تجنباً لتهميش الطبقة البيضاء العاملة

«هيلبيلي إليجي» يركّز على الأداء ويتجاهل السياسة

صورة

فيلم Hillbilly Elegy من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية، ليس تحفة ولا حتى جميلاً أو مميزاً فنياً، لكنه مؤثر بالدرجة المطلوبة ليجعلك تفكر فيه بعد نهايته، خصوصاً للذين عانوا حالات إدمان أو تعرّضوا لتعنيف منزلي أو حرمان مالي، أو أي مشكلة أخرى ركز عليها الفيلم المقتبس من مذكرات جيمس ديفيد فانس بالعنوان نفسه.

- ليس تحفة ولا حتى جميلاً أو مميزاً فنياً، لكنه مؤثر بالدرجة المطلوبة ليجعلك تفكر فيه بعد نهايته.

- غلين كلوز هي الأفضل بلا منازع وتستحق «أوسكار» على أدائها، وربما فيلماً كاملاً عن حياة شخصيتها.

يقفز الفيلم بشكل فوضوي وأحياناً مشوش بين عامي 1997 و2011، ويمكننا القول هنا إن الفيلم يستحق تصنيفاً فرعياً خاصاً في الدراما من الممكن تسميته «الخروج والعودة»، وهو عادة عن شخص حساس وذكي أو مبدع عانى قسوة بيئته وتفككها، وانعدام التناغم فيها وسط أجيال اعتادت ممارسة سلوكيات تدميرية، ولا تغادر البيئة التي تربت وتشكلت فيها.

هناك كثير من الأفلام تناولت هذا النوع من القصص، أبرزها التحفة السينمائية الإيطالية الرائعة «سينما باراديسو» لغوسيبي تورناتوري الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1988، الذي يجعل العينين تغرورقان بالدموع، خصوصاً لأولئك المتعلقين بالماضي، ويحكي قصة فتى يغادر مدينته صبياً ويعود إليها بعد 30 عاماً ليرى كيف تغيرت الحياة فيها. وكذلك فيلم مارتن سكورسيزي الشهير Mean Streets، وGirlfight وBoyz N the Hood وغيرها، كلها أفلام تتشارك في السيناريو مع هذا الفيلم الذي أخرجه المخضرم رون هاورد.

جي دي فانس (ينادونه بأحرف اسمه الأولى اختصاراً) جسَّده شاباً غابراييل باسو، ومراهقاً أوين أستالوس، شاب فصيح وشريف ومعدنه أصيل من مدينة لم يسمع عنها أحد في ولاية أوهايو، الذي سيتمكن من إكمال دراسته في القانون في أرقى جامعة وهي ييل، وسيتزوج الفتاة الأميركية من أصل هندي التي أحبها، والتي تدرس القانون أوشا (فريدا بينتو- تفعل ما بوسعها في دور لا يتيح لها التفاعل مع باسو، لأن كل المشاهد الحوارية بينهما خلال مكالمات هاتفية باستثناء واحد). رغم نجاحات جي دي، فإنه يبقى مقيداً بثقافته (الطبقة الكادحة البيضاء الغارقة في بطالة وإدمان مخدرات وكحول، التي تسكن مناطق شاسعة تمتد من أطراف نيويورك إلى جورجيا). تتغير حياة البطل في اليوم السابق لمقابلة لوظيفة صيفية كانت من المفترض أن تمول الفصل الدراسي في الجامعة. يتلقى اتصالاً و يضطر إلى العودة إلى بيته للاعتناء بوالدته بيف (إيمي آدمز)، مدمنة هيروين تم إنقاذها للتو من جرعة زائدة وأمضت حياتها بين منزلها ومصحات إعادة التأهيل من الإدمان. الماضي لا يمضي، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالعائلة، هذه أفضل عبارة لوصف رسالة هذا الفيلم. تأتي عشيرة فانس من مدينة جبلية صغيرة في شمال ولاية كنتاكي.

وهو مكان يحذر فيه الأهالي أبناءهم من السباحة في البركة المجاورة خشية وجود أفاع سامة. جدة جي دي تجسّدها المخضرمة الموهوبة غلين كلوز، كانت أول المهاجرين إلى ميدلتاون أوهايو.

لكن الهجرة من كنتاكي إلى أوهايو لم تغير شيئاً، وبقيت دورة العادات والتقاليد والأفكار الثقافية التي شكلت شخصيتها ملازمة لها: هربت الجدة من ماض حافل بالعنف المنزلي لتجد مصيراً مشابهاً في المكان الجديد. وإدمان ابنتها والدة البطل كان كافياً لفتح أبواب الجحيم على العائلة برمتها. هذا فيلم أداء بالدرجة الأولى ولا توجد قرارات فنية تستحق الإطراء، بل يمكننا القول إنه فنياً مشوش، وهناك قرارات ربما اضطر هاورد إلى أخذها لأسباب سياسية تتعلق بالمذكرات نفسها.

هاورد - من القلة التي مازالت تصنع دراما متوسطة الميزانية في هوليوود - يخفي أي دعاية سياسية قد تبرز من خلال القصة ويركز على معاناة شخصياته وصراعاتهم مع بعضهم بعضاً لحل خلافاتهم، خصوصاً أن المذكرات حققت نجاحاً كبيراً بعد فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانتخابات 2016، إذ أقبل الناس لقراءة الكتاب لفهم أسباب تصويت الطبقة التي يمثلها مؤلفه (الطبقة البيضاء العاملة) لترامب. قرار هاورد مفهوم لو علمنا أن الكاتب نفسه ينتقد مجتمعه، بالتالي المخرج لا يريد تهميش هذه الشريحة من الجمهور من مشاهدة الفيلم.

أداء غلين كلوز هي الأفضل بلا منازع وتستحق «أوسكار» على أدائها، وربما فيلماً كاملاً عن حياة شخصيتها. أداء كلوز يبرز أكثر بعد الساعة الأولى. أداء آدامز جيد جداً، ويظهر أكثر في بداية ومنتصف الفيلم، لكن كلوز تخطف الأضواء بخبرتها الممتدة خمسة عقود. أداء جي دي ممل إلى حد ما، وقد يكون هذا مقصوداً لإحداث مقاربة بين الواقع والفيلم، أو للاحتفاظ بروح شخصيته في الكتاب أي المذكرات كما هي في الفيلم. هوجم الفيلم بشدة من قبل الإعلام الأميركي المحسوب على اليسار، ووصف إجحافاً بأنه من أسوأ أفلام العام، وقد يكون هذا الحكم بسبب الانقسام السياسي الشديد في الولايات المتحدة بين الحزبين الكبيرين، خصوصاً أن الشخصيات كلها بيضاء ومؤيدة لترامب.

للإطلاع على الموضوع كاملا، يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة