صدمة الحرب دفعت نحو «الشمس» و«الرياح» والمفاعلات النووية لتفادي النفط الروسي

«غزو أوكرانيا» يُسرّع تحوّل العالم إلى الطاقة المتجدّدة

بناء نظام طاقة أنظف وأكثر أماناً مهمة ملحمية محفوفة بالمخاطر وشاقة. من المصدر

تكمن منتجات الطاقة وبعض السلع الأخرى، في عمق نظام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أصبح بغزوه لأوكرانيا يشكل خطراً على العالم. فعلى مدى عقدين من حكمه، حققت صادرات النفط والغاز أربعة تريليونات دولار، هي التي موّلت فاتورة السلاح والدبابات والصواريخ التي تخوض الحرب في أوكرانيا حالياً.

كما أن أرباح بيع الموارد الطبيعية عزّزت ثروات النخبة الروسية، التي تنعم بأرخبيل بحري ممتلئ باليخوت وشركات ذات واجهة كاريبية، بحسب مجلة «إيكونوميست».

 

صدمة الحرب

ونظراً لأن روسيا توفر بين 10 و25% من صادرات النفط والغاز والفحم في العالم، فإن العديد من البلدان، خصوصاً في أوروبا، مضطرة إلى استيرادها لتلبية احتياجاتها من الطاقة. لكن صدمة الحرب في أوكرانيا دفعت تلك البلدان للإسراع نحو إنتاج الطاقة المتجدّدة من الشمس والرياح والمفاعلات النووية، لتفادي الاعتماد على الغاز والنفط.

لقد تجاوزت أسعار البنزين في لوس أنجلوس ستة دولارات للغالون للمرة الأولى، ما يعني أنه إذا قررت روسيا قطع إمدادات الطاقة بسبب العقوبات الغربية، فيتوقع أن تشهد أوروبا نقصاً في المحروقات، وأن تقتصد ألمانيا في استهلاك الغاز الطبيعي خلال الشتاء المقبل. ضربة قاسية أما في آسيا، فيستعد مستوردو النفط لضربة قاسية بسبب ارتفاع أسعار النفط، في سوق يصعب فيها امتصاص الصدمات، إذ قفز النفط إلى 122 دولاراً للبرميل. وكان رد الفعل الفوري لحكومات دول العالم هو التدافع للحصول على مزيد من الوقود الأحفوري، مهما كان ملوثاً للبيئة. وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى السرعة التي يمكن بها التخلي عن الوقود الأحفوري تماماً.

 

مصادر جديدة

تستهدف استراتيجية الطاقة التي أعلن عنها الاتحاد الأوروبي مارس الجاري، التخلي جزئياً عن الطاقة الروسية حتى حلول عام 2030، من خلال إيجاد مصادر جديدة للغاز، ومضاعفة مصادر الطاقة المتجدّدة.

كما عادت الطاقة النووية إلى المشهد، مع خطة فرنسا لبناء ستة مفاعلات جديدة تهدف إلى «الاستقلال التام للطاقة»، كما تعتزم بريطانيا بناء جيل جديد من المفاعلات النووية بسرعة فائقة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن الجغرافيا السياسية ستسرع التحول نحو الطاقة النظيفة لمواجهة ظاهرة تغير المناخ، فإن ذلك ليس خياراً خالياً من المخاطر. ولذلك تبرز مشكلتان: الأولى، أنه مع انسحاب الشركات الغربية من صناعة النفط لأسباب بيئية أو استجابة للتكاليف المرتفعة، سترتفع حصة سوق «أوبك» وروسيا في السوق العالمية من 45% إلى 57% بحلول عام 2040، ما يمنحها نفوذاً أكبر.

أما المشكلة الثانية، فهي تلك التي تواجه الطاقة الكهربائية الناشئة ومعركتها الخاصة، مع ارتفاع الإنفاق على ما يسمى بكلفة «المعادن الخضراء» اللازمة لتلك الصناعة.

ورغم أن بعض الدول مثل أستراليا، مجهزة جيداً للتعامل مع هذا الأمر، فإن دولاً أخرى، مثل الكونغو، وغينيا، ومنغوليا، ليست كذلك.

 

خيارات متاحة

العرض الضيق من الخيارات المتاحة، يمنح الشركات حافزاً كبيراً لتكثيف الابتكار. فهناك أنواع جديدة من المفاعلات النووية صغيرة الحجم آخذة في الظهور. كما أن شركة «تسلا» الأميركية، التي تستخدم المعادن في صناعة السيارات الكهربائية، تعمل على تطوير تصميمات جديدة للبطاريات، عندما أبرمت صفقة توريد مع «كاليدونيا» الجديدة، وهي إقليم في المحيط الهادئ، يمتلك عُشر احتياطات النيكل في العالم، إضافة إلى أن شركة «باريك» الكندية وافقت على تطوير منجم نحاس بقيمة 10 مليارات دولار في باكستان.

لكن، حتى مع استجابة الأسواق لتلك المبادرات، فإنه يجب على الحكومات أيضاً مضاعفة جهودها، لأن الاكتفاء الذاتي من الطاقة نادراً ما يكون خياراً، لذلك فإن تنويع مصادر الطاقة كهدف، يعني العمل على شراكات جديدة، فتنشيط الصناعة النووية في العالم المتقدم مثلاً هو أمر أساسي، لأسباب عدة، ليس أقلها تحرير الجميع من الاعتماد على التكنولوجيا الصينية والروسية. كما أن بناء نظام طاقة أنظف وأكثر أماناً هو مهمة ملحمية محفوفة بالمخاطر وشاقة.

طباعة