«نقطة البداية»

نارانخو يعود إلى مدريد.. أزياء في رحلة بين النحت والمسرح

صورة

لم تكن منصة أسبوع الموضة في مدريد مجرد موعد جديد لعرض الأزياء بالنسبة إلى المصمم الإسباني إرنستو نارانخو، بل بدت أشبه بعودة إلى نقطة البداية، ولكن بعين أكثر خبرة وحرية، ففي العاصمة الإسبانية، قدم نارانخو رؤيته الجديدة، مستعيداً علاقة قديمة مع المدينة، ومقدماً أزياء تتعامل مع الجسد باعتباره مساحة مفتوحة للتشكيل وإعادة البناء.

منذ خطواته الأولى في منصة «EGO» عام 2014، ارتبط اسم نارانخو بتجربة لا تفصل الموضة عن الفن. ومع انتقال أعماله بين لندن وباريس وميلانو وبرشلونة، تطورت لغته البصرية من البحث في الخامة إلى بناء أشكال أقرب إلى المنحوتات، حيث لا يأتي القماش في نهاية العملية الإبداعية، بل يصبح أحد عناصرها الأساسية.

في مجموعته الجديدة، يبدو هذا التوجه أكثر وضوحاً، فالقطعة لا تستقر بالضرورة على الجسد وفق الشكل التقليدي للملابس، وإنما تلتف حوله، وتنزاح عنه، وتعيد تحديد حدوده. الطيات والالتواءات والأحجام المتشكلة حول الجسم تمنح بعض الإطلالات إحساساً بالحركة المتوقفة في لحظة معينة، وكأن القماش التقط أثراً لحركة جسدية ثم احتفظ بها.

تظهر الدائرة بوصفها إحدى المفردات البصرية الأساسية في المجموعة؛ فهي تحيط بالجسم وتعيد رسم محيطه، بينما تمنح القصّات والأشكال الهندسية الملابس حضوراً معمارياً واضحاً. ليست الدائرة هنا مجرد تفصيل زخرفي، وإنما جزء من البناء العام، ومن فكرة العودة إلى نقطة البداية التي تتقاطع مع عودة المصمم إلى مدريد.

ويستمد نارانخو بعض أفكاره من الفن المعاصر، خصوصاً من أعمال الفنانة أنغيلا دي لا كروز، حيث تتعرض الأشكال للتشويه والطي والانزياح، ومن تأثيرات حركة «غوتاي» اليابانية التي جعلت من فعل الجسد وتفاعله مع المادة جزءاً من العمل الفني. وفي ترجمة هذه المرجعيات إلى الأزياء، يصبح التجعيد والطي والضغط والانحناء لغة قائمة بذاتها، لا مجرد تقنيات لتنفيذ القطعة، لكن الصرامة الهندسية لا تهيمن على المجموعة بالكامل؛ إذ يفتح المصمم الباب أمام جانب أكثر احتفالاً وحيوية، مستحضراً أجواء الـ«شوغيرلز» وروح نادي Studio 54 الشهير في نيويورك، ومن خلال اللمعان واللون والحجم، تدخل إلى المجموعة طاقة مسرحية تكسر البناء الهندسي وتمنح القطع حركة أكثر جرأة.

ويأتي الكولاج النسيجي ليجمع هذه العناصر المتباينة داخل القطعة الواحدة. خامات وأجزاء مختلفة تتجاور وتتشكل من جديد، في عملية تبدو أقرب إلى إعادة تركيب الذاكرة والهوية، وهنا تحديداً تتضح إحدى السمات المهمة في تجربة نارانخو: الاستفادة من الماضي من دون الوقوع في أسر الحنين إليه.

تويتر