«القصر».. كوابيس وألغاز ومصائر

 روايات فرانز كافكا كوابيس، أو نوع من المشي الغامض في الأنفاق، وأمكنة ليس لنا أن نعثر عليها إلا في الحلم، الشخصيات عالقة في ما تجهله لدرجة القتل عقاباً على ذنب لم ترتكبه، وتعيش تحت رحمة مجهول كلما تجسد ازداد غموضاً، وكلما صار قريباً  ازدادت المسافة، سواء كان ذلك في «المحاكمة» أو «القصر» بشكل ساطع، وهما الروايتان اللتان جسّدتا سينمائياً، بحيث يمسي الوقع مضاعفاً، بمعنى أن فعل قراءة روايات كافكا قد يكون على شيء من تعقب مصائر شخصياته، والألغاز التي تحيط بها.
 
لكن، ولدى نقل ذلك بصرياً، يمسي الوقع مروّعاً، حيث الكابوس أمام أعيننا، والشخوص تتحرك تحت وطأة لغز محيّر، وليكون الأمر «كفكاوياً» فإن في الأمر جمالية خاصة تحتمل إسقاطات لا نهاية لها.  ما تقدم يصير أشد وقعاً مع فيلم مايكل هنكه عن رواية «القصر» غير المنتهية، بحيث إن مجموع هنكه مع كافكا يساوي جمالية مضاعفة، ومساحة إبداعية خاصة جداً، وفي انحياز كبير لهذا المخرج الألماني الذي اعتبره واحداً من أهم الأصوات السينمائية الموجودة في العالم، يمسي هنكه خير من يجسّد ألغاز كافكا، ولعل مشاهدة فيلم «القصر» إنتاج عام 1998 ستؤكد لكم ذلك. في الأسطر التالية محاولة لسرد الفيلم وصولاً لنهايته المعلّقة، على اعتبار أن الرواية نفسها غير مكتملة، مع الأخذ بالاعتبار أن تقطيع هنكه للفيلم جاء على شيء يشبه فعل القراءة، حيث يفصل المشهد عن الآخر عبر السواد،
 
كما ليقول:  ها قد وصلنا إلى الصفحة هذه، نتوقف ثم نكمل. يبدأ الفيلم مع «كاي» (كاف) يسأل عن مكان يبيت فيه، ليجيبه صاحب النزل بأن لا غرف لديه، وعليه يبيت على عتبة يضع عليها فراشاً يزوّده به صاحب النزل، وما هي إلا دقائق حتى يأتي أحدهم ويوقظه قائلاً له إنه لا يستطيع النوم هنا أو البقاء بالقرية ما لم يكن معه إذن من القصر، فيجيبه «كاف» حسناً سأذهب للحصول على هذا الإذن، فيجيبه ذاك الشخص هذا مستحيل في مثل هذا الوقت، وعليه نعرف أن «كاف» هو مسَّاح أراضٍ، وهو قادم بمهمة وسيلحق به مساعداه مع آلة المسح،
 
وحين يأتي مساعداه ندرك أن كاف لا يعرفهما، ويطلق عليهما اسماً واحداً. القصر هو المجاز، القصر هو كل شيء، لا أحد يعرف ما هو القصر، من يحكم ذلك القصر، و«كاف» جاء إلى القرية بعد طلب منهم، لكنهم لم يعودوا بحاجة إليه، وقد أرسلوا رسالة بذلك، هذا ما يمكن استنتاجه من حديثه، ويفترض أن يكون أرسل في طلبه، وحين يحاول أن يبحث عن الرسالة تخرج من خزانته ملايين الأوراق والمصنفات.هناك رجل من رجالات القصر اسمه «كلم»  لا نراه، يمضي الفيلم وكاف يحاول لقاءه، كما لا يمكن لـ«كاف» الاتصال بالقصر، ومن ثم يوضع له وسيط بينه وبين القصر اسمه برنابس،
 
لكن هذا الوسيط لا يحل ولا يربط، بينما أختاه أولغا وأميليا تقعان في حب «كاف»، وهو بدوره يحب فريدا التي تكون عشيقة «كلم»، بعد أن تأخذه أولغا إلى الحانة التي تديرها فريدا، وهناك نرى رجال كلم يراقصون أولغا، فتثور ثائرة فريدا وتطردهم، ومن ثم يأتي رجل لا نعرف من يكون يسأل عن «كاف» مسّاح الأراضي، فتخفيه عنه فريدا ومن ثم يتحابان ليفاجأ بأن مساعديه يراقبانه طوال الوقت، ليتكرر ذلك، أي إن هذين المسـاعدين يكونان دائماً حيث يكون كاف، وتتـوالى فصول عجيبة وغريبة من محـاولات كاف للوصول إلى القصر، ومن ثم ملاقاته في دهاليز تتقاسمها غرف خشبية سكرتيرا لكلم، وقبل ذلك يكون قد قرر هو وفريدا الانفصال، وأنها الآن على علاقة مع أحد مساعديه، إلى أن نصل إلى النهاية المتمثلة،
 
التي ليس لها أن تكون نهاية إلا لكونها قد أنهت الفيلم، ذلك أن الفيلم يــقطع ويحل السواد وتخرج عبارة «هذه نهايات شظايا (القصر)»، طبعاً هذا يعود إلى أن كافكا نفسه لم يكمل روايته. أدع ما تقدم بين أيديكم، لكم أن تبنوا ما تشاؤون من إسقاطات، فاللغز لن يحل، والقصر سيبقى قصراً يتدخل في حياة البشر من حيث لا ندري، وسيبقى دائماً هناك اثنان يراقبان كل واحد منا،
والكثير من المجازات الصالحة لتضيق وتتسع في آن واحد.