ماريانو فورتيوني عبقري إسباني اشتهر بـ «الكيميائي» و«رجل النهضة»

«ساحر فينيسيا».. مصمم الأزيـاء كاره الموضة

صورة

قد يعرفه التاريخ الفني، والإيطالي تحديداً، بأسماء عدة، «رجل النهضة»، و«الكيميائي»، و«ساحر فينيسيا»، وغيرها الكثير، إلا أن أكثر ما اشتهر به الرسام، والمخترع، ومصمم المسارح وأزياء العروض، والأثاث، والمصور، والفنان ماريانو فورتيوني، هو إعادة إحياء تقنية كبس الأقمشة، والمعروفة باسم الـ«بليسيه»، بعد أن اختفت منذ عهد الفراعنة، ومن بعدهم الإغريق، ليكون فستان «ديلفوس» الذي ابتكره وصممه في مطلع القرن الـ20، أحد أشهر الاختراعات التي لاتزال متداولة في عالم الموضة.

والغريب أن يكون أكثر المؤثرين والمبتكرين في عالم الموضة، أحد كارهيها في يوم من الايام وكان يعرف عنه بُعده وعدم تقبله لهذا المجال.

ربما يكون ميل فورتيوني للابتعاد عن الأضواء، وانشغاله الشديد في اختراع وتطوير تقنيات وأساليب لكل ما يثير اهتمامه وفضوله في مختلف المجالات، كان السبب وراء عدم انتشار اسمه بشكل واسع بين المهتمين بعالم الموضة، خصوصاً أنها لم ترقَ له، إلا أنه من خلال فستانه المكبوس بالكامل بتقنية قام بابتكارها وتطويرها والاحتفاظ بها سراً كبراءة اختراع إلى جانب 20 براءة اختراع أخرى، جعلته أحد أكثر المؤثرين في عالم الأزياء وصيحاته، محولاً هذه الفكرة التي كانت في التاريخ البعيد حصراً على الملوك والأثرياء، إلى قطعة متوافرة لجميع النساء.

سحر عربي

ولد ماريانو فورتيوني إي مادرازو في 11 مايو من عام 1871، لعائلة أرستقراطية عاشقة للفن والتاريخ والثقافات المختلفة، خصوصاً تلك المرتبطة بالشرق وسحره، بينما كان كل من والده وجده رسامين معروفين، الأمر الذي يجعل من اهتمامات وموهبة فورتيوني الابن أمراً متوقعاً.

المتابع لأعمال هذا المبتكر الخارج عن المألوف، وتحديداً للوحاته الفنية، يرى التأثير الكبير لعالم الشرق والعرب واضحاً فيها، إلا أن الأمر لن يكون شديد الغرابة عند معرفة أن العائلة هي في الأصل من مدينة غرناطة في جنوب إسبانيا، وأن والده كان متعلقاً ومهتماً بكل ما هو شرقي وعربي تحديداً، وكان مقتنياً شغوفاً، فكان الطفل الصغير محاطاً بكل ما يحمل حكايات من ثقافات وحقب قديمة، وبالخامات وقطع الأثاث، والسجاد، والدروع، وأدوات الحروب، الأمر الذي انتقل إلى الابن أيضاً، على الرغم من أن تأثير والده لم يكن مباشراً أو قوياً، حيث توفي ماريانو فورتيوني إي مارسال، بشكل غير متوقع في روما عام 1874، عندما كان ابنه لايزال في الثالثة من العمر، وعلى أثر ذلك نقلت والدته العائلة إلى باريس عام 1875، ليقضي صباه بينها وبين روما.

قد يكون الشغف بالفن ومهاراته يجري في عروق الابن، ولكن من الطبيعي أن يكون هناك دعم وتوجيه لهذه الموهبة الموروثة لتتخذ هذا المنحنى الفذ، ويعتبر كل من خاله ريموندو، الذي كان رساماً، والنحات أوغست رودن، من أكثر المؤثرين عفي حياة ماريانو، اللذين كان لهما التأثير الأعمق في انطلاقة الفنان الشاب، لينتقل إلى ألمانيا لاحقاً لدراسة الكيمياء والفيزياء لبعض الوقت.

وضع القدر الكثير من التغييرات المفاجئة في حياة ماريانو الطفل والفتى، لم يختر منها شيئاً، ابتداء من وفاة والده، أو الانتقال إلى باريس، بينما كان أكثرها تحريكاً لدفة الأحداث، معاناته حساسية شديدة من الخيول، التي كانت بطبيعة الحال وسيلة التنقل الوحيدة في المدن آنذاك، الأمر الذي جعل من مدينة فينيسيا الإيطالية، التي قامت الأسرة بزيارتها في عام 1889، لتميزها الفني المختلف، ومن ثم الانتقال إليها بشكل دائم عام 1890، الحل الأمثل لتفادي مشكلته الصحية مع الخيول، كونها المدينة الوحيدة التي تعتمد على نظام معقد من القنوات المائية، ولا يمكن التنقل في المدينة إلا مشياً على الأقدام، أو القوارب، لتصبح هذه المدينة الساحرة، الملهم الأهم والأقوى في عالم فورتيوني الإبداعي، والمدينة التي تبنت وعرفت وارتبطت باسمه منذ انتقاله إليها وهو لايزال في الـ18 من عمره وحتى وفاته فيها عام 1949، متخذاً لقصر ضخم من القرن الـ15 مقراً له ولانطلاقته وكان الطابق الأرضي من هذا القصر، المكان الذي احتضن فضوله وابتكاراته وانطلاقة أعماله الفنية المختلفة، والمكان الذي تكدست فيه مقتنياته وتلك الخاصة بوالده، ليصبح الغرناطي صاحب العيون الواسعة والفضولية، «ساحر فينيسيا».

بعيداً عن الموضة

قد يكون من الطرافة أن يكون أكثر المؤثرين والمبتكرين في عالم الموضة، هو في الوقت نفسه أحد أكثر الأشخاص غير المهتمين بها، فكان يعرف عنه بُعده وعدم تقبله لهذا المجال، سواء التجاري منه، أو دور الأزياء الراقية، بل كان يعرف بشكل رئيس كرسام، الأمر الذي قاده إلى رسم وتصميم مناظر مسرحية وتأثيرات الضوء فيها، والأزياء الخاصة بالمسرح الذي كان شغوفاً به، بعد أن تعرف إلى هذا العالم الخيالي الساحر في عمر صغير خلال زيارته لعرض لباليه «بولديني» وتعلق بالمسرح وبمنصته منذ تلك اللحظة.

ومع تعمقه وغوصه في عالم المسرح، بدأت فكرة تطويره لشكل جديد من أنظمة الإضاءة غير المباشرة التي كانت تبتكر مشاهد مسرحية يصعب تحقيقها، الأمر الذي غير شكل المسرح وتأثيرات المشاهد حتى اليوم، بينما تحول تصميم فورتيوني للإضاءة ذات الانعكاس غير المباشر، واحداً من أشهر الإضاءات التي لاتزال فكرتها معتمدة في الاستوديوهات.

جاء التحوّل الجذري في الحالة الفنية التي تبناها فورتيوني، بعد أن تعرف إلى موسيقى الألماني ريتشارد واغنر في عام 1892، وتحولت هذه الشخصية المؤمنة بالفن الشمولي الرمزي، إلى الإلهام الأهم والأقوى لفورتيوني، متبنياً بشغف المدرسة الرمزية التي انطلقت آنذاك، والتي حطمت الحواجز بين الأدب، والموسيقى، والفن المرئي، بينما كانت فينيسيا التي اتخذها واغنر محطة دائمة لفترتين من حياته، «مستوطنة» لأهم الفنانين آنذاك، من أمثال هيليو، غابرييل دي انونزيو، ولويجي نونو، وخوسيه ماريا سيرت، ورينولدو هان، وغيرهم الكثير.

السيطرة المثالية

لم يستمتع فورتيوني بموسيقى واغنر فقط، بل كان مأخوذاً بكتاباته التي تشرح طريقة تأليفه للموسيقى، وذلك بالاعتماد على فكرة «العمل الفني الشامل»، أو «التوليفة الفنية»، ما يعني التحكم بكل العوامل التي يمكن أن تؤثر في المنتج الفني النهائي، وفي حالة واغنر، كان الأمر يعني التحكم بكل ما يمكن أن يؤثر في منتجه الأوبرالي النهائي، من موسيقى، ومنصة العرض، وتأليف المشاهد، والإضاءة، ما جعله يقوم ببناء مسرح «فيستبيلهوس» بمواصفات محددة خاصة به، في بيروث، ألمانيا، وهي الفكرة التي كانت في الواقع ممارسة سابقاً في اليونان القديمة، الأمر الذي ناسب فورتيوني تماماً، هو المحب والغارق في الفن والثقافة الإغريقية القديمة، التي قادته لاحقاً لفستانه الشهير. لم يتخذ فورتيوني ما كان يتوافر حينها في عالم الفن من المُسلَّمات، بل كان فضوله دائماً المحرك الرئيس لابتكاراته، فعلى سبيل المثال، لم يكن مسند الرسم المتوافر آنذاك مناسباً له، فقام بتصميم مسند مرتبط بكرسي ذي عجلات، الأمر الذي سهل عليه التحرك في اتجاهات مختلفة في الاستوديو الخاص به والاستفادة القصوى من الإضاءة القادمة من مختلف النوافذ، كما كان يقوم بابتكار وخلط ألوانه بشكل كيميائي خاص، والتي غالباً ما كانت تتميز بلمعة مختلفة.

كما كان يقوم بتصميم طبعاته الخاصة، التي كانت تبدأ برسم مسودة لجميع الطبعات، ومن ثم نحتها على قوالب، وطبع الرسوم على الخامات، ومن ثمة تصميم الفستان لتحديد مكان وشكل الطبعات في المنتج النهائي، سواء كانت فساتين أو أردية، أو شالات، بينما كان تصنيعها يخضع لرقابته الشديدة.

لعبة الضوء

رأى فورتيوني في «الضوء»، عنصراً سحرياً قادراً على تغيير معطيات كل ما يمكن أن تبتكره يداه، سواء كانت لوحة فنية، أو قطعة قماش، أو إضاءة مبتكرة، ما جعل من فينيسيا المكان المثالي له، حيث تعتبر واحدة من أشهر المدن التي تحظى بتأثير تغير الضوء وتحركه فيها، وهو الأمر الذي يبدو جلياً في فكرة الـ«بليسيه» التي هدف هذا العبقري إلى أن ترمز لأشعة الشمس وحركتها على الجسد، والتي أعاد إحياءها من الإغريقيين الذين اشتهروا بالفساتين المكبوسة المطوقة للانحناءات الطبيعية، مبتكراً تقنية جديدة اعتمدت على الحرارة والماء وسلسلة من اسطوانات النحاس والخزف.

استطاع فستان «ديلفوس» المستوحى من الأثواب الضيقة للإغريقيين القدماء، أن يسبب ضجة كبيرة في عالم الموضة عند ابتكاره في 1907، وقد أسهمت زوجة فورتيوني صانعة الفساتين هنرييت نيغرين في ابتكار الفستان معه، والتي التقى بها في باريس عام 1897.

وتكمن الميزة الرئيسة في تصميم فورتيوني، في تعزيز جمال انثناءات جسد المرأة الطبيعي بعيداً عن المشدات وطبقات الثياب المنفوشة والواسعة، قالباً بهذه الفكرة الموازين في زمن كان فيه «المشد» الخانق والضاغط على جذع المرأة بهدف تقليص مقاييس خصرها، أهم قطعة تحتاج إليها لتكون مقبولة اجتماعياً، بينما جاء فستان الـ«بليسيه» البسيط ليرفض تماماً كل تلك القيود القاسية المختبئة تحت طبقات القماش الرقيقة، وكان هذا الفستان الناعم المنسدل والحاضن في الوقت ذاته لجسد المرأة، ذو الألوان الناعمة واللماعة، النقيض التام، خصوصاً أن سر تميز هذا الفستان يكمن في «عدم وجوب» ارتداء المرأة لأي قطعة تحته يمكن أن تؤثر في انحناءات جسدها أو التصاق الحرير المكبوس والمرن عليه.

تتوازن خفة الفستان وتجمعه المكبوس المرن، مع ثقل خرز الـ«مورانو» الزجاجي المؤطر للفستان ودرزاته الجانبية للحفاظ على تأثيره المحدد لثنايا الجسد.

تحوّل فستان «ديلفوس» إلى الصيحة الأهم في عالم الأزياء، وكانت الشهيرات في عالم الرقص والتمثيل وسيدات المجتمع الراقي اللاتي كن يملن إلى إثارة الجدل، أول من ارتدين هذا الفستان، الذي كان من المفترض أن يكون فستاناً للمنزل فقط، إلا أن تنفيذه الفذ وجمال ألوانه وتأثيره الحسي العالي، حوله إلى أحد أكثر الفساتين شهرة للخروج والتصوير والحفلات.

شهيرات

شهيرات القرن الـ20 ارتدين فستان «ديلفوس»، ومنهن إليانور ديوز، وسارا بيرنارد، وإيسادورا دنكن، ورينيه فلوري، وغالباً ما كانت المقتنية الفنية الشهيرة بيغي غوغنهايم تظهر مرتدية فستان ماريانو فورتيوني الشهير. وارتدت الممثلة لورين باكال فستان «ديلفوس» الأصلي أحمر اللون خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 1978، بينما دفنت الكاتبة والفيلسوفة سوزان سونتاج بفستانها المكبوس النادر عام 2004.

الأعلى قيمة

على الرغم من أن قماش الـ«بليسيه»، يتوافر بكثرة، ويتكرّر ظهور موضته بين فترة وأخرى، كما تتفاوت قيمة هذا القماش بحسب جودة الحرير وطريقة التنفيذ (يدوية كانت أم آلية)، إلا أن فساتين «ديلفوس» التي كان ماريانو فورتيوني يصنعها بيديه، لاتزال تعتبر من أكثر الفساتين المرغوبة والمطلوبة حتى اليوم بين المهتمين بالموضة والباحثين فيها، كما تعتبر الأغلى ثمناً والأعلى قيمة حتى الآن، حيث يتفاوت سعر الفستان الواحد، في حالته الجيدة، بين 10 و30 ألف دولار أميركي.

ميل فورتيوني للابتعاد عن الأضواء تسبب

في عدم انتشار اسمه في عالم الموضة

المتابع لأعمال هذا المبتكر يرى تأثيره الكبير في الشرق والعرب. إلا أن الأمر لن يكون غريبا عند معرفة أن العائلة هي في الأصل من مدينة غرناطة الإسبانية.

1871

العام الذي ولد فيه ماريانو فورتيوني في إيطاليا.

20

براءة اختراع في عالم الأزياء.

1907

تسبب فستان «ديلفوس» بضجة كبيرة في عالم الموضة.

طباعة