«زبال» عدوان و«جسد» فيدرمان يفتحان باب الجدل

«الزبال».. انتقادات للعمل ومديح لخصوصية الممثل.                 تصوير: محمد منور

يمكن اعتبار الجدل الذي أثارته عروض اليوم الثاني من المهرجان، أبرز ميزات هذا اليوم الذي لم تنجح فيه الأعمال مقارنة مع عروض اليوم الأول، وربما كانت الحوارات التي دارت بين نقاد ومسرحيين حول العروض، أكثر حيوية من الأعمال نفسها، أو على الأقل منحت هذه العروض وهجاً وحضورا تجاوز وهجها الذي خفت في أحيان كثيرة على الخشبة.

هذا الجدل لم يقف عند حد العروض نفسها، بل تجاوزها إلى الحديث عن حقيقة وجوهر فن المونودراما والمساحات الخلافية في المفاهيم والتعريفات بين الغرب والعالم العربي لهذا الفن، فهل هو مسرح الممثل الواحد؟ أم أنه ممثل الدراما الواحدة، الصوت الواحد؟ أم هو الفن الذي يضم كل هذه التوصيفات مجتمعة؟.

وعلى الرغم من انتقادات كثيرة انصبت على العرضين إلا أنهما تضمنا جملة من النقاط التي يمكن الوقوف عندها، فالعرض الآتي من الأردن والذي حمل عنوان «الزبال»، وهو من تأليف الراحل ممدوح عدوان، حمل في طياته ايجابيتين أساسيتين وهما عودة حاتم السيد إلى الإخراج بعد انقطاع تجاوز الـ20 عاما، أما الميزة الثانية فكانت الإطلالة المميزة للممثل عبدالكامل الخلايلة الذي وإن جردناه من ثقل العرض الذي أرهقه حقا، سنراه ممثلا قديرا متمكناً ولديه ما يكفي من الإمكانات الجسدية والصوتية والحضور الخاص على الخشبة.

العرض الثاني والذي حمل عنوان «جسدي تسع قطع» والآتي من لوكسمبورغ، كان فيه للممثل حصة الأسد، لكن مغامرة هذا العرض في الخروج من «العلبة الإيطالية» المعدة ليُعرض فيها منتقلا إلى عرض في الهواء الطلق وفي الساحة الخارجية للمسرح خلقت حالة من الإرباك، وجعلت العرض في بعض مراحله يفقد سيطرته على الخشبة والتواصل مع الجمهور، على الرغم من الجهود التي بذلها الممثل ستيف كارير والإشراقات الجميلة في المرحلة الأولى من العمل والتي ملأ فيها المكان، وخلق علاقة حميمة مع الجمهور.

تكريم

قام رئيــــس مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما بتكريم الفائزين في المسابقة الدولية لنصـــوص المونــــودراما، التي نظمتها هيــئة الفجيرة للثقافة والإعـــلام، والمكتب الإقليــمي للهيئة الدولية للمـــسرح بالفجيرة، بحضور الفــائزين في المســابقة باللغة العربيـــة واللغــتين الفرنسية والإنجليزية، وبحضور لجنة تحكيم المســابقة النسخة العربية، والنسخة الإنجليزية والفرنسية.

  • لجنة تحكيم النسخة العربية:
    • عبدالعزيز السريع، الكويت.
    • أسعد فضة، سورية.
    • حاتم السيد، الأردن.
    • يسري الجندي، مصر.
  • الفائزون باللغة العربية:
    • فيصل جواد، العراق.
    • خلف علي الخلف، سورية.
    • ناهض الرمضاني، العراق.
    • محمد الشربيني، مصر.
  • لجنة تحكيم اللغة الإنجليزية والفرنسية:
    • فاليري كوردي، بلجيكا.
    • كيفين بيترمان، الولايات المتحدة الأميركية.
    • إيمانويل سلوفينغ سيمها، أيسلندا.
  • الفائزون بالنسخة الإنجليزية والفرنسية:
    • نديفور البيس، النيجر.
    • باسكال نوردمان، سويسرا.
    • أندرياس فلوراكيس، اليونان.

«جسدي».. الأمانة للنص أظلمت إشراقات العرض.

مشكلة نص أم إخراج

العرض الذي جاء به المخرج حاتم السيد يمثل إعادة إحياء لعرض قدمه المخرج سابقا، في عام 1992 تحديدا، وعلى الرغم من قول المخرج بأن هذه الاستعادة تمت وفق قراءة ورؤية جديدة ومعاصرة، إلا أن عددا كبيرا من النقاد والذين يبدو أنهم شهدوا العرض السابق للمسرحية لم يجدوا في هذه التجربة تجديدا لمقولة العمل التي يبدو أنها لم «تعد تتناسب مع المعطيات السياسية والاقتصادية للمرحلة الراهنة»، وكانت بحاجة إلى المزيد من الاشتغال على بنية النص وفضاءاته ومقولته وحتى على الشكل البصري الذي كان مزدحما ولا يتناسب مع الضرورات الرمزية والإيحائية التي تتطلبها المونودراما.

وفي الوقت الذي انتقدت فيه بعض الآراء «اشتراكية» النص وتناوله قضايا لم تعد صالحة في مجتمعات عربية تفتح أبوابها لأي نسمة رأسمالية، وجد آخرون أن المشكلة لا تكمن أبدا في بنية النص الصالحة لأي زمان ومكان بل في آليات التناول وتطويع النص الطويل، ومنحه فضاءات جديدة، فنحن اليوم نشاهد الكثير من العروض لنصوص كتبت من 100 عام ولكن بتدخلات تمنحها روح العصر. وأشارت آراء أخرى إلى أن هذه التجربة لم تحمل جديدا، ولم يكن هناك أكثر من كلام يُسرد على الخشبة وليس عرضا مسرحيا.

حاتم السيد الذي أكد أن عملية إعداد العمل تمت بدقة شديدة، لكن التجربة تحمل في طياتها صعوبات عدة منها أن العمل يحمل مستويات ثلاثة وهي الرؤية، التقليد، والتمثيل، وكانت عملية الفصل بين هذه العناصر صعبة وشاقة وتطلبت جهدا كبيرا ومضاعفا من الممثل، واعتبر أن فن المونودراما من أصعب أنواع الفنون التي لا يستطيع أي شخص دخول غمارها فهي تمثل أنانية المؤلف والممثل والمخرج.

وقال «حاولت جاهدا ألا أكرر نفسي وأنا أعيد إخراج هذه المسرحية، ووجدتها فرصة للتعبير والتجريب والتجديد والتنقل بين المذاهب والمدارس الفنية المختلفة، غير أن الرؤية الإخراجية للعمل سابقا وحاليا واحدة خصوصا من الناحية الفكرية، غير أني غيرت الممثل بعد أن اختبرت الموهبة المسرحية العالية والحضور المميز للممثل عبدالكامل الخلايلة، واستطعت في هذا العرض الجديد أن أكون أقرب إلى الواقعية الشاعرية الجميلة». وأضاف السيد «هاجسي دائما هو المتفرج لأنه صاحب المصلحة الحقيقية في المسرح من دون آن أتنازل عن مبدئي في الحياة والفن المتمثل في البساطة والصدق، فكلما كنت بسيطا وصادقا فإنك تصل إلى قلب وعقل المشاهد من دون حواجز».

أما الممثل عبدالكامل الخلايلة الذي أخذ حقه من الإطراء والتأكيد على حضوره المميز على الخشبة، فأشار إلى أن أي تجربة مهما كانت يمكن أن تثير الإعجاب أو لا، موضحاً أنه على الرغم من تجربته الطويلة في المسرح والتي شارك فيها بأكثر من 40 عملا، إلا أن «الزبال» التجربة الأولى له في مجال المونودراما.

«جسدي تسع قطع»

لم يسلم هذا العرض من الانتقاد أيضا، على الرغم من كيل المدائح التي لقيها الممثل الذي خاض تجربة صعبة تمثلت في نقل العرض الذي أنجز ليعرض في قاعة مسرحية صغيرة إلى العرض في مسرح مفتوح، الأمر الذي خلق حالة من عدم التناغم بين منسق العمل والممثل، خصوصا أن هذه التجربة تعتمد بشكل أساسي على مبدأ الممثل الراوي الذي يحكي لنا حكاية الروائي والكاتب الأميركي الفرنسي الأصل ريمون فيدرمان وأثره في الأدب الأميركي، خصوصا أنه مثل في تجاربه وأعماله وجع المهاجرين، وأحزان الطبقة الفقيرة في أميركا، إضافة إلى قصة حياته التي وضعته أمام جملة من الامتحانات الوجودية فهو الوحيد من عائلته الذي نجا من المجازر التي ارتكبها الجيش النازي بعد احتلاله فرنسا، وذلك بعد أن خبأته والدته في خزانة الحائط. هاجر فيدرمان إلى الولايات المتحدة الأميركية عام ،1947 حيث بدأ حياته سمساراً. وفي عام 1954 بدأ دراسة الأدب المقارن في جامعة كولومبيا والتي أنهاها عام 1963 في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وقد كان موضوع بحثه عن صاموئيل بيكت، حيث كانت تربطهما صداقة قوية، واشتغلا معا لسنوات طويلة في تقديم أعمال مسرحية لعبت دورا كبيرا في تغيير وجهة المسرح في العالم.

وينبه هذا العمل الذي يمثل إعدادا لسيرة حياة وإبداعات فيدرمان تقوم على تقليص الاشتغال الدرامي لمصلحة القول والحكي والقراءة المباشرة لعدد كبير من تجارب وقصائد وآراء هذا الكاتب، الأمر الذي أدخل العمل في كثير من الأحيان إلى نفق مظلم من الرتابة والضيق وخلع عنه الكثير من الإدهاش والجمال الذي تمثل في بدايته، وتحديدا في النصف الأول من العرض، والتي ربما كانت جزءا من خطة العمل في لفت انتباه الجمهور والسيطرة عليه قبل البدء في عملية القراءة والسرد الطويل والمرهق. هذا الجانب أخذ قدرا كبيرا من الانتقاد. وعلى الرغم من أن منسق ومخرج العمل مارتن اينغلور، اعترف بأن الانتقال من مسرح الغرفة إلى المسرح المفتوح أضر بالعمل، إلا أنه دافع عن فعل السرد والقراءة على اعتبار أنهم من الفريق الذي لا يؤمن بتطويع النصوص الأصلية للكتاب وتغير حساسيتها وبالتالي كان عليهم الالتزام حرفيا بمقولات فيدرمان وعدم تغييرها وإعدادها بما يخدم مصلحة العرض حتى ولو كان ذلك ضد مصلحة العمل.

وعلى جميع الأحوال، فإن هذه التجربة التي حملت في طياتها الكثير من الاشتغال على الممثل، خصوصا في إيجاد ذلك المعادل الدرامي المثير بين الذاكرة واللحظة الراهنة، والاشتغال على تفتيت السرد إلى فضاءات داخلية وخارجية من دون الاعتماد على السينوغرافيا أو الأدوات الفنية كعناصر مساعدة في تحقيق هذا الأمر .

طباعة