منصورة عز الدين: البعض يقرأ كتابات المرأة بطريقة تلصَصية

منصورة عز الدين: لا أحب الصوت العالي في الكتابة. من المصدر

منذ المجموعة القصصية الأولى للمصرية منصورة عز الدين، راهنت قامات أدبية على تجربتها المختلفة، وفرادة كتابتها المغايرة لأبناء ـ بل وبنات ـ جيلها، ومع عملها الثاني، رواية «متاهة مريم»، اكتسبت الكاتبة مساحة جديدة من الاحترام النقدي والقرائي، وفي عملها الأخير «وراء الفردوس» لم تخذل منصورة من راهنوا على قلمها، إذ استطاعت رواية ابنة الرابعة والثلاثين أن تزاحم الكبار في القائمة القصيرة المرشحة لحصد الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر )، بعيداً عن اللغط المثار حول الترشيحات.

وعلى الرغم من تداخل أساليب «وراء الفردوس»، ومزجها الواقعي بالغرائبي، وتضفيرها الأحلام مع الحكايا الأسطورية في فضاء الرواية، إلا أن قارئها لا يستشعر حالة التيه، ولا تصيبه الحيرة التي تتملكه في كتابات أخرى، فسرد «وراء الفردوس» كان مغايراً ومتماسكاً في آن، بل وفي بعض الأحيان، قريباً كحدوتة شعبية تتقارب عوالمها الغريبة، حيث ترى منصورة أن «الأحلام والأساطير والحواديت الشعبية الموجودة، هي ابنة الواقع الذي تتناوله الرواية وليست دخيلة عليه. المكان الريفي الذي تدور فيه كثير من أحداث الرواية هو الذي قام بتخليق الأساطير والجوانب الميتافيزيقية الخاصة به. في ريف الدلتا المصرية يتعايش البشر مع حواديت الجن والأشباح وعالم الأحلام كأنها جزء من واقعهم لا ينفصل عنه».

وتوضح منصورة عز الدين في حوارها مع «الإمارات اليوم» أن المكان الذي تناولته روايتها هو الذي فرض عليهاّ أساطيره والأبعاد الغرائبية الخاصة بها، ومن هنا جاءت غير نافرة عنه.

وعن الحدود الفاصلة بين الخاص والعام في الرواية، ورؤية بعضهم أن حاصل سلمى وجميلة (الشخصيتان الرئيستان في الرواية) يساوي منصورة، وهل مجرد العودة إلى أطياف المكان الأول للكاتب، واستدعائه بعض ملامح شخوص عاشرهم كافٍ لجعل الرواية سيرة ذاتية؛ تقول «كل هذه الأشياء لا تشغلني، لا أكتب سيرة ذاتية، بعضهم يقرأ كتابات المرأة بطريقة تلصصية، كأن أي كاتبة تكتب بالضرورة عن نفسها، وأعتقد أن هذه طريقة قاصرة في مقاربة الأعمال الفنية. الرواية عامرة بشخصيات متنوعة، وقبلها كانت روايتي الأولى (متاهة مريم) كذلك. وأعتقد أنني، بشكل أو بآخر، موجودة في جميع الشخصيات الفنية التي أكتبها، ذكورية أم أنثوية، لكن هذه الشخصيات في المقام الأول متخيلة».

لا تفريق

وتمتاز رواية «وراء الفردوس» بأنها إلى حد بعيد لا تفرق بين الأصوات الأنثوية والشخصيات الذكورية، بطلاتها لا يصرخن متبنيات قضايا ما، إلا همومهن الخاصة، ومتاعبهن الإنسانية، من دون ضجيج أو مهاجمة للرجل (ذلك المسؤول دوما عن أخطاء العالم، حسب كاتبات أخريات). تجيب منصورة عن كيفية احتفاظها لبطلاتها المأزومات بهدوئهن «الفني»، قائلة «رؤيتي الخاصة أنه ليس على الروائي أن يكون ناطقاً رسمياً باسم جنسه أو قبيلته، أو حتى أفكاره الخاصة وحدها. الرواية تماثل العالم الذي نعيش فيه بكل ما يحويه من صراعات وأصوات ورؤى وخطابات متعددة. أتعامل مع الشخصيات التي أكتبها ـ بغض النظر عن جنسها ـ كشخصيات فنية لا كنماذج تعبر عن أفكار بعينها».

وتشير إلى أنها تحاول قدر الإمكان الانحياز لمنطق العمل الذي تكتبه ومنطق شخصياتها، ولا تفرض عليها أفكارها، وإلا لخرجت جميعها متشابهة تعبر عن وجهة النظر نفسها. وتقول «الرواية تتعدد فيها الشخصيات النسائية، وكل شخصية تختلف عن الأخرى في نظرتها للعالم، أيضا الشخصيات الذكورية حاولت رسمها بالدرجة نفسها من الاهتمام. يمكنك القول إن الأزمات التي يعاني منها كثير من شخصياتي هي أزمات وجودية بالأساس. وفي النهاية، الأمر مرتبط برؤيتي للكتابة ككل، لا أحب المباشرة أو الصوت العالي في الكتابة، أفضل عليهما الإقامة في مناطق الالتباس والبين بين، والتعامل مع الموضوعات التي أتناولها بنوع من الحياد الفني».

وبخصوص تركيبة شخصية ظيا (زوج سلمى)، على الرغم من حضوره والتشويق له والسؤال عنه من أول الرواية، إلا أنه لم يكن بألق شخصيات أخرى، خصوصاً حين سردت سلمى تفاصيل العلاقة بينهما، إذ لم يمتلك طزاجة وحياة شخصيات كونت عالم الرواية، وهل تهميشه، على الرغم من دوره في حياة بطلة الرواية، مقصود مثل حاضر بلا معالم في الغالب، مقارنة بأناس أكثر طزاجة وحياة شكلوا ذكريات الماضي. تقول منصورة عن ذلك «لشخصية ظيا تحديداً علاقة بأنني ككاتبة أرى أن قدرة المبدع على الحذف، لا الإضافة، هي الطريق للكتابة الجيدة. فبعد أن أنهيت الكتابة الأولى للرواية جاءت مرحلة البناء، وفي هذه المرحلة، حذفت كثيراً مما رأيته زيادات ترهق إيقاع العمل. حاولت قدر الإمكان عدم الانسياق وراء الشخصيات، ومحاولة الاستفادة منها بقدر يخدم العمل. ففي الكتابة الأولى، كانت الشخصية موجودة بشكل أوسع، لكن، مع قراءتي لما كتبته، اكتشفت أن تفاصيل كثيرة خاصة بالشخصية لن تضيف الكثير للرواية، ظيا بالنسبة لي كان مرآة تنعكس عليها شخصية سلمى، بمعنى أن وجوده يخدم الرواية في توضيح بعد مهم في شخصية سلمى، هو الخاص بعلاقتها بجسدها والأزمة النفسية التي تعانيها في هذا الصدد، وبالتالي، أخذت منه ومن علاقتها به ما يفيد في هذا الجانب».

مساءلة الماضي

وتعتبر صاحبة «وراء الفردوس» أن روايتها أبعد ما تكون عن الحنين للماضي (النوستاليجا)، فبحث الشخصيات عن فراديسها الخاصة، ونبش سلمى في الماضي العائلي والاجتماعي، لا يعدان استسلاماً لذلك التاريخ، فطوال الرواية ثمة محاولات للتخلص من عبء هذا الماضي وجروحه، ثمة محاولة للتحرر منه. العطب الموجود في الحاضر ـ وفقاً للرواية ـ هو نتاج لأخطاء الماضي، وهذه تظهر بشكل أكبر حين يكون الحاضر بليداً، فتتضخم أشباح الماضي بفعل هذه البلادة. سلمى كانت كأنها تحاول فهم هذا الماضي ومساءلته، لتفهم العالم حولها في لحظته الحاضرة، حسب منصورة التي تضيف عن رؤيتها لكتابة الجسد «فنياً»، خصوصاً أن كاتبات يرين الجسارة في ولوج تلك المنطقة وعدم الخروج منها، إذ لم تشغل «وراء الفردوس» تلك القضية، لا سيما أنها كانت تحتمل لو أردت «لا أحب التقسيمات، المعيار الأساسي في الحكم على أي عمل هو معيار فني أولا وأخيراً. ثمة كتابات تتناول الجسد طارحةً إشكالات فلسفية ووجودية عميقة جداً، وهناك كتابات سطحية تقارب الموضوع بخفة. بشكل شخصي أنحاز إلى الأعمال التي تطرح أسئلة وجودية وفلسفية وتحاول فك لغز النفس الإنسانية المعقدة».

وترى منصورة أن «التصنيفات بشكل عام واهية. في (متاهة مريم) وبعدها (وراء الفردوس( يحضر الجسد بقوة في العمل، لكن إذا كان مفهوم الجسد يرتبط بالجنس لدى بعضهم وحده، فربما لن يلحظوا وجوده. في (متاهة مريم) كان الجسد هو المفتاح لفهم شخصية نرجس أم البطلة، علاقتها به واغترابها عنه بداية من فترة حملها التي حكمت حياتها ككل. في (وراء الفردوس) جسد سلمى مكبل بشكل ما، مكبل بمخاوفه وبعدم وعيها به ولا باحتياجاته. هناك حتى جملة تصف سلمى بأنها معوقة بطريقتها الخاصة، تمثلت إعاقتها في عدم وعيها بجسدها (جسدنا، هو نحن، هو تاريخنا الشخصي، وتاريخ الصدمات التي تلقيناها، والجروح التي عانينا منها) ».

مشروعات مقبلة

قالت منصورة عز الدين عن مشروعاتها الروائية المقبلة، وهل سينتظر قارئها أربع سنوات أخرى (الفاصل بين روايتيها «متاهة مريم» و«وراء الفردوس») ليرى جديدها، «خلال السنوات الأخيرة تجمع لدي عدد من القصص القصيرة، كنت أكتبها على فترات متباعدة في أثناء انشغالي بكتابة الرواية، واشتغل حالياً على قصص جديدة، وربما تكتمل معي مجموعة قصصية في الفترة المقبلة. أيضا، بدأت أخيراً في كتابة رواية جديدة، لكني بطيئة في الكتابة، ولست في عجلة، ما يهمني أن يخرج العمل في النهاية بشكل أرضى عنه، ولا يشغلني أن أصدر كل عام عملاً جديداً.. فالمسألة ليست كمية». وبسؤالها هل توقعت لروايتها ذلك النجاح، وهل تخشى من أن يقارن جديدها بـ«وراء الفردوس»، أجابت «عندما انتهيت من (وراء الفردوس)، ركنتها لشهور من دون أن أدفع بها للنشر، شعرت أنها مختلفة كثيراً عن روايتي الأولى، كنت أتحدث وقتها مع إحدى الصديقات عنها والرواية لاتزال مخطوطة، وسألتني هل أتوقع أن تنجح؟ فقلت لها أشعر بأنها ستحقق نجاحاً كبيراً ويتم استقبالها بشكل يفوق توقعاتي، أو يتم تجاهلها تماماً، لن تكون هناك منطقة وسط في التعامل معها، ولا أعرف تماماً ما سبب توقعي هذا في ذلك الحين». وتشير إلى أنه عندما صدرت روايتها الأولى «متاهة مريم» حققت نجاحاً كبيراً في مصر، وصدرت منها أكثر من طبعة وتُرجمت للغات عدة، لافتة إلى أن ما يساعدها هو أنها «في أثناء الكتابة، تحاول تناسي أي شيء خارج العمل الذي تكتبه، وتعزل نفسها تماماً عن الظروف الخارجية، وتبدأ كتابة العمل».

 

طباعة