المرصد

«فيس بوك.. والروهينغيا»

يكشف الجدل الدائر، الآن، حول موقف «فيس بوك» من مذابح الروهينغيا، أن وسائل التواصل الاجتماعي بتأثيرها الجبار، وحضورها المباشر، أصبحت مثل الدول، عليها أن تحدد لنفسها صياغاتها السياسية (مع أو ضد)، وأطرها الأخلاقية الواضحة، وإلا ستضع نفسها في مرمى النيران.

ففي عامَيْ: 2016 و2017، تصاعدت حملات حقوقية وإعلامية ضد شبكة التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، تتهمها بأنها حولت صفحاتها إلى ساحة لدعم حملة الكراهية، والتحريض ضد أقلية الروهينغيا المسلمة في ميانمار، والتي تتعرض لحملة من القتل والاغتصاب والحرق والإبادة، أدت إلى فرار قرابة المليون شخص.

وقد جاء تقرير «تقصي الحقائق الصادر عن الأمم المتحدة»، في مطلع 2018، مؤكداً هذه الاتهامات، حيث ذكر «فيس بوك» بالاسم، وأشار إلى دورها في «تأجيج الكراهية والتمهيد للمذابح»، كما نقلت «رويترز»، وقتها، تصريحاً لمسؤول التقرير الأممي الأول، مرزوقي داروسمان، قال فيه «إن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت الدور الحاسم في تأجيج الأحداث»، وعندما سئل للتوضيح من يعني، قال: «في ميانمار (فيس بوك) هي وسائل التواصل، ووسائل التواصل هي (فيس بوك)».

يومها، اضطرت الشبكة الاجتماعية الأكثر شعبية في العالم (2.5 مليار مستخدم)، والتي تملك في ميانمار 18 مليون مستخدم، بعد التصريح الأممي الواضح إلى الاعتذار صراحة للروهينغيا، والاعتراف بأنها تورطت في «إضرام الفتنة، وإحداث الشقاق»، وفي «خلق بيئة ساعدت على وقوع انتهاكات حقوقية»، ثم قامت بعد هذا الاعتذار، بإزالة 484 صفحة، و157 حساباً، من بينها حساب قائد الجيش الميانماري وقتها، مين أونغ هاليغ، و17 مجموعة.

لكن على الرغم من هذه الخطوات، التي اتخذتها «فيس بوك» عام 2018، فإن المنظمات الحقوقية استمرت تنظر إليها بعين الريبة، معتبرة أن الإجراءات التي اتخذتها شكلية، ولا ترقى إلى حجم المطلوب، بل إن تقرير الأمم المتحدة بشأن الروهينغيا، في 2020، وصف هذا التغير في موقف «فيس بوك» بأنه «بطيء.. وغير مؤثر».

في ظل هذه الأجواء، تدفع الأحداث «فيس بوك» إلى اختبار جديد قاسٍ، وأكثر كشفاً لموقفها، حيث طلبت أطراف دولية منها تقديم المعلومات الموجودة على شبكتها، منذ 2012، التي تخص متورطين في مذابح ميانمار، وكانت على صفحات أزيلت، لكن إدارة الشركة تحتفظ بنسخة منها، وذلك لتقديمها كأدلة للمحكمة الجنائية الدولية، لإدانة هؤلاء المتورطين في المذابح.

الموقف جدي، ولا يحتمل التلاعب، والإشارات الأولية تقول إن «فيس بوك» رفضت - بشكل مبدئي - تقديم هذه المعلومات بحجة حماية «خصوصية الحسابات»، لكن السؤال: «تُرى هل هذا الرفض سيستمر؟ وهل دافع الرفض فعلاً (المبادئ) أم البزنس والمصالح؟ وهل إذا حدث وقبلت (فيس بوك) فإن تلك ستكون سابقة يحتكم إليها آخرون؟».. هذه أسئلة ستجيب عنها الأيام المقبلة!

طباعة