تفاقمت مشكلة الجرعات الزائدة بشدة خلال «الجائحة»

أميركا في مواجهة موجة جديدة من وفيات المواد الأفيونية

صورة

تقول الإحصاءات الرسمية، في الولايات المتحدة، إن المخدّرات تقتل عدداً من الأشخاص أكثر مما تقتله البنادق وحوادث السيارات والإنفلونزا مجتمعة. ويبدو أن موجة جديدة وقوية، قد بدأت، من شأنها أن تهدد بتسريع وباء الإدمان في البلاد.

عندما تم أخذ عينة مخبرية لضحية جرعة زائدة، عبرت ألكسندرا إيفانز، وهي كيميائية الطب الشرعي في مختبر الصحة العامة في واشنطن، عن انزعاجها. وفي هذه الأثناء، انتشرت مادة أفيونية جديدة في شوارع المدينة، وهي أقوى بـ10 مرات من الـ«فنتانيل»، التي تُعد مادة أفيونية اصطناعية تسبب معظم الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة.

وفي الأسابيع الأخيرة، أكدت الحقن التي اختبرها الكيميائيون الشرعيون في إطار برنامج وقائي في مدينة واشنطن، انتشار هذه الأصناف الجديدة والقوية من المخدرات في جميع أنحاء العاصمة. وهذه المواد الأفيونية الاصطناعية الجديدة والأكثر تأثيراً، المعروفة باسم «نيتازين»، تصل في الوقت الذي تكافح فيه المدينة آفة الإدمان الذي يجتاح أميركا، مع ارتفاع الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة من المخدرات إلى مستويات قياسية. وقالت إيفانز، التي اكتشفت النيتازين: «إنه أمر مقلق بالتأكيد، والتوقيت مؤسف للغاية لحدوث هذا في منتصف الوباء».

وشهدت أميركا، الشهر الماضي، منعطفاً قاتماً، مع ورود أنباء عن تجاوز البلاد 100 ألف حالة وفاة، بسبب تعاطي جرعات زائدة من المخدرات، خلال عام، للمرة الأولى. ووجدت البيانات الصادرة عن المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (سي دي سي)، أن 275 أميركياً كانوا يموتون كل يوم من جرعات زائدة، خلال الـ12 شهراً، حتى أبريل الماضي.

إلى ذلك، تفاقمت أزمة المواد الأفيونية بسبب الجائحة، وألقى الخبراء باللوم على العوامل المالية والاجتماعية والصحية العقلية، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الإسكان والتوظيف. وأثناء الإغلاق، وفي أسوأ أشهر الجائحة، كان الكثير من متعاطي المخدرات بمفردهم، ما قلّل بشكل أكبر من فرصة وصول فرق الطوارئ، التي اقتربت من نقطة الانهيار بسبب ارتفاع حالات الإصابة بفيروس «كورونا»، في الوقت المناسب إلى الضحايا الذين يتناولون جرعة زائدة.

جرعة قاتلة

وتزامنت الأزمة الصحية، أيضاً، مع تدفق مادة الفنتانيل الأفيونية، إلى السوق. وفي ذلك قالت رئيسة إدارة مكافحة المخدرات، آن ميلغرام، الشهر الماضي، إن وكالات إنفاذ القانون صادرت ما يقرب من 5500 كيلوغرام من الفنتانيل خلال العام الماضي، وهي الكمية التي تكفي لإعطاء كل أميركي «جرعة قاتلة» من مادة الأفيون القوية.

ويهدد ظهور المزيد من المواد الأفيونية القوية، في شوارع العاصمة والمدن الأخرى بتفاقم آفة الإدمان المستفحلة، في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الـ«نيتازين» مُخدّر جديد، على ما يبدو، في واشنطن، إلا أن وكالات مكافحة المخدرات، ومحللي الطب الشرعي كانوا متيقظين لوصوله. وقد ظهر بهدوء في العديد من المدن الأميركية، خلال العامين الماضيين.

وأوضحت إيفانز «جاء الاكتشاف في واشنطن خلال الاختبارات الروتينية، كجزء من الجهود المنسقة مع مركز السيطرة على الأمراض لمراقبة المواد الأفيونية، والمواد الجديدة الناشئة».

ولم تظهر مادة «نيتازين» بكميات كافية لتحل محل مخدر الـ«فنتانيل»، الذي حل محل الهيروين، لكن المُخدر أثار قلق وكالات المخدرات. ويعتقد الخبراء أن هناك حاجة لجرعات أكبر من عقار «ناركان»، وهو ترياق للجرعة الزائدة، للتمكن من إنقاذ المتعاطين، الذين يتناولون جرعة زائدة من الـ«نيتازين»، الذي يبدو أنه مستمر في التدفق إلى السوق الأميركية.

وأضافت إيفانز «هناك فرق كبير بينه وبين الفنتانيل»، موضحة «لقد أبلغنا المستجيبين الأوائل ليكونوا على دراية، ولكن متعاطي المخدرات بحاجة إلى توعية أيضاً؛ إذ لا يدرك الكثير منهم الخطر المحدق بهم». ووفقاً للأطباء، يعمل «ناركان» كعلاج، ولكن المتعاطي قد يتطلب جرعة أكبر منه. ودعا الخبراء إلى اليقظة، لأن عالم المخدرات يتغير باستمرار.

عجز الحكومات

وتعهدت الحكومات الأميركية المتعاقبة بمعالجة أزمة المواد الأفيونية، لكنها كانت عاجزة عن وقف موجة إدمان المخدرات والموت، التي عصفت بأميركا. وتجاوز عدد وفيات المخدرات، حتى أبريل، عدد الأميركيين الذين قتلوا بالبنادق وحوادث السيارات والإنفلونزا مجتمعة. وقتل الفنتانيل وحده عدداً أكبر من الأشخاص في 2020-2021، أكثر من عدد الوفيات بسبب الجرعات الزائدة من جميع الأدوية في عام 2016، ما يبرز القلق بشأن اكتشاف مخدرات أكثر قوة في السوق. ويعتبر الفنتانيل أقوى مرات عدة من المورفين، ويستخدم بشكل متزايد مقارنة بالمخدرات الأخرى، مثل الكوكايين؛ ما يؤدي إلى قتل الأشخاص الذين يتعاطونه. وقد أدى ذلك إلى توسيع شبكة الإدمان على المواد الأفيونية، التي كانت تتركز في السابق بين متعاطي الهيروين.

وفي أحدث مبادرة لكبح تعاطي المخدرات، أصبحت نيويورك أول مدينة افتتحت مركزين آمنين للحقن، في مانهاتن، الأسبوع الماضي؛ وهما عبارة عن عيادتين يمكن للمدمنين تناول المخدرات فيها، بمساعدة طبية في حالة تعاطيهم جرعة زائدة. ورغم المناشدات، خلال السنوات الماضية، لفتح «مراكز للوقاية من الجرعات الزائدة»، في أميركا، على النموذج المعتمد في أوروبا وأستراليا وكندا، لاتزال وزارة العدل، تصر على عدم قانونية هذه المراكز.

عبء اقتصادي

عام 2019، توفي نحو 50 ألفاً في الولايات المتحدة من جرعات زائدة من المواد الأفيونية. ويُعد سوء استخدام المواد الأفيونية وإدمانها، بما في ذلك مسكنات الألم التي تُصرف بوصفة طبية، والهيروين، والمواد الأفيونية الاصطناعية مثل الفنتانيل، أزمة وطنية خطيرة، تؤثر في الصحة العامة والرفاه الاجتماعي والاقتصادي. وتقدّر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن إجمالي «العبء الاقتصادي» لسوء استخدام المواد الأفيونية الموصوفة بوصفة طبية وحدها، في الولايات المتحدة، هو 78.5 مليار دولار سنوياً، بما في ذلك تكاليف الرعاية الصحية، وعلاج الإدمان، والمتابعات في العدالة الجنائية.

3 موجات من الوفيات

أميركية تحمل صورة ابنها الذي مات بجرعة زائدة.   أرشيفية

شهدت الولايات المتحدة ثلاث موجات من ارتفاع الوفيات بسبب الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية، في الفترة بين 1999 و2019، مات خلالها نحو 500 ألف شخص بسبب جرعة زائدة، تتضمن أي مادة أفيونية، بما في ذلك المشمولة بالوصفات الطبية والمواد الأفيونية غير المشروعة. ويمكن تحديد هذا الارتفاع في وفيات الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية بثلاث موجات متميزة:

1- بدأت الموجة الأولى مع زيادة وصف المواد الأفيونية في التسعينات، مع زيادة الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة التي تشمل المواد الأفيونية الموصوفة (المواد الأفيونية الطبيعية وشبه الاصطناعية والميثادون) منذ 1993 على الأقل.

2- بدأت الموجة الثانية في عام 2010، مع زيادات سريعة في الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة التي تنطوي على الهيروين.

3- بدأت الموجة الثالثة في عام 2013، مع زيادات كبيرة في وفيات الجرعات الزائدة التي تنطوي على المواد الأفيونية الاصطناعية، لاسيما مادة الفنتانيل المصنوعة بطريقة غير مشروعة.

ويستمر سوق الفنتانيل المصنوع بطريقة غير مشروعة في التغير، ويمكن العثور عليه جنباً إلى جنب مع الهيروين والحبوب المزيفة والكوكايين.

مراكز وقاية

نيويورك افتتحت مركزين لحقن آمن للمتعاطين.  أرشيفية

أبلغت نيويورك عن أكثر من 2000 حالة وفاة بسبب الجرعات الزائدة، العام الماضي، بزيادة قدرها 38%، على عام 2019. وتشير حالات الوفاة في الربع الأول من عام 2021، بسبب المخدرات في المدينة، إلى أن عدد الوفيات سيرتفع مرة أخرى هذا العام. وأجاز عمدة نيويورك، بيل دي بلاسيو، افتتاح مراكز الوقاية من الجرعات الزائدة.

وقال دي بلاسيو: «بعد دراسة مستفيضة، نعرف الطريق الصحيح للمضي قدماً لحماية الأشخاص الأكثر ضعفاً في مدينتنا، ولن نتردد في اتّباعها»، موضحاً «مراكز الوقاية من الجرعات الزائدة هي طريقة آمنة وفاعلة لمعالجة أزمة المواد الأفيونية. وأنا فخور بأن أظهر للمدن في هذا البلد أنه بعد عقود من الفشل، من الممكن اتّباع نهج أكثر ذكاءً».

وقال مفوض الصحة في مدينة نيويورك، الدكتور ديف تشوكشي، إن مشكلة الجرعة الزائدة باتت «من أولويات المسؤولين في الصحة العامة». وأوضح «علينا معالجة هذه الأزمة بالتزامن مع معركتنا ضد (كوفيد-19). إن توفير مساحة آمنة وداعمة للناس سينقذ الأرواح ويبعد الناس عن التسكّع في الشوارع».

• 100 ألف حالة وفاة، بسبب تعاطي جرعات زائدة من المخدّرات، خلال العام الجاري، للمرة الأولى.

• 275 أميركياً توفّوا، كل يوم، بفعل الجرعات الزائدة، خلال 12 شهراً، حتى أبريل.

• هناك حاجة إلى جرعات أكبر من عقار «ناركان»، وهو ترياق للجرعة الزائدة، للتمكن من إنقاذ المتعاطين.

طباعة