم»، موضحا أنه حاول الاقتراب من قدراتهم العجيبة، فقد «اخرجت اكثر من 60 عملا مسرحيا اعتبرتها توازي ما بذلته في جهد من التعليم المسرحي وتعليم الناشئة من الشباب لاسرار مهن الفنون المسرحية، فلي تلاميذ في مختلف انحاء الوطن العربي، اصبحوا اليوم من الاساتذة والنجوم»، منوها بالتجربة المسرحية التونسية التي «افرزت حركة مسرحية معاصرة تركت لها بصمة على خشبة المسرح العربي والافريقي والعالمي».

تغيير الواقع

شارك السويسي قبل اكثر من شهر في اجتماعات الهيئة العربية للمسرح التي اعتبرها خطوة استثنائية للارتقاء بالحراك المسرحي العربي، مدعوما من صاحب السمو حاكم الشارقة، لكنه أكد ان هذه الهيئة لن تنجز الاهداف المرجوة منها إن لم يتم الدفاع عنها من تسلل «البيروقراطيين واشباههم»، داعيا الى ضرورة الانفتاح على مسارح العالم، وفهم ان العالم اليوم هو عالم الاخذ والعطاء والتبادل والتعاون، عالم التسامح والتكامل والتضامن».

وعن وضع الحريات في تونس أكد السويسي ان «الحرية تنتزع، وليست هدية تعطى»، موضحا « أن المثقف التونسي استطاع الحصول على هامش لا بأس به من الحرية، ثم ان الحرية الحقيقية تبدأ بالتحرر الوطني من الرقابة الذاتية، أي تبدأ بقتل الشرطي الذي في داخلنا والذي نشأ في ظل الخوف والطمع»، مضيفا أنه كلما تحررنا من الخوف، وآمنا بوطنيتنا، وحققنا واجبنا في هذه الوطنة استطعنا الحصول على الحرية»،

معتبرا أنه «اذا قارنا واقع الحرية هنا وهناك في بلدان العالم الثالث وحتى لا اقول المتخلف، سوف نجد ان هامش الحرية المتوافر في تونس يغبطنا عليه آخرون»، قائلا «انا شخصيا لم تمنع لي السلطة السياسية أي عمل مسرحي منذ مرحلة التغيير، وهذا اقوله للحقيقة وللتاريخ، بكل حرية الرجل الحر والمستقل، انا فنان مسيس بحكم وطنيتي، لكني لست رجل سياسة».

النمرود

وعن اختياره لإخراج مسرحية «النمرود» التي ستعرض17 مارس المقبل قال السويسي «تم اختياري من قبل مجلس ادارة المسرح الوطني في الشارقة، لنيل شرف التصدي لاخراج هذا النص الجديد من ابداع صاحب السمو حاكم الشارقة الذي يعتبر استثناء حقيقيا في عالمنا العربي، فمن النادر ان نجد حاكما عربيا له اهتمامات فكرية وادبية، ويرعى المسرح،

ويؤمن بدور المسرح، حيث صار صديقاً للمسرحيين، وداعما لهم ماديا وادبيا ومعنويا»، وعن العمل أوضح السويسي أنه «يتطرق الى تحليل واقع كان له وجود في الماضي، وله استمرار في الحاضر، هي مسرحية تحكي عن الطغيان والاستبداد والقمع والتسلط وجنون العظمة وادعاء الربوبية من قبل بعضهم، بما يلحق الكثير من الاذى والدمار بالانسان، ولكن الحق ينتصر في النهاية»،

واعتبر السويسي أن نص النمرود بصري، أكثر منه حواري، فالمؤلف يصف حالات واحداثا درامية على المخرج تجسيدها بصريا، واعتقد ان هذا المنحى الجديد في كتابات سموه هو دعوة صريحة لتصحيح مفهوم مسرحي طالما بقي مغلوطا، المسرح ليس ادبا، وانما الادب جزء من المسرح، لأن لغة المسرح لغة بصرية بالاساس وليست كلامية، اما الادب فكلام وليس بصريا، في المسرح نستعمل الكلمة، ولكنها ليست المفردة الوحيدة التي يقتصر عليها التعبير المسرحي في لغته، باستعمال مفرداته الاخرى».

وعن أزمة انحسار

الجمهور والمسرح عن الحياة في العالم العربي استطرد السويسي «في البلاد العربية المسرح هو المسرح، حيث عرف طفرات، تركزت نهضته واقلاعه في الستينات وتواصل لغاية السبعينات من القرن الماضي، ثم بدأ بالتراجع، فالتراجع لم يبدأ من المسرح، وانما من المجتمع، واقع المجتمع العربي متأزم منذ 1967، هزيمة حزيران كانت شاملة لكل مقومات الانسان العربي»،

واضاف «منذ تلك الهزيمة ونحن من هزيمة الى أخرى، ومن احباط الى آخر، ولعل وحشية الليبرالية الاقتصادية دون سواها، وطغيان الرأس مالي ببشاعته الاستهلاكية، وفرض احادية النظرة والتحكم في العالم، والنمطية من خلال العولمة للقضاء على خصوصيات وثقافات الشعوب والحضارات من قبل القطب المستبد في العالم اليوم، وخوف الانظمة السياسية المبالغ فيه من المثقف ومن المسرح يجعل المسرح يتراجع، ليس في مستوى تعبيراته الجمالية وتقنياته، وانما في مستوى جرأته على طرح المضامين الفكرية لمعالجة قضايا تتعلق بالواقع والمصير».

تجارب وانجازات

انجز السويسي مجموعة كبيرة من الاعمال والتجارب المسرحية منها: «البلاد طلبت اهلها»، تأليف الدكتور الراحل عبداللطيف عقل، «باي باي لندن»، و«باي باي عرب» تأليف نبيل بدران، «ثورة الزنج» تأليف الراحل الشاعر معين بسيسو، «الزير السالم» للراحل الفرد فرج، «واقدساه» تأليف يسري الجندي، «السؤال» محيي الدين زنكنة،

«الحلاج»، «ديوان ثورة الزنح» عز الدين مدني، «مولاي السلطان الحفص» و«عطشان يا صبايا» للمؤلف سمير العيادي، «اللي يقال واللي ما ينقال» تأليف المخرج المنصف السويسي، «4 ساعات في شاتيلا» جان جينيه، «مهاجر بريز بان»جورج شحادة.