«عجمي».. الفلـسطيني مجرم والإسـرائيلي شـرطي

مشهد من فيلم «عجمي» آوت ناو

يمكن القول إنه الواقع! ، ومن ثم على كل شيء أن يصمت بمجرد توصيف ما يقدمه فيلم بالواقعي، لكننا ودائماً ننسى أن هناك واقعاً آخر ربما، أو أكثر من واحد يتخذ الفيلم منه معبراً إلى واقعيته، ولعل التقديم هنا لفيلم يوصف بالإسرائيلي الفلسطيني، سيدعنا نقف ملياً أمام ما يقدمه، بوصفه رصداً لهذا الواقع الذي وصل بالفلسطينيين إلى أن يكونوا السواد أو العالم السفلي في «إسرائيل»- كما يرينا هذا الفيلم- ونحن نتكلم هنا عن من يعرفون بـ «عرب 48» ومن خلال فيلم عنوانه «عجمي» الذي سيمثل إسرائيل في الأوسكار، كونه نال جائزة «أوفير» الإسرائيلية والجائزة الأولى في مهرجان القدس السينمائي، إضافة إلى التنويه به في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي.

فيلم «عجمي» من إخراج الفلسطيني إسكندر قبطي والإسرائيلي يارون شاني، وعلى شيء له أن يحقق إملاءاته، وفق هذه الثنائية التي لا يمكن تناسيها أمام تحلي الفيلم بإيقاع لا يفارق الحي الذي اتخذ منه بؤرة أحداثه، على اعتبار حي «العجمي»، وإلى جانبه «الجبلية» آخر حيين عربيين في مدينة يافا المهوّدة.

يتخذ الفيلم من شخصيات كثيرة مساحة لتحركه، وينسج عدداً كبيراً من القصص التي سرعان ما تتداخل، ولتفضي في النهاية إلى تشابك أكبر ومن ثم اكتشافات تسعى إلى تقديم مفاجآت كبيرة في النهاية، في استثمار لكل ما شاهدناه بداية. الفيلم مأخوذ بالاستحواذ على الواقع كما هو، كما أن الممثلين في الفيلم هم سكان حي العجمي أنفسهم، بمن فيهم اسكندر قبطي نفسه، كما أن الكاميرا ستكون طيّعة في خدمة تقديم ما يحمل روحاً توثيقية، والتقاطاً لحركة الممثل بأعلى قدر ممكن من الحقيقة، كما هي ردود الأفعال والحوارات وصولاً إلى موقع التصوير نفسه الذي يملي تصويراً خارجياً لثلاثة أرباع الفيلم أو أكثر، وكل ما له أن يرصد الواقع بحذافيره الذي يملي تقشفاً ما، ومحاكاة لأفلام كثيرة لا تعبأ إلا بالواقع مثلما هو الحال مع فيلم «مدينة الله» للبرازيلي فرناندو ميرالس وهو يتخذ من هذا الحي في ضواحي ريو دي جانيرو مسرحاً لأحداثه، لكن مع استثمار في عناصر بصرية كثيرة وبتطرف أقل متى تعلق الأمر بفجاجة الواقع في «عجمي»، وباعتبار «مدينة الله» مثالاً قريباً من بين أمثلة كثيرة لها أن تعيدنا إلى «الواقعية الإيطالية» أيضاً، لكن باختلافات كثيرة.

«تسعة»

 

يُعرض في دور العرض المحلية فيلم Nine (تسعة) الذي يستعيد في قالب غنائي استعراضي ملامح من حياة وأفلام المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني، وفي محاكاة مميزة لفيلمه «ثمانية ونصف»، حيث يعاني المخرج غيدو من جفاف إبداعي يمنعه من كتابة فيلمه الجديد، على الرغم من الإعلان عنه، وعليه، يمضي الفيلم في استعادة حياته وغرامياته والنساء اللواتي يحاصرنه. الفيلم من إخراج روب مارشال، صاحب «شيكاغو»، ومحتشد بالنجوم، أمثال دانيال داي لويس وبينلوبي كروز ونيكول كيدمان وصوفيا لورين وآخرين.


غارقون في الأحلام

يمكننا الخلوص من فيلم «عجمي» بأن العرب المتبقين في يافا أمسوا غارقين في خلافاتهم، مهاجرين في أرضهم، لا بل إن الفيلم يمنحنا شعوراً بأننا أمام واقع المهاجرين العرب في أوروبا، فشبان «العجمي» يعيشون البطالة وهم دائماً على عتبة الجريمة والمخدرات، والأزمات التي نعاينها قبل دخول الشق الإسرائيلي من قصة الفيلم، ستكون متمثلة بالثأر، وما يعيشه عمر من خوف بعد إقدام عمه على قتل أحد ما من عائلة كبيرة، سرعان ما تنتقم من العم الذي يمسي مقعداً، وتواصل تلك العائلة مسعاها لقتل شباب عائلة عمر الصغيرة، وعلى رأسهم هو نفسه، لا بل إن جاراً لم يتجاوز العاشرة من عمره سيطاله رصاص الثأر.

راوي الفيلم هو أخ عمر الصغير، وبالانتقال إلى تقسيم الفيلم إلى خمسة فصول، تدخل شخصية جديدة هي مالك القادم من الضفة الغربية، ثم بنج وعدد كبير من الشخصيات التي يزدحم بها الفيلم في شقه الفلسطيني، وليجري الانتقال إلى الشق الإسرائيلي، حيث ضابط الشرطة وأخوه الجندي الذي يعثر عليه مقتولاً في الضفة، وإلى جانب هذا الضابط تحضر زوجته وأولاده، ووالده ووالدته.

على عمر أن يدفع مبلغاً من المال للمصالحة مع العائلة التي تسعى إلى قتله، بينما أم مالك مريضة بحاجة إلى المال لإجراء عملية، عمر المسلم يحب بنت صاحب عمله المسيحية والذي يرفض أن تكون بينهما أية علاقة، بما في ذلك زواجهما، لدرجة تدفعه إلى الوشاية بعمر لدى الشرطة الإسرائيلية، ومن خلال قبول مالك أن يلعب دور الواشي مقابل الحفاظ على عمله، ومن ثم تأتي النهاية التي يتضح فيها كل شيء، إذ إن بنج لم يقتل على يد الشرطة الاسرائيلية بل في جرعة زائدة من الكوكايين، كما أن الساعة التي يحملها مالك ستكون ساعة أخ ضابط الشرطة الاسرائيلية، وغير ذلك من مفاجآت ينتهي بها الفيلم، بعد أن يكون قد قدم أجزاءً غير مكتملة من أحداث بعينها ومن ثم استكملها في النهاية، مع الحفاظ على تواتر الأحداث وتدافعها إلى نهاية الفيلم.

حرفية عالية

الفيلم متقن ومصنوع بحرفية عالية تستثمر أدوات بسيطة لنا أن نجدها في كاميرا محمولة تسعى إلى جعلنا لصيقين بكل شخصية من شخصيات الفيلم، وبالقدر نفسه يمتلك الفيلم قدرة «تنميطية» مدهشة، حتى وإن كان شاغل الفيلم هو تقديم العالم السفلي في حي العجمي، الذي لا نمتلك إن كان الأمر مقتصراً على ذلك إلا أن نتابعه بإعجاب، لكن مهلاً، هناك على الضفة الأخرى القصة الإسرائيلية وشخصياتها، وذاك الإسرائيلي الذي يقتل لا لشيء إلا لأن يسأل جيرانه العرب عدم تربية الماشية في الحي- الأمر الذي يأتي خارج سياق أحداث الفيلم- بينما يظهر ضابط الشرطة الاسرائيلية كائناً مفرط الإنسانية، ومقتل أخيه لن يكون إلا على يد من هم في الضفة الغربية، وبموازاة ذلك يظهر عمر رجلاً طائشاً مستعداً لفعل أي شيء، بينما يكون مالك واشياً ولا يرى في الحياة إلا تحصيل رزقه ومهما كلفه ذلك من خيانة، الأمر الذي يمتد إلى كامل الشخصيات العربية في الفيلم، كما هو صاحب العمل الواشي أيضاً والطائفي، وغير ذلك.

لا يفوتنا التأكيد على أن في كل مجتمع من هم سيئون وقتلة ومجرمون، وما من أحد ملائكي في هذا الكون الشاسع، كما أن جلد الذات واحد من المهام الابداعية ربما، لكن السؤال الذي يفرض نفسه ونحن نشاهد «عجمي» وجمالياته السينمائية، هل مشكلة سكان يافا مقتصرة فقط على مشكلاتهم الاجتماعية؟ وما دام العالم السفلي المساحة التي يتحرك فيها الفيلم فلماذا لا يرصدها لدى الإسرائيليين؟

 جاسوس على السجادة الحمراء

الممثل الصيني جاكي تشان يصل إلى السجادة الحمراء في حفل العرض الأول لفيلم «الجار الجاسوس» مع الممثلين المساعدين في الفيلم في فندق ذي غروف مطلع الأسبوع في لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا في أميركا.


طباعة