العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    ضمن أساليب المقاومة الشعبية لحماية «جبل صبيح» والدفاع عن بلدتهم

    بالصور.. «الإرباك الليلي».. وسيلة سكان «بيتا» لدرء الاستيطان

    صورة

    تضيء مشاعل في أيدي شبان وأشعة ليزر خضراء وألعاب نارية عتمة الليل، بينما تخرق أصوات تنشد أغاني فلسطينية الصمت، وتنتشر في المكان رائحة إطارات مشتعلة. في قرية «بيتا» بالقرب من مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، لا يوفر السكان الفلسطينيون طريقة لإزعاج مستوطنين أقاموا بؤرة عشوائية في المنطقة، بغية دفعهم إلى الرحيل.

    وتقع بلدة «بيتا» (17 ألف نسمة) بين مرتفعات جبلية عدة، بينها جبل صبيح الذي أقيمت عليه البؤرة الاستيطانية، وتسكنها قرابة 50 عائلة، منذ مايو الماضي.

    واعتمد شبان بلدة «بيتا» أسلوب الإرباك الليلي، بعد ما يقارب شهرين من فعاليات المقاومة الشعبية التي تجسدت بالمسيرات السلمية الجماهيرية.

    وتستمر فعاليات الإرباك الليلي يومياً حتى ساعات الفجر، متمثلة في إشعال إطارات السيارات، إلى جانب العديد من الأساليب التي ينتهجها السكان لحماية أرضهم والدفاع عنها.

    ومنذ بداية شهر مايو من عام 2021، تشهد «بيتا»، البالغة مساحتها (18 ألف دونم)، إقامة بؤرة استيطانية على قمة جبل صبيح، الذي يتوسط البلدة، حيث أقام المستوطنون بيوتاً متنقلة (كرفانات)، وزودوها بخدمات الكهرباء والماء، ومهدوا الطرق داخل البؤرة في غضون أيام قليلة.

    وحدات الإرباك

    «الإمارات اليوم» التقت أحد القائمين على فعاليات الإرباك الليلي في بلدة «بيتا»، وعضو قيادة الشبيبة في محافظة نابلس، عمار الجاغوب، حيث يقول: «إن بلدة (بيتا) على مدار ما يقارب شهرين متواصلين، تغيب عنها أجواء الهدوء والاستقرار في جميع الأوقات، بسبب إقامة البؤرة الاستيطانية، وبعد تصاعد حدة ممارسات الاحتلال والاستيطان، فإن الحديث الآن تجاوز فكرة المسيرات الجماهيرية، حيث تشهد (بيتا) تطورات متلاحقة في أساليب المقاومة الشعبية».

    ويضيف أن «الإرباك الليلي الذي تشهده بلدة (بيتا)، هو أحد أحدث وأبرز أساليب المقاومة الشعبية، فقد شكلنا مجموعة وحدات ميدانية مختلفة من الشبان والسكان، لتنفيذ مهام عدة في إطار الدفاع عن أرضنا وجبلنا، فـ(وحدة الكاوتشوك)، تعمل منذ ساعات الصباح الباكر لتشكيل سحابة الدخان المتصاعدة، لتغطي أعلى قمة جبل صبيح الجاثمة على أرضها البؤرة الاستيطانية».

    ويقول (رعد)، مسؤول «وحدة الكاوتشوك» لـ«فرانس برس»: «عندما وضعوا هذه الكرفانات على سفح الجبل، أبلغت إسرائيل الارتباط الفلسطيني بأنهم سيبقون هنا يوماً أو يومين. وخلال أقل من 50 ساعة باتت هناك أكثر من 20 كرفاناً متلاصقة».

    ويضيف «لن تبقى هذه الكرفانات على أرضنا، ولو استشهد كل أهالي القرية».

    ويبين الجاغوب أن «وحدة المشاعل» إحدى ركائز الإرباك الليلي، إذ تبدأ فعالياتها يومياً مع غروب الشمس، بمشاركة ما يقارب (200) شاب من أبناء البلدة، يحملون المشاعل باتجاه البؤرة، إلى جانب وحدتي الليزر والكشافات التي تعمل طوال ساعات الليل، لإرباك المستوطنين وإزعاجهم.

    ويقول عضو قيادة الشبيبة في نابلس: «إن جميع أهالي بلدة (بيتا) من كبار السن، والرجال، والشبان، والأطفال يشاركون في فعاليات المقاومة الشعبية، خصوصاً الإرباك الليلي، إلى جانب مشاركة وحضور سكان القرى المجاورة، فبلدة (بيتا) تشهد حالة وطنية وتماسكاً بين جميع العائلات والفصائل، لدحر المستوطنين وبؤرتهم من (بيتا) وجبل صبيح».

    مواجهة

    من جهة ثانية، يؤكد عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في بلدة «بيتا»، محمد دويكات، أن المجموعات الشبابية في محافظة نابلس تداوم بشكل مستمر على ابتكار الأشكال المتعددة من النضال والمقاومة الشعبية، ومن أبرزها وحدات الإرباك الليلي، وهي أساليب جديدة لمقاومة الاستيطان والاحتلال.

    ويقول دويكات لـ«الإمارات اليوم»: «إن الأشكال التي يعمل بها أبناء بلدة (بيتا) هي أساليب نضالية متاحة ومتوافرة، تزعج المستوطنين، وترهق الاحتلال، وتزيد من حجم خسائره بشكل يومي ومتواصل، كما تعد وسائل ضاغطة للتسريع في إزالة البؤرة الاستيطانية».

    ويلفت إلى أن الاحتلال يواجه فعاليات الإرباك الليلي والمقاومة الشعبية باستخدام الرصاص الحي والمطاطي، وقنابل الصوت والغاز، بحق شباب البلدة والمشاركين في الفعاليات، لافتاً إلى أن القوات تنفذ في ساعات الليل المتأخرة حملة اعتقالات ضد السكان، حيث بلغ عدد المعتقلين ستة شبان، إلى جانب قمع المسيرات الجماهيرية، وإغلاق مدخل البلدة الرئيس، وكل الطرق المؤدية إلى جبل صبيح.

    وعلى وقع ممارسات واعتداءات الاحتلال التي تشهدها «بيتا»، استشهد أربعة مواطنين من سكانها، وهم، الشهيد المدعي العام عيسى داوود برهم (40 عاماً)، ومدرس اللغة العربية الشهيد زكريا ماهر حمايل (28 عاماً)، والشهيد الفتى محمد سعيد حمايل، والشهيد الفتى أحمد زاهي بني شمسة.

    مقاومة شعبية

    من جانبه، يقول مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان شمال الضفة الغربية، مراد اشتيوي، إن أطماع المستوطنين برزت في جبل صبيح قبل ثلاث سنوات، عندما أقاموا أعلى قمته بؤرة استعمارية، فيما تكررت الأطماع ذاتها مرتين، ولكنها أزيلت في جميع المرات، بفعل فعاليات المقاومة الشعبية.

    ويواصل اشتيوي حديثه «ولكن هذه المرة أصر المستوطنون على إقامة هذه البؤرة، حيث بلغ عدد الوحدات الاستيطانية فيها خلال الثلث الأول من شهر يونيو الجاري (40 وحدة) بكامل البنى التحتية من شبكات للكهرباء وخطوط للمياه، إلى جانب الطرق المعبدة».

    ويلفت إلى أن المقاومة الشعبية في الضفة الغربية نجحت في إزالة البؤرة الاستيطانية ثلاث مرات خلال السنوات الماضية، مضيفاً «هذه المرة تشهد المقاومة الشعبية تحولاً وطنياً كبيراً في استحداث وسائل وفعاليات جديدة، تتمثل بمشاركة الآلاف من أبناء بلدة بيتا والقرى المجاورة، بمشاركة هيئة مقاومة الجدار وفصائل العمل الوطني والإسلامي».

    ويضيف: «تم استحداث وحدات الإرباك الليلي التي يبدأ نشاطها بشكل يومي منذ ساعات الليل الأولى حتى الفجر، يتخللها إشعال إطارات السيارات، وتسليط كشافات الليزر باتجاه النوافذ في البؤرة، وإصدار أصوات أبواق عالية، بالقرب من (أفيتار)».

    وفي سياق متصل، يبين مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان شمال الضفة الغربية، أن أهمية جبل صبيح تكمن في ارتفاعه، وموقعه الذي يتوسط قرى قبلان، و«يتما»، و«بيتا»، في جنوب نابلس، ووقوعه في المنطقة التي تربط وسط وشمال الضفة الغربية قرب حاجز زعترة الذي يسيطر عليه الاحتلال.

    وبحسب اشتيوي، فإن موقع جبل صبيح يأتي استكمالاً للخط الاستيطاني، الذي يبدأ من قرية كفر قاسم، ومستوطنات «شعري تكفا»، و«أرائيل»، و«كفار تفوح»، و«معاليه أفرايم»، حيث يقطع هذا الخط الضفة الغربية عرضياً، فيفصل شمالها عن وسطها وجنوبها على امتداد الطريق الاستيطاني رقم (5).

    وأصيب في مواجهات بين شبان القرية والجيش الإسرائيلي أكثر من 300 آخرين بجروح، وفق الهلال الأحمر الفلسطيني.

    وعلى الرغم من إصابته برصاصة في قدمه خلال إحدى التظاهرات قبل أكثر من شهر، يحرص الشاب، ضياء علي، على الوجود مساء كل يوم بين المتظاهرين.

    ويقول ضياء الذي تلحّف بالعلم الفلسطيني ووضع كوفية بينما يتكئ على عكازين: «سأواصل القدوم الى هنا، وسنواصل العمل بهذه الطريقة والمقاومة حتى يرحلوا عن أرضنا».

    ويقول غالب أبوزيتون (77 عاماً) الذي وضع كوفية بيضاء على رأسه بينما يحمل مسبحة بيده وينظر الى الدخان المتصاعد: «سيرحلون».

    ويضيف «هذا العمل السلمي سيجبرهم على الرحيل، وهو أفضل من المواجهة المباشرة التي تجعلنا نخسر عدداً من شبابنا».

    بعد أن يخيم الظلام على القرية، ينتقل شبان الى جهة مقابلة للجبل، ويشعلون النار في إطارات على مسافات قريبة من المستوطنة، بينما يقوم آخرون من مسافات بعيدة بتسليط أضواء من الليزر باتجاه موقع المستوطنة. كما يتوافد عشرات الشبان حاملين المشاعل الى أقرب نقطة من المستوطنة، فيبدأ عناصر من الجيش الإسرائيلي بإطلاق قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع في اتجاههم.

    ويقول شاب ملثم وقد غطى اللون الأسود ملابسه ويديه، بينما يدفع بإطار ضخم نحو النيران القريبة: «سنواصل العمل بهذه الطريقة حتى يصل دخان الكاوتشوك الى غرف نومهم».

    ويردّد الشاب ثائر حمايل الذي وضع على رأسه كوفية شقيقه زكريا حمايل الذي استشهد في المكان: «بهذه الطريقة أو بغيرها، يجب أن يرحلوا عن أرضنا».

    دخان

    وقال مستوطنون في البؤرة إن دخان الإطارات يصل الى منازلهم ويلوّثها.

    ويصف تسيفي سكوت، أحد مؤسسي البؤرة، في تغريدة له على «تويتر»، الاحتجاجات الفلسطينية هذه بأنها «مجنونة بكل بساطة».

    ويضيف «نحن نعيش في سحابة من الدخان المسرطن.. الأطفال يسعلون ويمرضون. إنهم يتحدثون عن طردنا وتدمير مجتمعنا. لا يمكن أن يستمر هذا. قريتهم التي يجب أن تدمّر».

    وأمر وزير الدفاع آنذاك، بيني غانتس، بإخلاء البؤرة، لكن رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو جمّد القرار.

    ولم تتعامل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بقيادة اليميني المتطرف نفتالي بينيت، وهو رئيس سابق لمجلس المستوطنات في الضفة الغربية، مع هذه القضية الملتهبة بعد.

    وترى منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن «مجموعة صغيرة من الناس قامت دون أي سلطة، بخلق حقائق على الأرض تلحق ضرراً خطيراً بأمن إسرائيل»، ودعت الحكومة الجديدة إلى إخلاء البؤرة الاستيطانية، لأنها تضعف من «إمكانية السلام في المستقبل».

    • أطماع المستوطنين برزت في «جبل صبيح» قبل ثلاث سنوات، عندما أقاموا أعلى قمته بؤرة استيطانية، فيما تكررت الأطماع ذاتها مرتين، ولكنها أزيلت.

    • ترى منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن «مجموعة صغيرة من الناس قامت دون أي سلطة، بخلق حقائق على الأرض تلحق ضرراً خطيراً بأمن إسرائيل»، ودعت الحكومة الجديدة إلى إخلاء البؤرة الاستيطانية، لأنها تضعف من «إمكانية السلام في المستقبل».

    • منذ بداية شهر مايو من عام 2021، تشهد «بيتا»، البالغة مساحتها (18 ألف دونم)، إقامة بؤرة استيطانية على قمة جبل صبيح، الذي يتوسط البلدة، حيث أقام المستوطنون بيوتاً متنقلة (كرفانات)، وزودوها بخدمات الكهرباء والماء، ومهّدوا الطرق داخل البؤرة في غضون أيام.

    • «وحدة المشاعل» أحد ركائز الإرباك الليلي، إذ تبدأ فعالياتها يومياً مع غروب الشمس، بمشاركة ما يقارب (200) شاب من أبناء البلدة، يحملون المشاعل باتجاه البؤرة، إلى جانب وحدتي الليزر والكشافات التي تعمل طوال ساعات الليل، لإرباك المستوطنين وإزعاجهم.

    طباعة