غاسل الموتى يصادق «رجل القطار» في الفجيرة

«الذي نسي أن يموت» حكاية عن العلاقة المأزومة مع السلطة.                    تصوير: محمد منوّر

لا وقت نُضيعه في الحياة، ولا أمل على ما يبدو من كل الوعود والأحلام التي نقتات عليها، ولا جدوى من كل الانتظار الطويل الذي يكلل أعمارنا بالخيبة والإحباط والحزن. لا جدوى من أي شيء، مادام صراعنا اليومي لنيل قدر ـ ولو ضئيلاً ـ من الحرية يفضي بنا إلى حلقات متداخلة ومتاهات تنفتح الواحدة منها إلى الأخرى.

هي أسطر يمكنها أن تكون مدخلاً أولياً إلى باكورة عروض مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، والتي وإن اختلفت أدواتها التعبيرية، اجتمعت على قدر كبير من التشاؤم والاستسلام لقوى لديها ما يكفي من القدرة على استلاب الآخر، والسيطرة عليه والتحكم بمصيره، ووضعه أمام امتحانات مصيرية محكوم عليها بالفشل سلفاً.

تناغم المقولات بين العرضين، الإماراتي «الذي نسي أن يموت» والسويسري «رجل القطار» جاء مصادفة طبعا، لكنهما وضعانا بصورة جلية أمام العلاقة السلبية الأزلية مع السلطة وجبروتها، تلك القوة التي يمكن لتأثيرها السلبي أن يحيل حياة الأفراد إلى جحيم حقيقي، ويزرع في النفس تشوهات مدمرة.

اذا كنا أمام عرضين اتفقا على معالجة التأثيرات المدمرة للسلطة، بمعناها السياسي التقليدي في العرض الاماراتي، وبين السلطة الأبوية الفردية التي يمكن أن تودي إلى نهاية لا تقل بشاعتها عن السلطة التقليدية، فربما يجوز لنا دمج العملين تحت عنوان واحد، هو «رجل القطار نسي أن يموت»، أو يمكننا الحديث عن صداقة نشأت مصادفة بين غاسل الموتى في العرض الإمارتي ورجل القطار السويسري.

 
أكلات شعبية

لم يمنع الانشغال بالعروض المسرحية ولقاء الأصدقاء الفنان السوري سليم صيري من استغلال وجوده في الفجيرة للتعرف إلى الأكلات الشعبية الإماراتية، والتي خصص لها مساحة مناسبة في الفسحة الخلفية لقاعة العروض.

«الذي نسي أن يموت»

كان لابد من أن يكون الدخول إلى عرض «الذي نسي أن يموت» لمسرح خورفكان للفنون، محملاً بانطباعات إيجابية كثيرة، وبالفضول، والاسترخاء لفكرة أن ما سنشهده سيكون مميزاً، ويحمل قدراً من التفرد والخصوصية.

يجمع العمل بكل بساطة إسماعيل عبدالله الكاتب الشغوف بالمسرح وصاحب التجارب اللافتة وحسن رجب، المخرج المتمرس والقادم من مسيرة طويلة وتجربة لا يختلف على فرادتها أحد، وجمعة علي، الممثل الشاب والموهوب وصاحب الحضور الخاص على الخشبة.

تشبه هذه الثلاثية ـ إلى حد كبير ـ الوصفة السحرية لمسرحية مهمة وناجحة. ويجعلنا هذا الأمر تحديداً في منأى عن الدخول في اصدار أحكام وصفية متمثلة في النجاح أو الفشل، وبالتالي، الدخول مع أصحاب هذه التجربة في المغامرة التي أرادوا دخولها، واقتيادنا إليها. مغامرة تظهر ملامحها الأولى من أن عناصر العمل، تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، يدخلون إلى عالم المونودراما للمرة الأولى. فإسماعيل عبدالله، على الرغم من انتاجه الغزير نوعاً ما، لم يسبق أن كتب لهذا الفن الخاص، ورجب المعروف بقدرته على قيادة المجاميع على الخشبة، والسيطرة على عشرات الممثلين، وضع رؤيته هذه المرة أمام ممثل واحد، عليه اختصار كل شيء، وينطبق الأمر على جمعة علي الذي يقف بمفرد للمرة الأولى أمام الجمهور.

قوة النص

لا تنحصر المغامرة في المعلومة السابقة، بل تمتد أيضاً إلى مقومات وبنية العمل وتفاصيله والآليات التي ظهر بها على الخشبة. فالنص المونودرامي الذي كتبه عبدالله لا يختلف كثيراً عن خصوصية نصوصه السابقة التي تتسم بالقوة والسطوة، ما يجعل من مهمة إخراجها أمراً يتصف بالصعوبة والحاجة إلى جهد بصري، خصوصا أن في النص قدرا كبيرا من الاسترسال والتداعيات والتحولات التي لايفصل بينها لحظات هدوء، فنحن أمام شخصية في ذروة أزمتها. غاسل موتى أجبرته ظروفه المأساوية على هذه المهنة. وكان على المؤلف أخذنا في رحلة يعلي فيها من شأن القول والحكي والاسترسال في تداعيات تبدأ ولا تنتهي، أو تنتهي ولا تبدأ، تداخل بين الوهم والحقيقة والأحلام، والحالات التي تأخذ كل منها مشروعيتها من الأخرى.

ظل إسماعيل عبدالله في هذا النص أمينا لتجربته وخصوصيته في تحميل مسرحياته أبعادا دلالية كثيرة تصل بصورة جلية وواضحة للمتلقي، فهو أبعد ما يكون عن التغريب والتجريد، ودائماً نراه ينتصر للمقولة المباشرة والواضحة، وإلى شغبه وإشاراته السياسية والدخول في المساحات التي يُفضلها، على الرغم من أنها مزروعة بألغام كثيرة.

نص اسماعيل عبدالله تسكنه سوداوية قاسية، وفي أبعاده كثير من الألم المقترن بشخصية مأزومة حافلة بالتناقضات والتحولات، رمتها الحياة على هامش الهامش، وتوجتها بعزلة تجعل بطل العمل يراقص الموتى ويحتفي بالموت باعتباره المرادف الوحيد لحياته، لندخل لاحقاً في العلاقة مع السلطة، ومحاكاتها، وتعرية عوالمها. لكن، يبدو أن عقدة الاضطهاد لا تنتهي ابدا بموت المُضطهد، فالخوف الذي ينزرع في الروح طول عشرات السنين لا يمكن التخلص منه، حتى لو كنا أمام مضطهدنا الميت، أو ربما نحن من نصنع مضطهدينا، نخلقهم ونشكلهم، ونعيد ترتيبهم لنوجد مبررات للبؤس الذي نحن فيه.

 
عيد ميلاد

 استغلت الفنانة الكويتية زهرة الخرجي وجودها بين الحشد من الفنانين الزملاء والأصدقاء، للاحتفال بعيد ميلادها، وتلقت سيلاً من التهنئات، ليس فقط من الفنانين، بل من المعجبين بها الذين تجمعوا حولها، لمشاركتها فرحة عيد ميلادها.


عالم بصري

كان حسن رجب في العمل أمام مهمة ثقيلة، فالنص الذي كان بين يديه يصعب تفتيته وتشظيته إلى عناصر بصرية مستقلة، لأن أي خلل في سياقه الدرامي قد يؤدي إلى مشكلة فنية حقيقية. ومن هنا، كان عليه أن يخلق عالما بصرياً موازياً، يضيء فيه الحالات النفسية المتداخلة، ويُنجز مشهداً مشاكساً وغير مألوف، من حيث التوظيف، وتوفير جملة من الدلالات التي تتسع وتضيق، تكبر وتصغر، وتستفيد من مساحة الخشبة، ومقومات المكان الفقير بالأدوات خصوصاً أننا في غرفة لغسل الموتى. وربما كان رجب في هذا العرض أقرب إلى الخياط الذي ألبس حكاية درامية تقليدية ثوباً جماليا قوامه النور ومؤاخاته مع العتمة التي تتناسب مع جوهر الحكاية وعمقها.

وبعيداً عن الاختلاف أو الاتفاق مع المخرج، فإن العرض يقدم لنا الجهد الكبير الذي بذله رجب، وحجم الاشتغال البصري، وتلك الاقتراحات الجمالية الجريئة التي تستفيد من الممثل الذي ترك له المخرج مساحة كبيرة للعمل والتداخل مع أدوات العرض، وتوظيفها وفق خطة كانت تصيب وتشرق في أماكن، وتخبو في أماكن أخرى. في هذه المسؤولية التي ألقاها المخرج على الممثل قدر كبير من المغامرة والتجريب، خصوصاً أنه ترك مهمة تنفيذ الإضاءة مباشرة على الخشبة للممثل، وهي مسؤولية قلما نراها، ولعل في هذا الأمر إعلاء لشأن تجربة نكهة جديدة في العرض المسرحي، وهي قيمة بحد ذاتها، تتناسب مع خصوصية المونودراما المنفتحة دوما على تجربة كل ما هو جديد ومغاير.

قوة الأداء

في هذا العرض، كنا أمام تأكيد جديد من الممثل جمعة علي على أنه من الممثلين الإماراتيين الذين يتمتعون بحضور خاص ومتفرد على الخشبة التي استطاع أن يجعلها مساحة لتقديم عرض مميز حمله جمعه بجهد واضح، خصوصاً أنه كان عليه أن يدير أدوات الفرجة وبذخ الإضاءة، وأن يتماهى معها، وأن يُمسك بالتحولات النفسية والإيقاعية للشخصية التي اندرجت حكايتها أمامنا والأزمات التي مرت بها، وصولاً إلى وضعها الراهن.

استطاع جمعة علي أن يقدم عرضاً مهماً في مسيرته الفنية، وأن يضع قدمه على عتبة ابداعية لم يدخلها من قبل، بكل ثقة وحرفة، وبعض الأخطاء التي كان لابد منها أمام حجم العمل، والمهام التي كانت منوطة به.

 

تقشف سويسري

ثمة وجه آخر للمونودراما في العرض السويسري المميز «رجل القطار»،له علاقة بفهم مغاير تماماً، وحضور خاص مرتبط بالفروق الجوهرية بين مسرح عربي يميل في الغالب نحو الاسترسال في البلاغات البصرية، والانشغال بجملة من التفاصيل التي يكون أثرها سلبياً في جوهر المونودراما التي تحتفي بالممثل وشغفه وحضوره الآسر على الخشبة.

في العرض، كنا أمام التقشف بأبهى صوره، ليس هناك غير ممثل (رافايل تروب)، على خشبة قوامها طاولة وكرسي خشبي. وفي الوقت نفسه، كنا أمام حكاية لا تخلو من التعقيد والعمق، وتحولات نفسية كثيرة تتفاعل أمامنا، وتتصاعد بهدوء وعفوية مدروسة، جعلت من الجمهور غير العارف باللغة يصير في عمق هذا العرض الذي يروي لنا الأثر النفسي العميق للسلطة الأبوية والمجتمعية والقومية، والتي تنعكس في نهاية المطاف على الفرد وتدخله في أزمات لاتتوقف عن التنامي والتضخم، إلى الدرجة التي يصعب السيطرة عليها، وتضعك وسط صراع محموم مع الذات، بين القناعات المغروسة في النفس والأخرى المكتسبة، وتأخذنا في نهاية المطاف إلى الحد الفاصل بين اختيار الموت والحياة ما دامت ستظل على هذه الشاكلة.

يبدو العرض للوهلة الأولى خالياً من أي لمحة إخراجية، بالمعنى الكلاسيكي الذي نعرفه عن الإخراج ودور المخرج في العرض، إلا أن الإهمال المتعمد لبلاغة الشكل كان لمصلحة العمل على الممثل، والاشتغال الكامل على أقل تفصيلة في الوجه والجسد وطرق النطق، حيث كانت الجملة المنطوقة منسوجة تماماً مع التحولات البطيئة التي كنا نشهدها عن الممثل الذي امتلك الصالة، وقدم عرضاً وقضية إنسانية معقدة، تتصارح فيها الذات مع الآخر، تتمرد، تملص، تضيع، لكنها تظل عالقة في فخ الأزمة، أو الأزمات التي يبدو أنها لن تنتهي إلا مع انتهاء الحياة بقصدية واضحة.

ليس في العمل أدنى ميل إلى التشخيص أو الأداء التمثيلي، بل كنا أمام اقتصاد في كل شيء، بحيث تصير النتائج المفاجئة منطقية جداً مؤثرة بطريقة موجعة. تضيع من أمامنا الأزمنة، لأن الخيط الذي يفصل بينها واهٍ وبسيط، وتقودنا قدرة هذا الممثل الحكاء إلى درجة الثرثرة نحو بواطنه. و في لحظة ما، ينقل لنا ذلك الضيق الذي هو فيه، ينقل لنا عدوى المعاناة، لأننا في نهاية العرض ننتقل من كوننا نشاهد، إلى شركاء، وتتشظى أزمة العمل من الممثل، لتصير سلسلة أزمات يتقاسمها الجمهور ويعيشها لساعات، وربما لأيام.

«رجل القطار».. أداء وعرض يظهر خصوصية الممثل.
طباعة