حين يكتب الماضي قصيدة جديدة
«ابدأ من المنتصف»، تقول آن كارسون، الفائزة بنوبل للأدب لعام 2026، تجمعها النصيحة بأدونيس، فكلاهما يفتح حكاية قديمة، وينقل أصواتها إلى صفحة جديدة، الماضي بين أيديهما صلصال: يضغط الإنسان المبدع عليه، ويشقّ فيه ملامح إنسان نعرف خوفه ونسمع أنفاسه.
تُدخل كارسون الإغريق إلى سجل الحب والهجر في «سيرة ذاتية للأحمر»، تُخرج جيريون من موضع الوحش الذي يقتله هرقل، وتمنحه جسد فتى معاصر يحبّ ويتألم ويلتقط الصور. وفي «نوكس»، تضع مرثية كاتالوس لأخيه بجوار صور أخيها ورسائله؛ يلتقي الحزنان على الورق. وتصبح مرثيتها «تذكرة بالموت».
وعند أدونيس، تمتد يد الشاعر إلى جدران التاريخ. في «أغاني مهيار الدمشقي»، يتكلم عبر قناع يرفض الاسم والمكان اللذين أُعدّا له. وفي «الكتاب»، تتزاحم الأزمنة والأصوات، ويغيّر توزيعها قراءتنا للماضي. وتتشقق الرواية الموروثة بالأسئلة: مَن يتكلم؟ مَن أُغلق فمه؟ وماذا نرى إذا وقفنا بجوار الذين أبعدهم التاريخ عن المتن وزج بهم إلى الهامش؟
لكن الفرق بينهما يُرى على الصفحة، ويُسمع في نَفَس الجملة. عند أدونيس، تتلاحق صور النار والماء والجسد، كأن الضربات تقع على جدار؛ وعند كارسون، نقترب من شخص يقرأ رسالة أو يتأمل صورة من رحل. وهذه ملامح غالبة في تجربتين أوسع. يكرر أدونيس الكلمات، ويصل الجمل، ويدفع صورة وراء أخرى، حتى نحتاج إلى وقفة نلتقط فيها أنفاسنا. أما كارسون، فتمدّ الجملة ثم تقطعها؛ يحبس أعيننا سطرٌ منفرد، أو يتركها بياضُ الصفحة تنتظر ما لن يأتي.
«ابدأ من المنتصف»: عند كارسون، قد نبدأ من كلمة انقطعت في رسالة، ونبقى أمامها لأن صاحبها لن يعود ليكملها. وعند أدونيس، ندخل وسط أصوات الماضي، ونسأل مَن أُتيح له الكلام، ومَن أُجبر على الصمت. تقرّب كارسون وجه الغائب حتى نرى ملامحه؛ ويدفعنا أدونيس إلى تفحّص الجدران التي أحاطت به: مَن بناها؟ ومَن أغلق أبوابها؟ هنا يضيء عنوان كتابه «الثابت والمتحوِّل» هذا الفرق: موروثٌ يُراد له أن يبقى في موضعه، وشعراء ومفكرون يحرّكون حجارته، ويشقّون فيه نوافذ لأسئلة جديدة. نخرج من كارسون ونحن نمسك بصورة إنسان، ومن أدونيس ونحن نرى شقوقاً في جدار حسبناه لا يتزحزح. تحفظ الأولى للغائب وجهه، ويفتح الثاني في الموروث باباً يعبر منه الأحياء إلى ما لم يُكتب بعد.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.