صراع بين العبودية والحرية يحسمه حبل المشنقة

«المغتربان».. كوميديا سوداء بلمسات فلسفية ساخرة

صورة

60 دقيقة بين الحنين للوطن، والخوف من المصير المجهول الذي ينتظر العائد، هذا ما تناوله العرض الثاني لمهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي (المغتربان)، لفرقة «نعم» الفلسطينية. ووسط حضور وتفاعل جماهيري كبير، واصل المهرجان عروضه وفعالياته للدورة الرابعة، المقامة بالمركز الثقافي بمدينة دبا الحصن. حيث شهدت أمسية أول من أمس العرض المسرحي (المغتربان)، للمخرج إيهاب زاهدة، وأداء الفنانين محمد الطيطي ورائد الشيوخي، المقتبس عن مسرحية «المهاجرون»، للكاتب البولندي سلافومير فروجيك، والتي كتبها في عام 1974 في باريس بعد هجرته إلى هناك.

وتقوم فكرة العرض على الحوار الثنائي الذي يدور بين شخصيتين متناقضتين جمعت بينهما حياة المهجر، ورغم اختلاف انتمائهما الفكري وأفكارهما الحياتية، إلا أنه أحياناً قد يختبئ التشابه خلف مرآة هذا الاختلاف.

تدور أحداث العرض في إحدى ليالي رأس السنة، حيث في مكان ما اجتمع اثنان من المهاجرين، الأول بسيط وعلى قدر قليل من الثقافة والوعي بما حوله، ولديه هدف واحد من هذه الهجرة الطويلة التي استمرت سنوات، وهو أن يجمع المال من مهنته المرهقة، ليعود إلى وطنه كي يبني منزلاً كبيراً، ليحوله هذا الحلم إلى شخص بخيل، يشتري ويأكل طعام الكلاب والقطط، كونه الأرخص ثمناً.

أما الشخصية الثانية، فهي ذلك المعارض السياسي المثقف، الذي تم تخييره بين السجن والإبعاد عن الوطن بسبب نشاطه السياسي ومقالاته المناوئة للسلطات، فاختار الهجرة إلى هذه البلاد الجديدة، ليعيش حالة من العزلة التامة بين كتبه وأوراقه، فيحاول أن يجعل لحياته أي معنى من خلال عزمه على تأليف كتاب عن الإنسان والعبودية والحرية، عبر مراقبة الناس البسطاء، وفي مقدمتهم شريكه في السكن.

وتعيش كلتا الشخصيتين في الطابق السفلي لإحدى البنايات في بلد المهجر، بظروف حياة صعبة، يكرهان بعضهما كثيراً، نتيجة اختلافهما الشديد، حيث يقضيان كل وقتهما في المشاجرات والمجادلات والثرثرة التي لا فائدة لها.

تساؤلات وجودية

تضمن العرض مجموعة من الحوارات التي اشتملت على مجموعة من التساؤلات الوجودية والفلسفية التي يطرحها الثنائي خلال العرض، عن معنى الحياة، والهدف من حياتهما، حتى تصل حدة هذه الحوارات إلى محاولة قتل بعضهما.

تتسارع الأحداث، حتى يصل الصراع إلى ذروته، فيتخلى كل منهما عن حلمه وسببه من هذه الهجرة، فيمزق الأول الأموال التي جمعها وخبأها في دمية على شكل «كلب»، لإثبات ما يخالف حديث الثاني المثقف، الذي بدوره يتخلى عن تأليف كتابه ويمزق جميع المقالات والملاحظات التي دوّنها سابقاً. وتنقلب الأدوار بين الاثنين، حتى يقدم البخيل على الانتحار، بعد أن تكشفت له الكثير من الأمور، وبعد أن كان يحاول ثني المثقف عن هذا الفعل، لتبقى جدليتهما أو جدلية الأشخاص الذين يختارون الهجرة، ويرضون بحياة صعبة في سبيل أسبابهم المختلفة.

بساطة الديكور ورقي الأداء

عن تجربته الإخراجية، قال المخرج الفلسطيني إيهاب زاهدة لـ«الإمارات اليوم»: «اعتمدت على عنصري الديكور البسيط، والأداء العالي المتمكن للممثلين، وجعلت من كل ركن من أركان العمل لساناً ينطق بالتناقض الذي ينتشر في حياتنا، ليقتصر الديكور على المسكن البائس الذي يمثل العالم السفلي الذي ينتمي إليه البطلان، وتعلوه الشقق التي تمثل العالم الفوقي ليعكس الهوة بين العالمين».

ويوضح زاهدة أن اختياره توقيت حدوث الحوار كان متعمداً «ليظهر تناقض آخر، حيث يدور الحدث الدرامي في ليلة رأس السنة، لتعميق الهوة بين العالم الفوقي الذي يعيش في رغد، مبتهجاً ومنتشياً، وهو يستقبل عاماً جديداً، والعالم السفلي الذي يجتر معاناته وبؤسه، ويتخبط في أحلامه وأوهامه».

ويؤكد زاهدة أنه اعتمد على «التناقض بين طبيعة الشخصيتين، الذي يقود أحياناً للتشابه، حيث تتجلى في العرض شخصية المثقف الجاد، الذي رغم إجادته اللغة الانجليزية، ومعرفته بطريقة تفكير الأميركيين وأسلوب حياتهم، لم يستطع الاندماج في مجتمعهم».

ويكمل «في الوقت الذي تبدو فيه أزمة الشخصية الأولى، التي يعمل مجسّدها في حفريات وتمديد قنوات الصرف الصحي، مادية، معتقداً أنه إذا جمع المال الوفير وعاد إلى وطنه يستطيع أن يفرض احترامه على الآخرين، تبدو مشكلة المثقف أكبر، فهي تتعلق بالنظام الاستبدادي الحاكم في بلده».

«التمثيل الصامت»

اليوم الثاني من المهرجان، الذي جاء تحت رعاية مركز شرطة دبا الحصن، شهد في الفترة الأولى من مساء أول من أمس، ورشة تدريبية، عرفت حضوراً كبيراً من المتدربين، وجاءت تحت عنوان «التمثيل الصامت في مسرح الصغار»، وأشرفت عليها الفنانة المصرية سماء إبراهيم، التي قدمت جملة من التدريبات العملية، وسط تجاوب كبير من المشاركين.

جاذبية التمثيل

شهدت الندوة النقدية التي تلت العرض، وأدارها المخرج العراقي حازم كمال الدين، اتفاق المداخلات في معظمها على ثراء الأداء التمثيلي. وقال أحد المتداخلين إن سر جاذبية التمثيل وتفاعل المتفرجين مع العرض نابع من صدقه الفني، في الكلام وفي الفعل. وأشاد متداخل آخر بالأسلوب الإخراجي الذي طبع العمل، خصوصاً في تصميم فضاء العرض ونطاق حركة الممثلين، ولكن ثمة من أخذ على المخرج استخدامه قطعاً ديكورية على نحو شكلي، ومن دون أن تلعب أي دور وظيفي ملحوظ، فلا علاقة فاعلة وملموسة بينها وبين الممثلين.

من جانبه، شكر المخرج الطاقم الفني الذي شاركه في إنتاج العمل، واستعرض مسيرة تشكيل وتقديم العرض لجمهور متنوع في فلسطين وخارجها، في مدى زمني ليس بالقصير، ووجه التحية لإدارة مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي، مشيراً إلى أن المهرجان يعتبر منصة مهمة لتلاقي الفرق العربية وتحاورها وتبادل المعارف والخبرات في ما بينها.

الملتقى الـ16.. ينطلق اليوم

تنطلق عند الساعة الرابعة والنصف من عصر اليوم، بالمركز الثقافي لمدينة دبا الحصن، فعاليات ملتقى الشارقة الـ16 للمسرح العربي، الذي صار مرافقاً لفعاليات مهرجان المسرح الثنائي منذ ثلاثة أعوام، ويجيء الملتقى هذه السنة تحت عنوان «المسرح العربي والمجايلة».

ويقترح الملتقى على المشاركين معاينة وقراءة مسار الاتصال أو الانفصال، بين أجيال المسرح العربي، منذ البدايات، وصولاً إلى المرحلة الراهنة؛ باعتبار أن مسألة التكامل والتقاطع بين تجارب المسرح الرائدة والجديدة، وعلى الرغم من أنها كانت ولاتزال موضوعاً مثيراً للجدل والنقاش، في مناسبات وتظاهرات عدة، في الماضي كما في الحاضر، إلا أن الدراسات والأبحاث المنجزة حولها، خصوصاً في المكتبة المسرحية العربية قليلة جداً.

وتصطحب المداخلات المقدَّمة، أسئلة وملاحظات ورؤى متنوعة وجديدة، تختبر من خلالها مفهوم مصطلح «الجيل»، كطريقة منهجية للفرز بين التجارب المسرحية، وتمييز سماتها وطموحاتها، وتستكشف سيرة التجاور والتجاوز بين أجيال المسرح العربي، وتقرأ صحة الوصف الرائج الذي يرسم العلاقة بين هذه الأجيال، على أساس أن ثمة جيلاً سابقاً يلح على تأكيد وتمديد «وإدامة» حضوره من جهة، وجيلاً جديداً، طموحاً ومتطلعاً، يسعى إلى الوجود والتحقق. من جهة أخرى، أو بطريقة أخرى، فإن هناك جيلاً رائداً، تظهر له تجارب الجيل الذي تلاه مغتربة وهشة، وتعوزها الخبرة والجودة، وغير جديرة بالاعتراف والاحترام، وثمة جيل صاعد، تبدو له منجزات الأجيال التي سبقته، تقليدية، وخارج الزمن، أو أشغال بدايات ينبغي تخطيها.


- المسرحية مقتبسة عن الكاتب البولندي سلافومير فروجيك.

- تعيش الشخصيتان في طابق سفلي لإحدى البنايات في ظروف صعبة.

إيهاب زاهدة:

«(المغتربان) دراما تحركها المشاعر المختلطة».

طباعة