الحرية الدينية ضرورة أساسية لتحقيق السلام في الأراضي المقدسة

صورة

في الأسبوع الماضي تم تعييني في منصب رئيس الأساقفة الأنغليكانيين في القدس، وفي اليوم الأول من وجودي في هذا العمل الجديد، لم أكن أتوقع أن يكون الهم الأكبر بالنسبة لي هو ضمان ما إذا كانت عائلتي تستطيع الوصول إلى المنزل بسلام، وكانت عائلتي تسافر من بلدتي في الجليل إلى كنيسة القديس جورج في القدس، من أجل القداس الديني، وكما يتوقع أي شخص يفتح الصحيفة، فإن أعمال العنف، التي اندلعت أخيراً، هي الأسوأ من نوعها منذ نحو جيل.

واندفع المتطرفون في مختلف أنحاء مدن البلد إلى الشوارع بحثاً عن العنف، حيث كان يتم إخراج المدنيين من سياراتهم وضربهم بشدة، فقط لمجرد الاشتباه في أنهم ينتمون إلى المجموعة المناوئة لهم، ونحن نشهد تعرض أماكن العبادة للهجوم والإحراق، ما أصاب الجميع بالخوف والهلع. وللعودة إلى المنزل كان يتعين على عائلتي الابتعاد في طريقها عن المجموعات المتطرفة، ناهيك عن أفراد الشرطة المدججين بالسلاح بشدة، ولم يكن بالي يهدأ حتى أسمع اتصالاً منهم، يؤكد لي أنهم وصلوا إلى المنزل بسلام، وكنت أحمد الله على ذلك دائماً.

وكان البعض يشعرون بالدهشة لأن الشعائر الدينية كانت مستمرة، على الرغم من خطورة الواقع الحالي، لكنّ الكنيسة كانت مصرّة على القيام بدورها، وهذا مؤشر مهم إلى الدور الذي تلعبه الكنائس في الديار المقدسة.

ويؤدي المسيحيون طقوس العبادة هنا منذ عهد الإمبراطورية الرومانية، منذ تلك القرون التي علمتنا أن بعض الإمبراطوريات تصعد وتزداد قوة وأخرى تنهار، وحُكمت بلادنا من قِبَل قادة ينتمون إلى جميع الديانات الإبراهيمية، ومع ذلك استمررنا في المشي بالشوارع، حيث كان يمشي المسيح، ولهذا فإنه ليس من المستغرب أن المناسبات المسيحية استمرت كما خُطط لها، وهذا أبسط مثال على الوجود الصادق في الأزمنة الصعبة، وهذه محاولة أخرى لإشعال الضوء في الظلام.

ومن المهم أكثر من أي وقت مضى، في هذه الأيام الصعبة، أن تواصل هذه الكنائس ازدهارها في الأراضي المقدسة، لكن المناخ الذي نعيشه أصبح صعباً ويزداد عدائية، وتتعرض أماكن العبادة المسيحية للهجمات بصورة متكررة، وترى الجماعات المتطرفة والمتنفذة، أنه ليس هناك مكان للمسيحيين في هذه الديار المقدسة، وهم يجاهرون بإظهار نيتهم طردنا من هذه الديار.

وهذه الجماعات هي نفسها التي تعمل على طرد العديد من العائلات من ديارها بحي الشيخ جراح في القدس، وهذه التصرفات تلعب دوراً كبيراً في نشر شرارة العنف القاتل، الذي نشاهده بصورة يومية على شاشات التلفزة في جميع أنحاء العالم.

الحرية الدينية

وإذا قيّض لهذه الأحداث أن تعلمنا شيئاً، فإنها تؤكد لنا أن الحرية الدينية ليست حقاً لمصلحة الحياة الخاصة للأفراد، وإنما هي قضية أساسية من أجل السلام والأمن العالميين، وعندما يتم قمع حرية التدين، وعندما تكون المجتمعات الدينية غير محمية من المجموعات المتطرفة، وتكون الكنائس ممتهنة وحرية العبادة مقيدة، فإن ذلك لا يؤدي إلى تقويض كرامة الأفراد فقط، وإنما النسيج الأساسي لمجتمعاتنا.

ولكوني درست في واشنطن العاصمة، فلطالما كنت أقدّر الوجود الصادق للإدارات والمنظمات الأميركية المختلفة، في التشجيع للحريات الدينية العالمية، وكانت «مجموعة الطاولة المستديرة من أجل الحرية الدينية العالمية»، التي تلتقي بالتناوب مع الكونغرس الأميركي ومع وزارة الخارجية، قد مثلت إلهاماً لتشكيل ندوات مماثلة في جميع أنحاء العالم، وأنا أتطلع إلى زيارة واشنطن، حالما تسمح الظروف، للانضمام إلى الحوارات التي تجري هناك، كي أشارك الجميع بالدروس التي حصلنا عليها هنا في الأراضي المقدسة.

وفي الوقت الحاضر، يحتاج شعب الديار المقدسة إلى الدعوات والدعم من أصدقائنا في المجتمع الدولي، أكثر من أي وقت مضى، ولقد أدت أعمال العنف ومظاهر الكراهية التي شهدناها، أخيرا، إلى تعميق اليأس في قلوبنا، ولذلك فإننا جميعاً يساورنا القلق بشأن المستقبل.

وأصبح سكان المنطقة يشعرون بالتعب والإحباط، واليأس بصورة متزايدة، لكني ما كنت سأقبل هذا المنصب من دون أن أكون مفعماً بالأمل، لأن الأمل هو بضاعتنا، وعن طريق الحفاظ على الوجود الصادق في الديار المقدسة، نعمل لجلب المصالحة والتعافي اللذين تتوق إليهما مجتمعاتنا، ونحن لا نستطيع تحقيق كل ذلك وحدنا، وبالتأكيد لا نستطيع القيام بذلك لو أننا لم نعد موجودين في هذا المكان.

• عندما تكون المجتمعات الدينية غير محمية من المجموعات المتطرفة، وتكون الكنائس ممتهنة وحرية العبادة مقيدة، فإن ذلك لا يؤدي إلى تقويض كرامة الأفراد فقط، وإنما النسيج الأساسي لمجتمعاتنا.

• إذا قيض لهذه الأحداث أن تعلمنا شيئاً، فإنها تؤكد لنا أن الحرية الدينية ليست حقا لصالح الحياة الخاصة للأفراد، وانما هي قضية أساسية من أجل السلام، والأمن العالميين.

حسام نعومي - رئيس الأساقفة بالكنيسة الأنغليكانية في القدس.

طباعة