ليالٍ طويلة في الأحراش بانتظار بارقة أمل

مهاجرون بلا تأشيرات: حياة أفضل تعني عبور «بحر المانش»

وكالة «فرانس برس» رافقت عدداً من المهاجرين من شمال فرنسا إلى دوفر الإنجليزية مروراً بالمياه الإقليمية الفرنسية. أ.ف.ب

وصل (وليد) بعد ترحال دام سنوات وأسابيع في مخيم على الساحل الفرنسي، وسبع ساعات في زورق مطاطي تتقاذفه أمواج بحر المانش، إلى إنجلترا، قاطعاً «طريق الموت»، فيما لايزال صديقه (فالح) ينتظر.

رافقت فرق من وكالة «فرانس برس» (وليد) وصديقه العراقي (فالح) وابنتَي هذا الأخير (أروى - تسع سنوات) و(روان - 13 عاماً) التي تعاني مرض السكري، من شمال فرنسا إلى دوفر الإنجليزية مروراً بالمياه الإقليمية الفرنسية.

يوميات عبور

في حرج يقع بمحاذاة خط للسكك الحديد في غراند-سانت، شمال فرنسا، يشخص (وليد - 29 عاماً) و(فالح) الأربعيني، وهما جالسان داخل خيمة مترنحة، باستمرار إلى هاتفيهما، فهما رابطهما الوحيد مع المهرّب الذي ينتظران منه الضوء الأخضر للإبحار، ففي مقابل 3000 يورو يمكنهما الصعود إلى هذه الزوارق المطاطية العاملة بمحرك صغير، فجأة تظهر صورة المهرّب في اتصال عبر «واتس أب»، لم يسبق لهما أن التقياه، فهذه الشبكات الكردية والألبانية، في غالب الأحيان، تمرّ عبر وسيط للاتصال بالمرشحين للعبور.

ويقول له المتحدث إن العبور ممكن في اليوم التالي، في حال كان الطقس مواتياً.

يجلس (وليد) وعائلة (فالح) التي التقاها على طريق المنفى في فرانكفورت، منتظرين فرصة العبور بطريقة غير قانونية نحو حياة أفضل، ويقول (فالح): «مع أنه يسمى طريق الموت إلا أننا نريد العبور، نتجه نحو المجهول، لا يوجد إلا الله، المياه، ونحن.. مصيرنا بيد الله وحده»، فرّ هذا الرجل من العراق في عام 2015 عندما كان تنظيم «داعش» يسيطر على أجزاء واسعة من البلاد.

ويؤكد (فالح) الذي لم ير زوجته منذ غادر العراق، أنه لا يطلب المستحيل: «جلّ ما أريده أن أعيش بكرامة، وأن تشعر ابنتاي بالحرية وبالأمان».

جهوزية دائمة

(وليد) و(فالح) ليسا الوحيدين، فعشرات المهاجرين ينتشرون في مناطق قريبة، وبعد أربع سنوات من إزالة مخيم «الدغل» في كاليه (شمال فرنسا)، نهاية عام 2016، يستمر مهاجرون من إريتريا وإيران وأفغانستان وسورية بالتوافد إلى الساحل الفرنسي أملاً في العبور.

ويحاول الأربعة تمضية الوقت وسط الحشرات اللاسعة، ويرقدون لفترات قصيرة، فيما يقطع صفير القطارات بانتظام نومهم، وهم يلبون حاجاتهم من خلال طناجر، وحاجيات يجمعونها من هنا أو هناك بعدما تركها من سبقهم إلى المكان.

يومياً، يجهد (فالح) لإيجاد مكعبات ثلج لحفظ مخزون ابنته الكبرى من الأنسولين، وعندما يكون الطقس مواتياً، يستحم الموجودون بالمكان في القناة القريبة، ويغسلون ملابسهم، ويمضون يومهم في جمع الحطب، أو في انتظار توزيع مؤن غذائية عليهم مرتين في اليوم. ويوضح وليد: «في المرة الأولى كانت عمليات التدقيق كثيرة، في الثانية وصلنا إلى الشاطئ، وبعد انتظار دام خمس ساعات حملنا الزورق المطاطي ونفخناه، لكن تبين لنا أن فيه تمزقاً، فطلب منا المهرب النزول».

عطل في المحرك

في 10 سبتمبر، بعد شهر و13 يوماً من وصوله إلى غراند-سانت، انتعشت آمال (وليد) في العبور مع طقس مشمس ورياح خفيفة، خصوصاً بعدما أكد له المهرّب الجديد أن الموعد قريب. ويقول قبل انتقاله إلى مكان اللقاء: «لا نعرف الساعة، سننتظر قبل أن ننطلق».

على بُعد كيلومترات قليلة، ينتظر (فالح)، الذي انتقل إلى مخيم آخر، موعد الانطلاق أيضاً.

على عجل يضع أدوية ابنته في محفظة، وبعض المؤن في حقيبة، ويقول: «أخشى أن أُصاب بخيبة أمل جديدة، فمنذ أكثر من شهر لم أرَ البحر إلا مرة واحدة»، ويتابع بثقة: «الأمر سيكون أسهل بكثير في إنجلترا، وسأتمكن من العمل في مجال اختصاصي، المطاعم أو السيارات».

عند الساعة الثامنة، يصل (وليد) ومجموعته إلى شاطئ يقع على مسافة 25 كيلومتراً تقريباً من كاليه، البحر هادئ والسماء صافية، فيما عناصر الدرك يقومون بأعمال الدورية على الشاطئ، خلال الليل تمشّط أنوار مصابيحهم الكاشفة كثبان الرمل بين الفينة والأخرى.

يختبئ أفراد المجموعة في حرج وراء الشاطئ، ويتكلمون همساً متحينين الفرصة للانطلاق.

أتت دورية للدرك مرتين، وصادرت زورقاً سارع المهربون إلى استبداله، ساعين إلى تأمين تقاضيهم أكثر من 40 ألف يورو عن كل مركب ينجحون في إيصاله إلى الوجهة المرجوة، على ما يقول (وليد).

قرابة الساعة السابعة صباحاً، أنزلت ثلاثة زوارق مطاطية إلى المياه بسرعة، وانطلقت مجموعة (وليد) أولاً متجهة إلى الشمال الغربي بسرعة 5.5 كيلومترات في الساعة، في الزورق 14 شخصا من بينهم نساء ورضيع وخمسة أطفال.

رفع الأيدي

بعد ساعتين من الإبحار، اقترب زورق الدورية الفرنسي «تيميس» من المجموعة، على ما رأت فرق وكالة «فرانس برس»، وقام بإبلاغ وحدتي المراقبة على جانبي المضيق بموقع الزورق، من دون أن تحصل أي عملية تدخل في البحر.

وأوضحت الإدارة البحرية أن الأولوية، بعدما يصبح المهاجرون في البحر، ليست لمنع العبور بل للمحافظة على الأرواح البشرية، في منطقة تمر عبرها 25% من حركة الملاحة البحرية الدولية.

يطير (وليد) من الفرح، فيما يكاد التعب والتأثر يغلبان عليه، فيرمي هاتفه المحمول في المياه لمحو أي أثر لحياته الماضية، فيما راح الجالسون بجواره يرفعون أيديهم ويصرخون، تأتي بعدها سفينة دورية لخفر السواحل البريطانيين لقطرهم إلى مرفأ دوفر.

بعد عملية عبور استمرت سبع ساعات، ترجّل المهاجرون إلى الأرض البريطانية على غرار عشرات آخرين في ذلك اليوم.

و(وليد) مستعد للقيام بأي عمل ليكسب لقمة العيش بعد وصوله إلى بريطانيا.

33 كيلومتراً

تعد مسافة الـ33 كيلومتراً، الفاصلة بين الساحل الفرنسي والأجراف الكلسية في دوفر على الساحل البريطاني، من أكثر الطرق البحرية اكتظاظاً وخطورة في العالم، ورغم ذلك تكثر محاولات عبورها منذ عام 2018، فبين الأول من يناير و31 أغسطس، حاول 6200 مهاجر، وفق الإدارة البحرية الفرنسية للمانش وبحر الشمال، العبور على متن زورق مطاطي لـ«الميسورين» منهم، أو على طوف أو مركب كاياك أو مجرد عوامة للآخرين.

طباعة