وفيات الشباب مزيج من السلوكيات الخطرة والعوامل البيولوجية

الإنفاق الصحي القياسي لا يحمي الأميركيين من الموت المبكر

رغم تفوق أميركا في الرعاية الصحية فإنها تفشل في الحفاظ على حياة شخص في الـ 32 من عمره. غيتي

لطالما قيل لنا إن الولايات المتحدة أعظم دولة على وجه الأرض، وبالطبع، فإن مناقشة هذه الفكرة أو التشكيك فيها غالباً ما يقابلان بنظرات استنكار وانتقادات لاذعة. ومع ذلك، يظل من الضروري طرح سؤال: إذا كانت أميركا عظيمة إلى هذا الحد، فلماذا يموت فيها هذا العدد الكبير من الشباب؟

وتشير أبحاث حديثة صادرة عن جامعة «فرجينيا كومنولث» إلى أن معدل الوفيات بين الأميركيين الذين تراوح أعمارهم بين 25 و44 عاماً ارتفع بنسبة 71.2% خلال الفترة من 2010 إلى 2021.

وهكذا، يرحل هؤلاء عن الحياة في سنوات يفترض أن يكونوا خلالها في خضم البحث عن شريك الحياة وبناء مستقبلهم.

ويبدو النموذج التقليدي للحياة الأميركية بسيطاً للغاية، على الأقل من الناحية النظرية، إذ يشجع الشباب على مواصلة التعليم، وبدء مسار مهني، ثم تأسيس أسرة، وبذل كل ما في وسعهم للحفاظ على تماسكها واستمرار الحياة الزوجية.

لكن بيانات الوفيات تكشف أن هذا النموذج يتهاوى في الوقت الذي يحاول فيه الأفراد تطبيقه، فعلى الرغم من تفوق الولايات المتحدة في بعض إجراءات الرعاية الصحية، وقدرتها على إطالة حياة من تجاوزوا الـ80 من خلال تقديم رعاية فائقة الكلفة في وحدات العناية المركزة، فإنها تفشل في المقابل في الحفاظ على حياة شخص في الـ32 من عمره، حتى يتمكن من رؤية أطفاله وهم يلتحقون بالمرحلة الإعدادية. ولا تقتصر الخسائر البشرية على الأرقام الواردة في تقارير الطب الشرعي، فوفاة واحدة مبكرة قد تكون كفيلة بتفكيك أسرة بأكملها.

ويصبح الرجال والنساء أرامل قبل أن يظهر الشيب في رؤوسهم، فيما تفقد المجتمعات المحلية سباكين ومعلمين وضباط شرطة وجيراناً، كان من المفترض أن يواصلوا الإسهام في تنشيط اقتصاداتها المحلية على مدى ثلاثة عقود أخرى.

وغالباً ما تتركز النقاشات العامة بشأن وفيات الشباب على أزمة مخدر «الفنتانيل»، وعلى الرغم من أن المواد الأفيونية الاصطناعية غير المشروعة تحصد بالفعل أرواح أعداد كبيرة من الأشخاص، فإن الوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة لا تمثل سوى جانب من الصورة، إذ يموت الشباب الأميركيون نتيجة مزيج معقد من العوامل والأزمات، بعضها يرتبط بسلوكياتهم الشخصية، وبعضها الآخر له أسباب بيولوجية.

ولاتزال معدلات الانتحار مرتفعة، كما تحصد أمراض الكبد المرتبطة بتعاطي الكحول، وحوادث السير المميتة، وجرائم القتل، وارتفاع ضغط الدم، والاضطرابات الأيضية، أرواح أشخاص في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم.

وبإمكان الطب معالجة الإصابات الناجمة عن طلقات نارية أو فتح الشرايين المسدودة، لكنه لا يستطيع إجبار شخص على التوقف عن تناول كميات مفرطة من الكحول.

كما لا يمكن للتكنولوجيا أن تتدخل عندما يقرر شخص قيادة سيارته بسرعة 90 ميلاً في الساعة على طريق سريع تغطيه الثلوج، بينما ينشغل في الوقت نفسه بإرسال الصور الساخرة عبر هاتفه.

ويُعد تناول الأطعمة فائقة المعالجة، وقضاء ساعات طويلة في الخمول أمام الشاشات، والإفراط في شرب الكحول، وإهمال علاج الاضطرابات النفسية، من السلوكيات والخيارات الشخصية التي لا تستطيع أي جهة حكومية إدارتها أو التحكم فيها نيابة عن الأفراد.

وتنفق الولايات المتحدة تريليونات الدولارات سنوياً على الرعاية الصحية، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تنفقه أي دولة غنية أخرى. ومع ذلك، لا ينعكس هذا الاستثمار الضخم إيجاباً على متوسط العمر المتوقع، الذي يشهد تراجعاً.

وفي المقابل، تنفق الدول الأوروبية جزءاً بسيطاً مما تنفقه الولايات المتحدة، ومع ذلك يعيش مواطنوها في الغالب حتى سن الـ80 أو الـ90، من دون الحاجة إلى الاعتماد على العلاجات البيولوجية المتقدمة، فالتدخلات الطبية عالية التقنية لا تُشكل بديلاً كافياً عن الرعاية الصحية اليومية والالتزام بنمط حياة صحي.

كما أسهم العزل الاجتماعي في تفاقم الوضع، فقد تزامن انتشار الإنترنت فائق السرعة وتوافر المحتوى الترفيهي عبر منصات البث من دون قيود تقريباً، مع تراجع كبير في التواصل الإنساني المباشر.

وتتعامل أطر الصحة العامة التقليدية مع كل سبب من أسباب الوفاة باعتباره حالة منفصلة، إذ يتولى قسم معالجة قضايا الإدمان، فيما يتابع قسم آخر أمراض القلب، ويختص قسم ثالث بدراسة السلامة المرورية.

لكن هذا التقسيم البيروقراطي يغفل الصورة الأوسع، فعندما ترتفع معدلات الوفيات الناجمة عن أسباب مختلفة تماماً في الوقت نفسه، وبين الفئة العمرية ذاتها، فإن الثقافة السائدة تسهم في خلق مشكلة لا يستطيع الأطباء أو السياسات الحكومية وحدها معالجتها.

وينبغي للمجتمع السليم حقاً أن يقيس نجاحه الأساسي بمدى قدرة المواطن العادي على التمتع بشيخوخة كريمة، وأن يعيش حتى يصبح جداً أو جدة، أما الولايات المتحدة، فتخفق إخفاقاً ذريعاً في هذا الاختبار مع كل حالة وفاة مبكرة.  جون غوليون* *كاتب وباحث يستكشف الثقافة والمجتمع وتأثيرات التكنولوجيا في الحياة اليومية. عن «ذا هيل»

• تنفق أميركا تريليونات الدولارات على الرعاية الصحية، ولا ينعكس هذا الاستثمار إيجاباً على متوسط العمر المتوقع الذي يشهد تراجعاً.

• ينبغي للمجتمع السليم أن يقيس نجاحه بقدرة المواطن على التمتع بشيخوخة كريمة، أما أميركا فتخفق في هذا الاختبار مع كل حالة وفاة مبكرة.

تويتر