العقدان المقبلان سيشهدان توترات وزيادة المنافسة الدولية

«الاستخبارات المركزية» تتوقع تفوق الصين بحلول عام 2035

صورة

ستهيمن المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين خلال العقدين المقبلين. ويسلط تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية «سي أي أيه»، بالتعاون مع الوكالات الأمنية الأميركية الأخرى، الضوء على ما سيكون عليه العالم في 2040. ويرجح التقرير أن يشهد العالم خللاً أكبر في التوازنات ومزيداً من الانقسامات.

وتضع الوثيقة حول العالم في عام 2040، كما تراه وكالة الاستخبارات، خمسة سيناريوهات تمثل أكثر الاحتمالات المستقبلية. أحدها «عالم نحو الانجراف»، ويفترض هذا السيناريو أن الديمقراطيات الغربية لن تتعافى أبداً تماماً من جائحة «كوفيد-19»، وأن مجتمعاتها ستنقسم بشكل متزايد وأن العالم سينزلق ببطء إلى الفوضى. ويوصف النظام الدولي هناك بأنه «بلا اتجاه، وفوضوي وغير مستقر». والصين، في هذا السيناريو، ستكون في المقدمة.

وستستغل بكين الصعوبات التي يواجهها الغرب في بسط نفوذها الدولي. وكتب مؤلفو التقرير أن عدوانيتها المتزايدة في آسيا «تزيد من خطر نشوب نزاع مسلح مع قوى إقليمية أخرى، خصوصاً على الموارد الحيوية». وفي المقابل، تشعر البلدان النامية، التي لديها سكان شباب وعاطلون عن العمل بأنها مجبرة على إرضاء المطالب الصينية، على أمل الحصول على الاستثمار والمساعدات، التي هي في أمس الحاجة إليها.

مستقبل مملوء بالكوابيس

وجاء في التقرير الاستخباراتي في وصف هذا المستقبل المحتمل المملوء بالكوابيس «أدت حالة عدم اليقين التي أحاطت بالأزمات والاستجابات الحكومية غير المنتظمة إلى خنق الاستثمار وخلق فرص العمل، ما يؤدي إلى إغراق أميركا الشمالية وأوروبا في فترة من النمو البطيء، مقارنة بالعقد الضائع من اليابان، في التسعينات، وانهارت الدول، خصوصاً في إفريقيا والشرق الأوسط، واتجه البعض إلى الصين»، ويضيف التقرير «تصاعدت التحديات الدولية، من الإرهاب إلى تدهور التنمية البشرية، وفرت أعداد من المهاجرين من النزاعات والكوارث البيئية والتدهور الاقتصادي، إلى البلدان الأكثر ثراءً في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، وخلال هذه الفترة، شهدت الصين العديد من المشكلات البيئية والمجتمعية نفسها، ولكنها كانت أكثر قدرة على التكيف بسبب التماسك الاجتماعي القوي والثقة، والقيادة المرنة، والسلطة المركزية، والقدرة الثابتة على توفير الوظائف والسلع والخدمات، ونظام سياسي يقمع الأصوات المتنافسة».

وعلى الرغم من أن الطلب المحلي كان على نطاق أصغر، مما كان عليه خلال فترة طفرة التسعينات والعقد الأول من القرن الـ21، فقد ولّد الطلب المحلي نمواً كافياً في الناتج المحلي الإجمالي ما سمح للصين بتجاوز الولايات المتحدة ومكنها من أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030. وتعتقد «سي أي أيه» أن مشروعات البنية التحتية الضخمة، للتعامل مع آثار تغير المناخ، مثل «جدار شنغهاي البحري العظيم»، كسب قلوب العالم. وقد ساعدت برامج تطوير البنية التحتية المماثلة، فضلاً عن المساعدات والاستثمار الأجنبيين المنتظمين، الصين على اكتساب نفوذ في العالم النامي.

تشابكات دولية

وعلى الرغم من هذه التطورات، استمرت بكين في التركيز على معالجة التهديدات الأمنية المتصورة على محيطها وداخل أراضيها. وطالما كانت الصين حذرة من التشابكات الدولية والأدوار القيادية خارج منطقتها المباشرة. وبدلاً من محاولة تشكيل نظام عالمي جديد، ركّزت الصين على تعزيز الصناعات ووضع معايير تكنولوجية تتقدم أهدافها التنموية. وكانت العديد من الحكومات راضية عن الاستفادة من السوق الصينية الواسعة، وجلب الفوائد الأخرى، مثل المساعدة في أنظمة المراقبة والأمن المحلية، لكن القليل منها أراد العيش في ظل نظام دولي تحكمه الصين.

من جانبها، حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على العلاقات مع حلفائها الراسخين في المنطقة، لكن اليابان وكوريا الجنوبية اتبعتا برامج تحديث عسكرية مستقلة بشكل متزايد، وحتى برامج أسلحة نووية خاصة بهما، جزئياً بسبب قلقهما بشأن صدقية الولايات المتحدة ودرعها ضد الصين وكوريا الشمالية.

وفي 2035، سيصبح موقف الصين قوياً وغير قابل للتغيير، وفق التقرير، خصوصاً بعد أن تتمكن من إقناع حكومة تايوان بالجلوس على طاولة المفاوضات لمناقشة التوحيد. وسيُشكل التفوق الصيني في المجالين العسكري والبيئي، نقطة تحول في المنطقة، وذلك بإظهار قدرة بكين على استفزاز حليف أميركي وثيق، وبث الخوف في قلوب جيرانها، بأنها لن تتردد في حل بعض الخلافات الإقليمية. وفي غضون ذلك، لن تتمكن أي دولة من الوقوف أمام صعود القوة الصينية في المنطقة. ويتوقع التقرير الاستخباراتي الأميركي، أن تتوافق روسيا مع مصالح الصين، لكنها ستصبح شريكاً أقل أهمية مع مرور الزمن. ومع أن الهند استفادت من التنمية، إلا أنها ستحتاج إلى سنوات لتتمكن من مواجهة، أو احتواء جارتها الأكثر قوة.

توترات مستمرة

ستشهد العلاقات بين الحكومات وشعوبها، في جميع مناطق العالم، توترات مستمرة، وفقاً للتقرير، وذلك بسبب عدم التوافق المتزايد بين احتياجات أو توقعات السكان، والإمدادات الممكنة أو المرغوبة من الحكومات. وفي العديد من البلدان، سيواجه السكان الذين ارتفعت توقعاتهم، بسبب الازدهار الماضي، توترات واضطرابات أكبر بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي، وآفاق التوظيف غير المؤكدة، والانكماش الاقتصادي، والنمو السكاني. وستختبر هذه الضغوط قدرات الدول ومرونتها، وستُستنزف الميزانيات، وتجعل الحكم أكثر تعقيداً. وفي السنوات المقبلة، من المرجح أن ينتشر هذا التفاوت بين قدرات الحكومات وتوقعات المواطنين، ويؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار السياسي. ونتوقع أن نرى انقساماً في المجتمع، وزيادة في الشعبوية، وموجات من الاحتجاج، وفي أقصى الحالات، المزيد من العنف والصراعات الداخلية، وحتى انهيار بعض الدول.

ومن المرجح أن يستمر الاتجاه نحو تآكل الديمقراطية خلال العقد المقبل على الأقل، إن لم يكن لفترة أطول. وتعتمد شرعية الأنظمة الديمقراطية على المدى الطويل على شرطين عامين: الحفاظ على عملية سياسية عادلة وشاملة ومنصفة، والحصول على نتائج إيجابية للسكان. ويمكن أن تساعد الاستجابة للمخاوف العامة بشأن الفساد واحتكار النخبة وعدم المساواة في استعادة ثقة الجمهور وتعزيز الشرعية المؤسسية. بالإضافة إلى ذلك، فإن توفير خدمات فعالة واستقرار اقتصادي وأمن شخصي - مزايا تاريخية للديمقراطيات - يزيد من رضا الجمهور.

كُلفة باهظة

ستواجه الأنظمة الاستبدادية تهديدات الديمقراطيات نفسها، وسيواجه الكثيرون صعوبة في التكيف معها، ما يزيد احتمال حدوث تغيير مفاجئ وعنيف للحكومة بعد فترة من الاستقرار الظاهر. وعلى الرغم من أن الأنظمة الاستبدادية أبدت مقاومة، إلا أنها تُظهر نقاط ضعف بنيوية كبيرة، تتمثل في انتشار الفساد، والاعتماد المفرط على المواد الخام.

على مدى العقدين المقبلين، من المتوقع أن تصل شدة المنافسة على النفوذ العالمي إلى أعلى مستوى لها منذ الحرب الباردة. وفي هذه البيئة العالمية الأكثر تنافسية، من المرجح أن يزداد خطر الصراع بين الدول بسبب التقدم التكنولوجي والتوسع في عدد الأهداف، والتنوّع الأوسع للجهات الفاعلة، وديناميكية الردع. كما أن المعاهدات والمعايير ستكون أضعف. ومن المحتمل أن تسعى جيوش القوى العظمى إلى تجنب الصراعات الشديدة، وحتى الحروب الشاملة، بسبب كلفتها الباهظة في الموارد والأرواح البشرية. ولكن من المرجح أن يزداد خطر اندلاع مثل هذه الصراعات نتيجة سوء التقدير أو رفض التنازل عن القضايا الأساسية.

• على الرغم من أن الطلب المحلي كان على نطاق أصغر، مما كان عليه خلال فترة طفرة التسعينات والعقد الأول من القرن الـ21، فقد ولّد الطلب المحلي نمواً كافياً في الناتج المحلي الإجمالي، ما سمح للصين بتجاوز الولايات المتحدة ومكنها من أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030.

• حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على العلاقات مع حلفائها الراسخين في المنطقة، لكن اليابان وكوريا الجنوبية اتبعتا برامج تحديث عسكرية مستقلة بشكل متزايد، وحتى برامج أسلحة نووية خاصة بهما، جزئياً بسبب قلقهما بشأن صدقية الولايات المتحدة ودرعها ضد الصين وكوريا الشمالية.

طباعة