وتيرة عنف غير مسبوقة في «المنطقة الغنية»

فريسنيلو.. مدينة الخوف المكسيكية يائسة أمام العصابات الإجرامية

صورة

يكون لدى ماريانو روزاليس، أحياناً، ما يكفي من الوقت لخفض ستائر متجره المعدنية للهرب مع زوجته إلى قبو المنزل؛ ولكن هناك أوقات عندما يبدأ إطلاق النار على مسافة قريبة - لدرجة أن الزوجين يجدان نفسيهما منبطحين أرضاً - ينتابهما الخوف والفزع. وخلال 12 عاماً من إدارته لمتجره في فريسنيلو، بولاية زاكاتيكاس المكسيكية، يبدو روزاليس أكثر خوفاً من أي وقت مضى، «نحن خائفون جداً جداً، إذ نقضي اليوم كله نصلي للرب».

مخاوف روزاليس لها ما يبررها، فقد تلقت المدينة، أخيراً، تصنيفاً غير مرحب به، لكونها أقل الأماكن أماناً، في البلاد، وذلك في استطلاع أجرته وكالة الإحصاء الوطنية المكسيكية. والعنف بين الكارتلات والعصابات، هو على رأس اهتمامات المدينة مع اقتراب الانتخابات في السادس من يونيو. وقبل ثلاثة أسابيع قتلت مجموعة من المجرمين المأجورين، نائب مدير المدينة للتنمية الحضرية أثناء وقوفه، أمام متجر روزاليس.

وقبل أيام قليلة، قُتل محامٍ بالرصاص في الشارع نفسه عندما كان يغادر مكتبه. وقبل أسبوع، تم إطلاق النار على ثلاثة جيران آخرين على بعد مبنيين في الشارع. وفي اليوم الذي قُتل فيه مسؤول المدينة بالرصاص، قُتل 14 شخصاً، في هذه المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 250 ألف نسمة. ولم يكن مفاجئاً إذاً أن الدراسة وجدت ان 95% من سكان فريسنيلو، يشعرون بأن العيش في مدينتهم غير آمن.

وتقدم فريسنيلو نموذجاً صارخاً يمكن من خلاله فهم موجة العنف التي تجتاح الولايات الريفية في وسط المكسيك. وكانت هذه المناطق هادئة نسبياً حتى سنوات قليلة مضت، إذ تقع على مسافة بعيدة من نقاط دخول وإنتاج المخدرات الرئيسة في المكسيك على السواحل والجبال، ومن المخارج على طول الحدود الشمالية مع الولايات المتحدة.

تصاعد مروّع

ولكن في السنوات الأخيرة، اتسعت مساحة خريطة المكسيك المتأثرة بالجريمة المنظمة على نطاق أوسع. وشهدت ولاية زاكاتيكاس، مثلها مثل الولايات الوسطى الأخرى، بما في ذلك غواناخواتو، وسان لويس بوتوسي، وأغواسكاليينتس، تصاعداً مروعاً في أعمال العنف. وفي العام الماضي وحده، ارتفع معدل جرائم القتل بأكثر من 60%. وجذب موقع فريسنيلو على ممر يربط بين موانئ المحيط الهادئ والولايات الحدودية الشمالية أنظار «جالسكو نيو جنرايشن»، التي تعد الآن أقوى عصابة مخدرات في المكسيك، وقد وسعت نفوذها سعياً للسيطرة على شبكات توزيع المخدرات، في شرق البلاد. وتعرض أربعة من ضباط الشرطة الذين كانوا يحرسون أحد الطرق الشمالية التي تسعى العصابة للسيطرة عليه، إلى كمين، ووُجدوا محترقين داخل سياراتهم، الأسبوع الماضي.

وتشتهر المدينة بثروتها من الذهب والفضة، إذ عُرفت فريسنيلو بتعدين هذه المعادن الثمينة منذ عهد الاستعمار الإسباني، و«فريسنيلو بي إل سي»، هي الشركة المكسيكية الوحيدة المدرجة حالياً في بورصة لندن. ولايزال تعدين الفضة في المدينة، مستمراً، وتوفر الشركة أكثر من 10 آلاف فرصة عمل محلياً. والمدينة محاطة بالصحراء، ولكن في أماكن أخرى تظهر مستودعات عملاقة على أطرافها تضم مصانع تجميع لقطع غيار السيارات وغيرها من المنتجات المصنعة.

لم ينجُ عمال المناجم من موجة العنف، في فريسنيلو، على الرغم من أن الهجمات على العمال غالباً ما يقال إنها بسبب نزاعات نقابية. وفي ذلك يقول ميغيل ماسياس، 32 عاماً، وهو يرتدي خوذة برتقالية اللون وسترة أمان للعمل، معلقاً «يقولون إنها النقابات، لكن من يدري؟». وعندما كان ماسياس يأخذ كلبه في نزهة ذات صباح، رأى رجلين على دراجة نارية يطلقان النار على «رجل كان يغسل سيارته خارج منزله»، على حد قوله. وبعد ظهر ذلك اليوم، «عثروا على جثة أخرى في ملعب كرة القدم».

ويعترف عمدة المدينة، ساوول مونريال، علانية بحجم المشكلة، قائلاً: «المدينة في خضم حرب شاملة بين الكارتلات». وتم إغلاق مبنى بلدية فريسنيلو، منذ احتجاج عنيف على مقتل فتاة صغيرة، ما أدى إلى اقتحام المتظاهرين للمبنى وحرق غرف عدة فيه. وكان رد العمدة على ذلك أنهم «كانوا يعبرون عن غضبهم». وقال إن ثلاث عصابات تعمل في المنطقة، لكنه أشار إلى واحدة «وجود (عصابة) خاليسكو نويفا، العام الماضي، هو ما أدى إلى تفاقم العنف».

تفاقم المشكلة

وفي نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، خلال «الحرب على المخدرات»، التي أطلقها الرئيس المكسيكي، فيليبي كالديرون، استولى كارتل «زيتاس» على المدينة. وعاش رئيس الكارتل الإقليمي إيفان فيلاسكيز، المعروف باسم «زي 50»، في فريسنيلو، مع زعيم آخر يدعى ميغيل تريفينو. وأدى اعتقالهما في عامي 2012 و2013، على التوالي، إلى تهدئة الوضع، في فريسنيلو، إلى أن حدث التصعيد الدموي الحالي في وتيرة العنف. وأدى وصول كارتلات المخدرات الجديدة، أيضاً، إلى زيادة استهلاك مادة «الميثامفيتامين» المخدرة بين المتعاطين، بنسبة تزيد على 50٪ مقارنة، بالعام الماضي، وفقاً لبيانات مركز تكامل الأحداث، في المكسيك.

تنتظر مدينة فريسنيلو انتخابات في 6 يونيو، والتي ستختار برلماناً مكسيكياً جديداً، وحكاماً لـ15 ولاية، من أصل 32، بما في ذلك ولاية زاكاتيكاس. وشدد العمدة مونريال على أن مشكلة انعدام الأمن تتجاوز حدود مدينته، قائلاً: «الوضع خطير للغاية، ليس فقط في فريسنيلو، ولكن في الولاية كلها. ويعرف الناس أن مسألة الجريمة المنظمة تتجاوز اختصاصنا؛ لأنها مسؤولية فيدرالية، وقد أبلغت الرئيس بذلك».

وفي 27 فبراير، وهو اليوم الذي تم فيه تسجيل 15 جريمة قتل في المدينة، قام الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور بزيارة فريسنيلو، وأمر بنشر تعزيزات أمنية في أرجاء من البلاد، تتضمن نحو 300 عنصر من الجيش والحرس الوطني.

عائلة سياسية

فريسنيلو هي موطن عائلة عمدة المدينة، ساوول مونريال، ونصف أفرادها الـ14 يعملون في السياسة، ما أدى إلى ولادة مصطلح «مونرياليسمو». وأكبر أفراد العائلة هو ريكاردو مونريال، 60 سنة، وهو عضو في مجلس الشيوخ، وإحدى الشخصيات القوية في المنطقة. وفي ذلك قال العمدة، إن وجود عائلته في السياسة ضروري و«التخلص منها هو ضرر كبير للمجتمع، سيمُس الجزار، ومُلمّع الأحذية، وصاحب المتجر».

أما شقيق العمدة، ديفيد مونريال، فقد ترشح عن حزب مورينا لمنصب الحاكم، بعد أن شغل منصب عمدة فريسنيلو، في السابق. وتعرضت الهيمنة السياسية لعائلة مونريال لانتقادات داخل حزب مورينا، الذي تنتمي إليه، وخارجه.

حراس مدربون

أطلقت المكسيك قوة حراسة حكومية خاصة لحماية عمليات التعدين، في سبتمبر الماضي، معترفة بأن عصابات المخدرات استولت على الشركات، وكثير من هذه الشركات أجنبية. ويضم الفوج الأول 118 حارساً أنهوا دورة تدريبية خاصة، وهم مجهزون ببنادق هجومية. وجاء ذلك بعد استهداف المناجم في فريسنيلو، وضواحيها، من قبل عصابات إجرامية. وتتوقع السلطات أن فرق الحراسة المدربة ستساعد في ردع هجمات الجريمة المنظمة في هذا القطاع من الاقتصاد.

وكانت هناك تقارير منذ فترة طويلة عن ابتزاز عصابات المخدرات المحلية لمناجم الذهب والفضة الأجنبية، التي تُجبر على دفع مبالغ كبيرة. وفي السنوات الماضية، قامت العصابات، أيضاً، بسرقة معادن مكررة وأخرى شبه مكررة، من المناجم.

وفي عام 2015، سرقت عصابة للجريمة المنظمة نحو 4.5 كيلوغرامات من الذهب والفضة من عمال في منجم كبير. وقالت شركة فريسنيلو للتعدين إن السرقة وقعت بالقرب من منجم هيرادورا في ولاية سونورا الحدودية. وقالت الشركة إن مسلحين أوقفوا شاحنة تابعة للشركة وسرقوا المعادن، وقالت إنّ أياً من عمالها لم يُصب بأذى. وقالت الشركة، أيضاً، إن السرقة نفذها «أفراد الجريمة المنظمة»، وهي عبارة تستخدم عادة في المكسيك للإشارة إلى عصابات المخدرات.

معركة محمومة

تتنافس خمس عصابات للسيطرة على تجارة مادة «فينتانيل»، في ولاية زاكاتيكاس الداخلية، ما يشير إلى أن الاتجار في هذه المادة الأفيونية الخطيرة يحدث على نطاق أوسع في جميع أنحاء المكسيك. وفي أوائل فبراير، قال وزير الأمن العام في ولاية زاكاتيكاس، كامبيروس هيرنانديز، إن 90% من جرائم القتل في الولاية، سببها النزاعات بين الجماعات الإجرامية، التي قيل إنها انخرطت في معركة محمومة حول تجارة مادة «فينتانيل»، التي اشتدت في البلاد، السنة الماضية.

ووفقاً لبيانات من جهاز الأمن العام، فقد ارتفع عدد جرائم القتل المسجلة في الولاية إلى 666، أي أكثر من ضعف عدد جرائم القتل المسجلة منذ عقد مضى. وشهدت مدينة فريسنيلو العديد من الحوادث الدامية، ربما الأسوأ على مستوى الولاية. وفي الوقت نفسه، تقع زاكاتيكاس على حدود ثماني ولايات مكسيكية أخرى، بما في ذلك اثنتان على الحدود مع الولايات المتحدة، والمنطقة الصناعية الرئيسة، في غواناخواتو. ويشير هذا معاً إلى أن موقعها المركزي جعلها مركز توزيع مهماً في عبور مادة «فينتانيل» المُخدرة، باتجاه الولايات المتحدة.


60 %

نسبة ارتفاع معدل جرائم القتل خلال العام الماضي.

 

طباعة