أكثر الأفلام ترشيحاً لحصد الأوسكارات

«خطاب الملـك».. ليــــــس بعد التلعثم إلا الفرج

علاقة الدوق ولوغ معبر أساسي إلى مقولات الفيلم. آوت ناو

يمكن الحديث عن الأفلام الآمنة والمضمونة والمصادق عليها، كل شيء فيها يصرخ بتكامله في تناغم بين التصوير والمونتاج والديكور وكل العناصر الفنية الموجبة للخروج بفيلم مصنوع بإتقان، وبالتأكيد مع الاستعانة بممثلين قادرين على تقديم الشخصيات بأداء مميز، والنتيجة بالتأكيد ستكون فيلماً مثل فيلم The Kings speech «خطاب الملك» المعروض حالياً في دور العرض المحلية، والمرشح لـ12 جائزة أوسكار، بما فيها أفضل فيلم لهذا العام وأفضل إخراج.. إلخ.

«خطاب الملك» الفائز الأكبر بجوائز «نقابة الممثلين»

حقق فيلم «خطاب الملك» النجاح الأكبر في حفل توزيع «جوائز نقابة الممثلين» السنوي الـ17 بعدما حصل نجومه على جائزتي«أفضل ممثل رئيس» و«أفضل مجموعة في فيلم». ونال الممثل الأميركي كولن فيرث الذي لعب دور البطولة جائزة «أفضل ممثل رئيس»، فيما استحق النجوم المشاركون في الفيلم، الذي يحكي قصة معاناة الملك جورج السادس مع التلعثم ومعالج التخاطب الذي ساعده في التخلص من هذه المشكلة، وهم غي بيرس وإيلينا بونهام كارتر ومايك غامبون وجيفري راش، جائزة «أفضل مجموعة في فيلم». وفازت النجمة الأميركية ناتالي بورتمان بجائزة «أفضل ممثلة رئيسة» عن دورها في فيلم «البجعة السوداء».لوس أنجلوس ــ يو.بي.آي

المنطق الذي يتحكم في صياغة تلك الأفلام سيكون أيضاً بمثابة عبور للفيلم للمصادقة عليه هوليوودياً، وبالتالي جعله بمثابة صرعة الموسم أو السنة، وتحريكه باتجاه أن يتصدر وسائل الإعلام وتسليط الضوء كل الضوء عليه، ليكون هو أو لا أحد.

«خطاب الملك» مع مشاهدتي له للمرة الثانية يقودني إلى ذلك، ولعل المرة الثانية هي للبحث عن هذا المنطق تحديداً، أي فعل المصادقة على فيلم بأنه فيلم هذا العام مثلما كان عليه«خزانة الألم» السنة الماضية أو «مليونير الأحياء الفقيرة»، وغيرها من أفلام حصدت ما حصدت من أوسكارات، وبالتالي فرضه وتقديم مقولته على ملايين المشاهدين في العالم، تحت وطأة الصورة اللامعة وثقيلة الدم للأوسكار، والجهوزية البشرية لتلقّف ما يقوله أعضاء الأكاديمية في هذا الخصوص.

ثمة منطق غير سينمائي يمضي بي إلى قول شيء مثل: ما الذي يعنيه أن يتمكن الملك من الانتصار على تلعثمه وإلقاء خطابه في النهاية؟ هل في الأمر درامية خارقة خارج ما يقدمه كولين فيرث وهو يجسد شخصية الملك؟ جيد أن يكون مرشحاً لجائزة أفضل ممثل عن دور رئيس، وفي مواصلة ذلك المنطق يحضر سؤال عن فيلم ديفيد فينشر «الشبكة الاجتماعية» متعلق بمدى حيوية ما يقدمه هذا الفيلم، بوصف الـ«فيس بوك» أصبح هو وغيره من شبكات اجتماعية شيئاً يستدعي التاريخ بما قبل الـ«فيس بوك» أو بعده، ونحن نتكلم هنا عن ثورات استخدمت هذه الشبكة كأداة رئيسة في الانطلاق والتشكل والتنظيم، وصولاً إلى منطق سينمائي في مقاربة الفيلم الذي يحمل حيوية خاصة جدا في آليات، سواء على صعيد السيناريو أو السرد البصري والتقطيع المونتاجي، ولنقول ذلك عنه مع أنه نال تسعة ترشيحات أوسكارية، مثله مثل فيلم كريستوفر نولان «بداية»المدهش مع «لكن» كبيرة متعلقة بحشو «الأكشن» الذي لابد منه في منطق تجاري سقيم.

مواجهة الميكروفون

نعود إلى «خطاب الملك» وعلى شيء من تكرار نفسي في نطاق البحث عن النقطة التي يرتكز عليها الفيلم بعيدا عن توصيفه بالفيلم الملكي، بمعنى أنه ينتمي إلى سلسلة أفلام عن العائلة المالكة البريطانية بدأت مع ستيفن فريرز وفيلمه «الملكة» ولنجد في «خطاب الملك» شيئا يقول لنا بأن الانتصار على عقبة صغيرة هو انتصار تاريخي لمن هم بين جدران القصور، وكل ما كان على بريتي (كولين فيرث) أو دوق يورك ومن ثم الملك جورج السادس هو الانتصار على تلعثمه أو التأتأة، وبالتالي تمكنه من مواجهة الميكروفون كما يليق بملك يخاطب شعبه.

من البداية سيقدم لنا الفيلم دوق يورك وهو ماضٍ إلى مواجهة الميكروفون، وحين يهم بالخطاب الخاص بانتهاء المعرض الامبراطوري، فإنه يتلعثم، تقف الكلمات في حلقه ويفشل في قول ما تحمله الأوراق بين يديه، ولعل هذه الحقيقة ستكون كفيلة بألا يكون ملكاً، أو كما ستقول له زوجته اليزابيث (هلينا كارتر) التي تعترف له بأنها رفضت بالبداية الزواج منه رغم أنها تحبه خوفاً من أن تعلق بالمراسم الملكية والحياة المتكلفة للقصور، لكن إدراكها أنه مصاب بالتلعثم سيحول دون تحقق ذلك.

لكن استنتاجات اليزابيث سرعان ما تمسي خاطئة، فالدوق سيمسي ملكاً رغم أنه ليس بولي العهد بل أخوه الأكبر إدوارد الثامن (غاي بيرس) الذي يرث العرش، لكن سرعان ما يصارعه عليه كون هذا الأخير كما يرينا الفيلم غير مبالٍ وغارق في حب تلك الأميركية المطلقة، وبالتالي فإنه المتلعثم يصبح ملكاً، وهنا يحضر أكثر معلمه النطق، أو معالج نطقه ليونيل لوغ (جيفري رش) الذي يكون وقبل ذلك قد قطع شوطاً في محاولاته تخليص الدوق من تلعثمه دون أن ينجح تماماً، لكن حين نصل الخطاب فإن على كل شيء أن ينجح، إنها اللحظة التاريخية، والخطاب هو خطاب إعلان الحرب على ألمانيا النازية، وبالتالي فإنه من منطق الفيلم والواقع أن ينجح الأمر، سواء باستخدام كلمات بذيئة لدى تلعثم الملك، أو الغناء وغير ذلك من أدوات طريفة يبتكرها لوغ.

استعادة شكسبيرية

أجمل ما في الفيلم الذي أخرجه توم هوبر وكتبه ديفيد شيدلر هي العلاقة بين الدوق ولوغ، ولعلها ستكون المعبر إلى كل ما يقوله الفيلم إن شئنا أن نقوله شيئاً غير كونه يتناول ملكاً ومرحلة حاسمة في تاريخ بريطاني، ألا وهي الحرب العالمية الثانية، وكون شخصيات الفيلم في أغلبها حقيقة، فإن الأمر سيكون مغرياً باستعادة شكسبيرية، ونحن نرى لوغ مهووساً بشكسبير وهو ليس في النهاية طبيباً ولا هم يحزنون، ولا يتجاوز كونه ممثلاً فاشلاً، واعتباره على هدي شكسبير، المهرج الذي يمتلك الحكمة كل الحكمة في مسرحيات الكاتب الانجليزي، أو المتسرب من خارج القصر إلى ربوعه، والذي يكون في منطق شكسبيري أو تراجيدي عنصراً مخرباً، وليكون في فيلم «خطاب الملك» عنصر النجاح الأكبر، والمعبر الأساس لكل ما سيصير إليه خطاب الملك، وهو يمضي في نطق العبارة دون تلعثم، ولعل انتصاره هنا على التلعثم يشكل بحد ذاته انتصاراً ملكياً، ترسيخا لملكية الملك، ولوغ ذاك الرجل الظريف والجميل سيأتيه به.

في النهاية، فإنني لم أنجح في التخلص من غواية قول شيء مثل إنه خطاب الملك الذي لا نسمعه إلا لأنه انتصار على التلعثم، وليس الأمر في مسقط علوي على كامل الفيلم إلا بمثابة تسليط الضوء على دور العائلة الملكية البريطانية في المفاصل التاريخية في تاريخ بريطانيا الحديث، والتلميع الامبراطوري لامبراطورية بريطانية، والفيلم يقول لنا من البداية إن الملك كان يمتلك بمنتهى الصفاقة ثلثي الكرة الأرضية.

طباعة