في تحوّل مهم للسياسة الخارجية الأميركية

بايدن يوجّه الوكالات المختلفة للاستعداد لمعركة ضد الفساد العالمي

صورة

الفساد أمر واقعي في عالمنا المعاصر. ولا يتمثل في إحلال قوة الدولة القومية بالجماعات الإرهابية، أو الشركات، أو المنظمات الدولية التي تسيّر مروحيات سوداء، كما يفترض الناس بشكل مختلف. وإنما هذا الفساد مدعوم من قبل حكم الأقلية الفوضوي، والمحتالين الذين يُنشئون إمبراطوريات للسرقات العابرة للأوطان.

طرح الرئيس الأميركي، جو بايدن، فكرة مهمة للحوار العالمي قبل أيام، عندما أعلن أن مكافحة الفساد هي «مصلحة أساسية للأمن القومي للولايات المتحدة» و«ضرورية للحفاظ على ديمقراطيتنا». ووجّه كل وكالة تابعة للحكومة الأميركية للتعبئة لهذه المعركة ضد الفاسدين، بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)، ووكالة الأمن القومي، ووزارة الخزانة، والجيش.

ووجّه تحذيراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعشرات من الدكتاتوريين الفاسدين الآخرين حول العالم: إنه موجّه لكم، لقد كلفت مجتمع الاستخبارات الأميركية للتو بالتحقيق في كيفية جمع ومكان إخفاء أموالكم.

إذا كان بايدن جاداً - وبصراحة، كلمة «إذا» هذه مهمة للغاية - فقد يمثل هذا تحولاً مهماً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لكن الحقيقة المحزنة هي أن هذه القلة الفاسدة في العالم، تعتمد في أعمالها على الدولار، حيث يقوم محامون بارعون في الولايات المتحدة بإنشاء شركاتهم الوهمية؛ ويساعدهم المصرفيون الذين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة في إخفاء أصولهم؛ وغالباً ما تتسامح السياسة الخارجية للولايات المتحدة مع مثل هذه السرقات، وتذهب لأبعد من ذلك لتشجعها بطريقة غير مباشرة، ومن حيث لا تدري. هذه حملة مقدسة يجب أن تبدأ من الوطن.

أقرت مذكرة أصدرها البيت الأبيض، يوم الخميس، بأن الولايات المتحدة تساعد في تمكين هذه الشبكة غير المرئية من الكسب غير المشروع. «الشركات الوهمية المجهولة، والأنظمة المالية الغامضة، ومقدمو الخدمات المحترفون، كل هؤلاء يساعدون في نقل وغسل الثروة غير المشروعة، بما في ذلك في الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى القائمة على سيادة القانون»، كما جاء في التقرير.

جهود الولايات المتحدة في مكافحة الفساد الدولي ليست جديدة، فخلال إدارة الرئيس السابق، بيل كلينتون، أطلقت وزارة الخزانة مجموعة من الأنشطة المالية لـ«تسمية وفضح» مبيضي الأموال. وحاولت إدارة الرئيس باراك أوباما تعزيز قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة لعام 1977، والذي يحظر نظرياً على الأقل على الشركات الأميركية دفع رشا في الخارج. لكن المحتالين العالميين أثبتوا أنهم أكثر مهارة من تطبيق القانون في الولايات المتحدة.

احتجاجات ضد اللصوص الأثرياء

إذا سافرت حول العالم، فستسمع الاحتجاجات ضد اللصوص الأثرياء في كل مكان تقريباً تذهب إليه. أسقط المتظاهرون في الشوارع حكومة لبنان، وتحدوا نظاماً في العراق تدعمه إيران، وناهضوا شرطة مكافحة الشغب في روسيا وبيلاروسيا.

ما هو المطلب المشترك لهؤلاء المتظاهرين عندما نستبعد الخطاب المحلي؟ إنهم يريدون صفقة عادلة، لا يتم فيها سرقة ثمار جهودهم بواسطة المصالح التجارية أو السياسية القوية.

من أوضح تعبيرات هذا الغضب التي سمعتها في حياتي كانت من عالم إيراني خلال رحلة إلى طهران قبل بضع سنوات. تحدث معي عن اختراق أو بالأحرى اختراع تكنولوجي حققه في مختبره. وعندما سألته عما إذا كان سيبدأ شركة لتطوير هذا الاختراق، هز رأسه بحزن، وذكر أن المسؤولين الحكوميين الفاسدين سيطالبون بنصيب كبير في هذا العمل التجاري، بحيث لا يستحق كل هذا العناء.

غالباً ما تبدأ السياسة الخارجية للولايات المتحدة بالهدف النبيل المتمثل في تعزيز الديمقراطية والحرية، لكن هذه الأفكار المجردة لا معنى لها إذا كنت مواطناً صادقاً ورأيت صورة شخصيات كبيرة (مع الأصدقاء في السفارة الأميركية) الذين يسرقون من الخزانة الوطنية ومن عملك الخاص. ما اقتنعت به على مر السنين، أن هذا الفساد الجسيم هو السبب الوحيد وراء فشل حروبنا في العراق وأفغانستان. وبدلاً من تعزيز الديمقراطية هناك، قاموا بإثراء طبقة جديدة من اللصوص.

إذا كنت تريد أن ترى أين ذهبت الكثير من الأموال التي أنفقت خلال «الحروب التي لا نهاية لها، قم بزيارة الريفييرا الفرنسية، أو ميامي، أو أفخم الأبراج السكنية في مانهاتن. لا عجب أن الأميركيين أصبحوا متشككين بشأن «بناء الأمة».

قد يبدو أن الدفع الجديد ضد الفساد ظهر من فراغ، لكن بايدن ومستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، ظلا يكرران هذه الفكرة في الكثير من الموضوعات في مقالات على مدى السنوات العديدة الماضية.

شارك بايدن في كتابة مقال في يناير 2018 في الشؤون الخارجية يجادل فيه بأن بوتين كان «يستخدم المعلومات والفضاء الإلكتروني والطاقة والفساد كسلاح». وشارك سوليفان في كتابة مقال في سبتمبر 2019 في صحيفة «ذي بوست»، وقال بصراحة: «لقد أصبحت الولايات المتحدة إحدى الوجهات الرائدة في العالم لإخفاء الثروة المسروقة وإضفاء الشرعية عليها»، وإن «الفساد الأجنبي يمثل تهديداً لديمقراطيتنا وأمننا وقيمنا».

المبادرة التي تم الإعلان عنها يوم الخميس يجب أن تكون عسيرة الهضم على بعض المصرفيين والمحامين في أماكن مثل جنيف وجزر كايمان، وأيضاً في مدينة نيويورك. وتقترح المبادرة جمع معلومات استخباراتية بشكل جدي حول المحتالين، وابتكار أدوات جديدة لفضح شركاتهم الوهمية، وفرض عقوبات جديدة على النشاط غير المشروع. يبدو أن خطة بايدن لمكافحة الفساد لها بعض الأسنان، ونأمل أن تتمكن من العض.

• جهود الولايات المتحدة في مكافحة الفساد الدولي ليست جديدة، فخلال إدارة الرئيس بيل كلينتون، أطلقت وزارة الخزانة مجموعة من الأنشطة المالية لـ«تسمية وفضح» مبيضي الأموال. وحاولت إدارة الرئيس أوباما تعزيز قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة لعام 1977، والذي يحظر نظرياً على الأقل على الشركات الأميركية دفع رشا في الخارج.

• وجّه بايدن تحذيراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعشرات من الدكتاتوريين الفاسدين حول العالم: إنه موجّه لكم، لقد كلفت مجتمع الاستخبارات الأميركية للتو بالتحقيق في كيفية جمع ومكان إخفاء أموالكم.

ديفيد إغناتيوس - كاتب عمود ورأي في صحيفة «واشنطن بوست»

طباعة