رغم الضجيج الذي أثارته طهران

بوبي غوش: الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران أقل كثيراً مما تبدو

صورة

جرى الإعلان عن توقيع «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين الصين وإيران، والتي تمتد على مدار 25 عاماً، في وقت سابق هذا الأسبوع، بشعور المنتصر في طهران، في حين تلقت بعض الدوائر الغربية النبأ بانزعاج، وتم تفسير الاتفاقية على أنها تمثل تحدياً من جانب إيران للعقوبات التي فرضتها أميركا عليها، وأنها إشارة إلى أن الصين تحل تدريجياً محل النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.

لكن الأمر ليس شيئاً من ما سبق، بحسب ما يراه الكاتب الصحافي بوبي غوش، في التقرير الذي نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، حيث قال إنه رغم الضجيج الذي أثارته إيران، فإن الصفقة ليست «شراكة» بقدر ما هي سند تعهدي، بدعم إقامة علاقات اقتصادية وسياسية وتجارية أفضل بين بكين وطهران، على مدار ربع القرن المقبل.

المشاهد تعبر

وقال الكاتب الأميركي من أصل هندي إن مشاهد الإعلان عن مذكرة الشراكة تشي بذلك: فقد وقع وزير الخارجية الصيني وانغ يي الوثائق الرسمية، خلال زيارته إلى طهران، في إطار جولة شرق أوسطية تشمل ست دول. ويشير هذا إلى أن الصفقة مع إيران لا تتمتع لدى بكين بالثقل نفسه للاتفاقات التي وقعتها الصين مع دولة مثل بنغلاديش. وعندما يريد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إظهار اهتمامه بتعزيز نفوذ بلاده في مكان ما، فإنه هو من يضع توقيعه على الوثائق.

ثم إن الاتفاقية نفسها تتحدث طويلاً عن الاحتمالات، وقليلاً عن التفاصيل. وستضخ الصين استثمارات في إيران، التي ستقدم لبكين النفط بأسعار رخيصة في المقابل. ولم يفصح أيٌّ من الطرفين عن أي معلومات تتعلق بالتفاصيل المالية، واتسمت نسخة إيرانية من الصفقة جرى تسريبها، الصيف الماضي، بالغموض، ما أثار تكهنات بأن بكين ملتزمة باستثمار مبالغ تراوح بين 400 و800 مليار دولار، في قطاعات تمتد من القطاع المصرفي، والبنية التحتية، إلى الرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات.

محض أمنيات

لكن هذا كله يظل محض أمنيات، طالما لاتزال إيران ترزح تحت العقوبات الاقتصادية الكثيرة، التي فرضها عليها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ولم يتم تخفيف أي منها في ظل سلفه جو بايدن.

ويقول غوش إن بايدن حريص على العدول عن القرار الأحادي، الذي اتخذه ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع القوى العالمية في فيينا عام 2015، لكن طهران رفضت جميع شروط الرئيس الأميركي المتعلقة بعودة واشنطن إلى الاتفاق. وقد طالبت الصين، وهي إحدى القوى الموقعة على الاتفاق النووي، بعودة أميركا إليه دون أي شروط مسبقة.

وهناك تصور، بحسب غوش، أن بايدن سيخفف بعض القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني، كحافز للدفع صوب استئناف المحادثات النووية. لكن من المرجح الإبقاء على معظم العقوبات، في حين تسير المفاوضات في طريقها. وستبقى القيود العديدة التي فرضت على أساس دعم إيران للإرهاب سارية، حتى لو توصل الطرفان إلى اتفاق يتعلق بالمسائل النووية.

الأقراص السامة

جدير بالذكر أنه حتى بعد رفع العقوبات عن إيران في أعقاب التوصل للاتفاق النووي في عام 2015، لم يندفع المستثمرون الأجانب، بالضبط، إلى داخل إيران، وهو ما يعود في جزء منه إلى حالة الارتباك جراء القيود التي ظلت سارية. بل إن الصورة الآن أكثر ضبابية، بسبب ما يطلق عليها «الأقراص السامة»، التي أقحمتها إدارة ترامب في نظام العقوبات، لمنع أي تخفيف سريع لها.

وكتب غوش أنه بالنسبة لبكين، هناك عدد من العوامل الجيوسياسية، التي يجب وضعها في الاعتبار، فليس هناك شك في أن الرئيس الصيني حريص على اكتساب مزيد من النفوذ في الشرق الأوسط، وهي منطقة ذات أهمية حيوية لتأمين واردات بلاده من المواد الهيدروكربونية (النفط والغاز)، وهي أيضاً مهمة لطموحه في إقامة طريق الحرير الحديث، عبر «مبادرة الحزام والطريق»، التي أطلقها شي عام 2013. لكن الصين كانت دوماً مستثمراً حذراً، يركز على عدد قليل من الصفقات الضخمة مع الكيانات المملوكة للدول.

ويقول غوش إن الشراكة مع إيران تعرض بكين لتقلبات العداوات الإقليمية. ومادام العداء مستمراً بين إيران والدول العربية، فعلى الصينيين أن يضعوا في الميزان الفرص الاستثمارية بإيران، مقابل الغضب الذي قد يثيرونه على الجانب الآخر من الخليج.

وفي الختام، أشار جوش إلى مسألة السياسات الداخلية، التي تزداد سخونة في الفترة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في البلاد هذا الصيف. والتوصل لاتفاق مع إدارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، التي تتأهب للرحيل في الانتخابات المقبلة، قد لا يساوي أكثر من قيمة الورق الذي كتب عليه.


بعد رفع العقوبات عن إيران في أعقاب التوصل للاتفاق النووي عام 2015، لم يندفع المستثمرون الأجانب، بالضبط، إلى داخل إيران، وهو ما يعود في جزء منه إلى حالة الارتباك جراء القيود التي ظلت سارية. بل إن الصورة الآن أشد ضبابية، بسبب ما يطلق عليه «الأقراص السامة»، التي أقحمتها إدارة ترامب على العقوبات، لمنع تخفيفها سريعاً.

الصفقة بين الصين وإيران ليست «شراكة» بقدر ما هي سند تعهدي بدعم إقامة علاقات اقتصادية وسياسية وتجارية أفضل، بين بكين وطهران، على مدار ربع القرن المقبل.

طباعة