بعد أن أنفقت 232 مليار دولار في 2013 نظير استيرادها أشباه موصلات

الصين تُضاعف جهودها لدعم صناعة الرقائق الإلكترونية

صورة

تتسارع معدلات إنتاج الصين لأنواعٍ مختلفة من الأجهزة الإلكترونية، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والمعدات المعقدة للشبكات، وتُوجه جهوداً مضاعفة لتصميم وإنتاج الرقائق الإلكترونية، والمعالجات التي تُعتبر العقل المدبر وراء معظم الإلكترونيات.

وتحاول الصين حالياً اللحاق بمنافسيها العالميين، والاعتماد بشكلٍ متزايد على مكونات إلكترونية محلية، بدلاً من الاستيراد الذي كلفها العام الماضي 232 مليار دولار، نظير استيراد أشباه الموصلات وحدها، ما يجاوز فاتورة استيراد النفط. لذلك تُنظم الحكومة الصينية برامج لزيادة الاستثمارات في هذا المجال، إضافة إلى مساعٍ مختلفة، لاكتساب خبرات من الشركات الأجنبية، ويرى خبراء أن الوصول إلى تقنيات صناعة الرقائق يدخل ضمن أهداف عمليات التجسس الصينية، بحسب ما تناول تقرير نشرته صحيفة «ذا نيويورك تايمز» الأميركية.

 

مهمة صينية

وضعت الحكومة الصينية هدفاً واضحاً بجعل صناعتها للرقائق الإلكترونية في المرتبة الأولى عالمياً بحلول عام 2030، وخصصت فريق عمل يقوده نائب رئيس الوزراء مع أربعة من الوزراء. وقدر تقرير صادر في يونيو 2014 عن شركة «ماكينزي آند كومباني» تخصيص الصين 170 مليار دولار لإنفاقها في فترة تراوح بين خمس و10 سنوات دعماً مالياً لهذه المهمة.

وأشار الشريك المؤسس في شركة «روديوم غروب» للاستشارات والأبحاث الاقتصادية، دانييل روزين، إلى تصور واضح في الصين للأهمية الملحة للتعامل مع أشباه الموصلات، والرقائق الإلكترونية خصوصاً، قائلاً إنه «يوجد شعور بأنه طالما ظلت الصين معتمدة بشكلٍ كبير على الواردات، لاسيما الرقائق الأكثر تقدماً التي تدخل في كل ما تصنعه البلاد، فإن ذلك يُعرِّض الأمن القومي للخطر».

وأسهم ما كشف عنه المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركية، إدوارد سنودن، في وقتٍ سابق من العام الجاري في تعميق هذه المخاوف، وزاد من وعي مسؤولي الحكومة الصينية بالمشكلات الأمنية المحتملة، الناجمة عن استخدام مكونات تقنية أجنبية المنشأ، مثل الرقائق الإلكترونية.

ووفقاً لمحللين ومسؤولين تنفيذيين في المجال، فمن أهم عواقب ما كشف عنه سنودن التحقيقات ضد الاحتكار داخل شركة «كوالكوم» الأميركية. ويتوقع محللون ومحامون يتابعون القضية، انتهاءها بفرض غرامة على الشركة، وإجبارها على خفض تكاليف ترخيص تقنيتها للشركات الصينية.

وخلال الشهور الأخيرة، واجهت الشركات متعددة الجنسيات ضغوطاً متزايدة داخل الصين؛ إذ استهدفت التحقيقات بشأن مكافحة الاحتكار وتعديل الأسعار مصانع الأغذية والسيارات وشركات التكنولوجيا. وعلى الرغم من ملاءمة المشكلات التي تمر بها «كوالكوم» لهذا الاتجاه، فإنها تُظهِر أيضاً مواكبة تحقيقات الصين للمبادرات الاقتصادية والاستراتيجية الأوسع.

وقال سكوت كينيدي، مدير «مركز أبحاث السياسات والأعمال الصينية» في جامعة أنديانا الأميركية: «لدى الحكومة الصينية الصدقية لاختيار (كوالكوم)؛ بسبب التحقيقات داخل الشركة في بلدان أخرى، لكنها بالتأكيد ناسبت أهداف سياستها الصناعية حال تمكنوا من الضغط تجاه خفض رسوم الترخيص، وترتيبات أخرى لتبادل التقنية».

 

امتيازات وتسهيلات

وتُرافق خطوات الصين تجاه الشركات الأجنبية محاولات جادة لتطوير صناعتها للرقائق الإلكترونية، وخلال الأعوام الـ15 الماضية، وفرت الحكومة الدعم والتمويل والامتيازات الاستثنائية لمصنعي الرقائق والمعالجات.

وفي مسعى لجذب أصحاب المهارات من خارج الصين، قدمت «الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات»، التي تتخذ من مدينة شنغهاي مقراً لها، تسهيلات مثل مدرسة ثنائية اللغة لاستمالة المهندسين ذوي الكفاءة العالية الذين تحتاجهم الشركة للإشراف على خطوط التجميع المُعقدة.

وبنى مؤسس الشركة، وهو مسيحي الديانة، كنيسةً ليجتذب المسيحيين من تايوان الذين اعتادوا رعاية الشركات لتعليم الكتاب المقدس والأنشطة المشابهة، وذلك على الرغم من استمرار ارتياب بكين بشأن انتشار المسيحية.

وبفضل الدعم الحكومي، تحولت «الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات» منذ تأسيسها في عام 2010 إلى منتج رئيس للرقائق الإلكترونية. ومع ذلك فلاتزال تفتقر إلى الحجم والتكنولوجيا اللازمين لمنافسة شركات بمستوى «إنتل»، «سامسونغ»، شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات. كما ساعد التمويل الحكومي خلال العقد الأول من القرن الـ21 في تأسيس شركات أخرى تبيع تصميمات الرقائق المستخدمة في الهواتف الذكية الرخيصة، لكنها لاتزال صغيرة مقارنة بشركة «كوالكوم».

 

تقنيات سرية

وسبق أن واجهت الحكومة الصينية شكوكاً بشأن تورطها في مخططات للحصول على تقنيات لتصنيع الرقائق الإلكترونية لتطبيقات عسكرية. وفي عام 2012، وجّه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي اتهاماً لرجلين صينيين بمحاولة غير قانونية لشراء رقائق جرت إعادة برمجتها من شركة Lattice Semiconductor «لاتيسس سيميكوندكتر» الأميركية، ويُمكن استخدام تلك الرقائق مع درجات الحرارة المرتفعة على المركبات الفضائية مثل الصواريخ. ومن المفترض وجود الرجلين في الصين دون إلقاء القبض عليهما.

وشهد عام 2011 قضيتين منفصلتين واجه فيهما مواطنون صينيون اتهامات بمحاولة الحصول على رقائق إشعاعية للاستخدام في الأقمار الاصطناعية. وفي إحدى القضيتين، اعترف اثنان من المتهمين بالتآمر لانتهاك «قانون مراقبة تصدير الأسلحة» وتهريب بضائع من الولايات المتحدة بشكل يُخالف القانون. وفي القضية الثانية، اعترف أحد المدعى عليهم بانتهاك القانون نفسه الخاص بمراقبة تصدير الأسلحة، من خلال بيع الرقائق إلى الصين. ويقول محللون إن محاولات الشركات الصينية للحصول على التقنيات الأميركية السرية عادةً تكون بتوجيه من الحكومة الصينية أو بقيادتها.

وفي حديثه عن واحدة من قضيتي عام 2010، قال نيل ماك برايد، الذي شغل حينها منصب النائب العام للمنطقة الشرقية في ولاية فرجينيا الأميركية، إن الإدانة مثلت رادعاً لأي شخص يسعى للحصول على معلومات لمصلحة الصين.

وأضاف في بيانٍ تلا القضية: «لقد صار الخط الفاصل بين التجسس التقليدي وانتهاكات التصدير والتجسس الاقتصادي غير واضح على نحوٍ متزايد، بالنظر إلى ما للمعلومات الحساسة التي تسعى إليها الصين الشعبية عادةً من عواقب اقتصادية، وأخرى تتعلق بالأمن القومي».

ويقول محللون متخصصون بأمن المعلومات إن الحصول على تقنية تصنيع الرقائق الإلكترونية كان محط اهتمام محاولات الاختراق التي تستهدف شركات أجنبية.

 

«ديب باندا»

وتحدثت شركة «كراود ستريك» الأمنية CrowdStrike عن واحدة من المجموعات الخبيرة تُطلق عليها اسم «ديب باندا» Deep Panda عرضت للخطر خمس شركات أميركية وتايوانية لإنتاج الرقائق الإلكترونية.

ويُعرف عن المجموعة هجماتها الخفية التي تسمح لها بالتجسس على بيانات ضحاياها. وتقول الشركة الأميركية إن «ديب باندا» على صلة بالحكومة الصينية، فيما قال الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «كراود ستريك»، ديمتري ألبروفيتس: «إنها واحدة من أفضل المجموعات، في ما يتعلق بمهارات التجسس والتطور».

طباعة