واشنطن تعتبر «ليبرا» تهديداً للأمن القومي.. وألمانيا تحذر من تمويل الإرهاب

عملة «فيس بوك» المشفّرة تواجه عاصفة «كراهية»

مسؤول عملة «ليبرا» ديفيد ماركوس خلال جلسة الاستماع في الكونغرس الأميركي. رويترز

عاشت شركة «فيس بوك» الأميركية خلال الأيام القليلة الماضية وضعاً أشبه بفريسة تتداعى عليها الوحوش من كل حدب وصوب، بسبب إعلانها النية المضي قدماً في إصدار عملتها الرقمية المشفرة «ليبرا»، التي واجهت موجة عاصفة من التوجس والقلق قبل ميلادها وخروجها إلى أرض الواقع.

فالعملة بالنسبة للحكومة الأميركية تهديد للأمن القومي وطريق لتمويل الإرهابيين، أما اليابان فتراها خطراً يتطلب «المنع من المنبع» لآثارها السلبية المحتملة علي التنظيم المالي والسياسة النقدية والضرائب وسداد المدفوعات، كما هاجمتها ألمانيا باعتبارها تضرب مبدأ أساسياً دولياً عاماً يتمثل في أن إصدار عملة يعد عنصراً أساسياً لسيادة الدولة، ويجب ألا يكون بيد شركة خاصة.

وفي جلسة الاستماع التي عقدها الكونغرس الأميركي، الثلاثاء الماضي، حوصر مسؤول عملة «ليبرا» في «فيس بوك»، ديفيد ماركوس، حتى كاد يختنق وهو يواجه هجمات حادة من أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

حديث الساعة

كانت «ليبرا» حديث الساعة بلا منازع في عالم التقنية خلال الأيام الماضية، بعدما أكدت «فيس بوك» مجدداً عزمها المضي قدماً في مشروع إطلاقها، ما كثف الهجمات ضدها، ووصلت للذروة بإعلان صريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر تغريده له في «تويتر» بأنه لا يثق ولا يحبذ العملات الرقمية، ثم استدعاء المسؤول على مشروع «ليبرا» في «فيس بوك»، ديفيد ماركوس، لجلسة استماع في الكونغرس، رافقها انتقادات واسعة ولاذعة للمشروع من أنحاء العالم، حتى إن تقريراً صدر عن قسم التقنية في وكالة «بلومبرغ» الإخبارية الأميركية تحدث عن أن «الجميع يكرهون ليبرا».

ما هي «ليبرا»؟

طرحت «فيس بوك» ما سمته «الوثيقة البيضاء» لعملة «ليبرا»، والتي جاء فيها أن «ليبرا» هي عملة رقمية لامركزية مشفرة تستهدف أن تكون متاحة على نطاق واسع ومستقرة وآمنة، على عكس «بيتكوين» والعملات الرقمية الأخرى التي يمكن أن تكون متقلبة ومضاربة بشكل كبير، كما يمكن لأي مطور أو خدمة أو شركة في العالم أن تستخدمها وتتعامل بها من خلال محفظة رقمية أو مشغل معين، وتعمل وفق ضوابط وتنظيمات معمول بها في النظام البنكي المالي العالمي.

وستتيح «ليبرا» شراء المنتجات من المحال التجارية العادية من خلال استخدام تطبيق محفظة مخصص لهذه العملة من قبل الجهات العاملة بها، وفي حالة «فيس بوك» سيتم إطلاق تطبيق يحمل اسم «كاليبرا واليت» أو «محفظة كاليبرا» التي ستكون مدمجة في تطبيقي «ماسنجر» و«واتس أب»، لتتيح شراء المنتجات وإرسال واستقبال الأموال بسهولة، فكل ما في الأمر أن المستخدم سيحصل على حسابه في «ليبرا»، ومن ثم ينفق منه مثلما ينفق من حسابه البنكي العادي لكن دون تحمُّل مصروفات دفع كبيرة، أو دون مصروفات على الإطلاق، وسيتمكن المستخدم من ممارسة هذه الأمور دون أن يظهر اسمه أو يعرف أحد من هو.

أمن قومي

بدأت عاصفة الكراهية والهجوم على لسان وزير الخزانة الأميركية، ستيفن منوشين الذي قال في مؤتمر صحافي، أخيراً، إن لدى الوزارة مخاوف خطيرة للغاية من أن عملة «فيس بوك» الرقمية المسماة «ليبرا» قد يُساء استخدامها من قبل غاسلي الأموال وممولي الإرهاب وغيرهم من المجرمين، ولذلك تنظر حكومة الولايات المتحدة إلى العملات المشفرة، بما في ذلك «ليبرا»، كقضية أمن قومي، فالعملات الرقمية قد شهدت حالات استغلال بقيمة مليارات الدولارات لدعم الأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك الجرائم الإلكترونية، والتهرب الضريبي، والابتزاز، والفدية، والاتجار بالبشر.

وأضاف أن الهدف الأساسي لوزارة الخزانة الأميركية في هذه القضية هو الحفاظ على سلامة النظام المالي الأميركي، وحمايته من سوء الاستخدام، ويتعين على «فيس بوك» وأي موفر لعملة رقمية أخرى تقديم الضمانات نفسها التي تتبعها المؤسسات المالية التقليدية، بما في ذلك تلك التي يطبقها مجلس مكافحة غسل الأموال وشبكة تنفيذ الجرائم المالية وقانون السرية المصرفية.

موقف اليابان

بدورها، ركزت الحكومة اليابانية هجومها على «ليبرا» في ضرورة «الحجز من المنبع» لأي مساوئ أو تداعيات ضارة يحتمل أن تترتب على هذه العملة، ولذلك بدأت في اتخاذ اجراءات للتحقيق في تداعيات هذه العملة على السياسة النقدية والتنظيم المالي، وكان أول إجراء في هذا الشأن هو تكوين مجموعة عمل من بنك اليابان ووزارة المالية ووكالة الخدمات المالية، لمناقشة التأثير الذي يمكن أن تحدثه عملة «فيس بوك» على السياسة النقدية والضرائب وسداد المدفوعات، وتأمل اليابان في حشد الدعم من دول أخرى لتوسيع فرقة العمل لتشمل مجموعة أكبر من الجهات الضريبية والمالية بالعديد من الدول. وبوصفها الرئيس الحالي الدوري لمجموعة العشرين، قررت اليابان البحث في سبل التوفيق بين الجهود التي بذلتها «مجموعة السبعة» و«مجموعة العشرين» لمعالجة الآثار المحتملة لعملة «ليبرا».

سيادة الدولة

وفي ألمانيا مضى الموقف من «ليبرا» في مسار آخر، إذ أكد وزير المالية الألماني، أولاف شولتس، أن إصدار عملة هو عنصر أساسي لسيادة الدولة، ولذلك يجب ألا يكون بيد شركة خاصة، ومن ثم يتعين على الهيئات التنظيمية ضمان أن العملات الرقمية مثل «ليبرا» لا تهدد الاستقرار المالي وخصوصية المستهلكين. وأضاف: «اليورو لايزال الوسيلة الوحيدة للمدفوعات في منطقة اليورو».

وأكد الوزير الألماني أن برلين تنسق جهودها دولياً مع حلفائها لسد أي ثغرات قد تسمح بغسل الأموال وتمويل الإرهاب من خلال العملات المشفرة.

بدورها، ذكرت صحيفة «بيلد» الألمانية أن مذكرة داخلية في وزارة المالية الألمانية تشير إلى أن الحكومة تدرس، بالتعاون مع البنك المركزي الألماني، كيفية الحيلولة دون إرساء عملة «ليبرا» كبديل عن عملات رسمية مثل اليورو.


عملة ذات سيادة

أكدت الحكومة الفرنسية، على لسان وزير ماليتها، أن عملة «ليبرا» المشفرة يجب ألا «تصبح عملة ذات سيادة». وقال: «هذا لا يمكن أن يحدث، ويجب ألا يحدث».

ودعا الوزير مسؤولي البنوك في مجموعة السبع إلى إصدار تقرير عن خطة «فيس بوك» الشهر المقبل، إذ تسعى فرنسا إلى تكوين فريق عمل من المجموعة للنظر في كيفية قيام البنوك المركزية بضمان تنظيم العملات الرقمية مثل «ليبرا» بشأن غسل الأموال وقواعد حماية المستهلك.

طباعة