ترامب تسبب في تأجيج التوترات

الصراع في بحر الصين الجنوبي يصرف العالم عن قضايا التغير المناخي والأنشطة النووية

صورة

تواجه إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، مجموعة من القضايا والعقبات الصعبة في السياسة الخارجية، إلا أن أكثرها صعوبة هو قضية علاقتها الشائكة مع جمهورية الصين الشعبية. وأعتقد أن الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الجديدة مع قضايا التجارة، والأمن، وحقوق الإنسان، ستسمح لكلا البلدين إما بإقامة علاقة عمل جيدة، أو جر الولايات المتحدة إلى حرب باردة باهظة الثمن، لا يمكنها الفوز بها، والتي قد تجعلها تهمل تهديدات وجودية مثل تغير المناخ والحرب النووية.

العقبة الأولى في تحسين العلاقات بين البلدين هي الجو المسموم الذي خلقته إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، من خلال استهدافها الحزب الشيوعي الصيني باعتباره العدو الرئيس للولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، حيث دعا وزير الخارجية السابق، مايك بومبيو، بشكل أساسي إلى تغيير النظام، وهو ما يعني من الناحية الدبلوماسية القتال حتى الموت. وبالطبع فقد تسبب ترامب في تفاقم التوترات بين واشنطن وبكين، إلا أن العديد من الخلافات تعود إلى أكثر من 70 عاماً.

وتظهر استطلاعات الرأي في البلدين العداء المتزايد في وجهات نظر الشعبين لبعضهما بعضاً، وتصاعد النعرة القومية التي قد يكون من الصعب السيطرة عليها. ويعتقد معظم الصينيين أن الولايات المتحدة مصممة على عزل بلادهم، وإحاطتها بالحلفاء المعادين لها، ومنعها من أن تصبح قوة عالمية. ويعتقد العديد من الأميركيين أن الصين دولة متنمرة استبدادية، سلبتهم وظائف صناعية ذات رواتب جيدة. وهناك قدر معين من الحقيقة في كلا وجهتي النظر.

الاقتصاد الرائد

وفي الحقيقة كانت الصين - معظم تاريخ البشرية - هي الاقتصاد الرائد في العالم. ولكن بدءاً من حرب الأفيون الأولى عام 1839، خاضت القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية واليابانية والألمانية والأميركية خمس حروب كبرى والعديد من الحروب الصغيرة مع الصين، واستولت على الموانئ وفرضت اتفاقيات تجارية. لم ينسَ الصينيون أبداً تلك السنوات السوداء، وأي نهج دبلوماسي لا يأخذ هذا التاريخ في الاعتبار، من المرجح أن يفشل.

أصعب نقطة - وخطورة - هي الاحتكاك في بحر الصين الجنوبي، وهي منطقة مائية تبلغ مساحتها 1.4 مليون ميل مربع يطل عليها جنوب الصين وفيتنام، وإندونيسيا، وبورنيو، وبروناي، وتايوان، والفلبين. وإلى جانب كونها طريقاً تجارياً رئيساً، فهي غنية بالموارد الطبيعية.

وبناءً على ماضيها الإمبراطوري، تدعي الصين ملكية جزء كبير من هذا البحر، وبدءاً من عام 2014، بدأت في بناء قواعد عسكرية على سلاسل الجزر والشعاب المرجانية المنتشرة في المنطقة. وبالنسبة للبلدان التي تقع على هذا البحر، فإن هذه المطالبات والقواعد تهدد الموارد البحرية وتُشكل تهديداً أمنياً محتملاً. وإلى جانب دعمهم للسكان المحليين، ظل الأميركيون هم القوة المهيمنة في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وليس لديهم أي نية للتخلي عن سيطرتهم.

وفي حين أن بحر الصين الجنوبي هو مياه دولية، فإنه يُشكل جزءاً كبيراً من الحدود الجنوبية للصين، وكان بمثابة بوابة للغزاة في الماضي. ولم يحاول الصينيون أبداً تهديد التجارة في المنطقة - وهو عمل مدمر على أي حال، نظراً لأن معظم حركة المرور عبارة عن سلع صينية - لكنهم قلقون بشأن الأمن.

قواعد عسكرية

وتمتلك الولايات المتحدة خمس قواعد عسكرية رئيسة في الفلبين، و40 قاعدة في اليابان وكوريا، وأسطولها السابع المتمركز في يوكوسوكا في اليابان هو أكبر قوة بحرية لواشنطن. كما شكلت الولايات المتحدة تحالفاً من أستراليا واليابان والهند - «التحالف الرباعي» - الذي ينسق الإجراءات المشتركة. ويتمثل ذلك في الألعاب الحربية السنوية في مالابار التي تمثل نموذجاً لاعتراض إمدادات الطاقة البحرية الصينية من خلال إغلاق مضيق ملقا، بين ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية.

وتهدف الاستراتيجية العسكرية الأميركية في المنطقة، التي يطلق عليها «المعركة البحرية الجوية»، الى السيطرة على الساحل الجنوبي للصين، وعزل قيادة البلاد، وتحييد قوتها الصاروخية النووية. الخطوة المضادة التي ستتخذها الصين هي الاستيلاء على الجزر والشعاب المرجانية لإبقاء الغواصات والمركبات السطحية الأميركية على مسافة قريبة منها، وهي استراتيجية تسمى «تحريم المنطقة». ويعتبر احتلال الجزر المرجانية غير قانوني في الغالب، فقد خلص حكم صدر عام 2016 عن محكمة التحكيم الدائمة إلى أن مطالبات الصين بشأن بحر الصين الجنوبي، ليس لها أي أساس. لكن بالنسبة لبكين، فإنها تعتبر البحر حدوداً معرضة للخطر. علينا أن نفكر للحظة كيف سيكون رد فعل واشنطن، إذا أجرت الصين مناورات حربية بحرية قبالة يوكوسوكا، أو سان دييغو، أو في خليج المكسيك. المياه الدولية لشخص ما هي موطن شخص آخر.

تاريخ التوترات

وترجع التوترات في بحر الصين الجنوبي إلى الحرب الأهلية الصينية بين الشيوعيين والقوميين، التي دعم فيها الأميركيون الجانب الخاسر. وعندما انسحب القوميون المهزومون إلى تايوان في عام 1949، تولت الولايات المتحدة الدفاع عن الجزيرة، واعترفت بتايوان باعتبارها الصين، ومنعت جمهورية الصين الشعبية من عضوية الأمم المتحدة.

بعد زيارة الرئيس الأميركي الراحل رتشارد نيكسون للصين عام 1972، توصل البلدان إلى بعض الاتفاقيات بشأن تايوان، من ضمنها أن واشنطن ستقبل أن تايوان جزء من الصين، شريطة أن تمتنع بكين عن استخدام القوة لإعادة توحيد الجزيرة مع البر الرئيسي. كما وافق الأميركيون على عدم إقامة علاقات رسمية مع تايبيه، أو تزويد تايوان بأسلحة «ذات أهمية كبيرة». لكن على مر السنين، تآكلت تلك الاتفاقيات، لا سيما أثناء إدارة بيل كلينتون.

في عام 1996، أدت التوترات بين تايوان والبر الرئيسي إلى بعض الوعيد من قبل بكين، لكن جمهورية الصين الشعبية لم تكن لديها القدرة على غزو الجزيرة، وكانت جميع الأطراف المعنية تعلم ذلك. لكن كلينتون كان يحاول صرف الانتباه عن مغامراته مع مونيكا لوينسكي، لذلك أرسلت الولايات المتحدة مجموعة قتالية من حاملات الطائرات عبر مضيق تايوان. وفي حين أن المضائق مياه دولية، إلا أن إرسال تلك القوة كانت خطوة استفزازية أقنعت جمهورية الصين الشعبية، بضرورة تحديث جيشها إذا أرادت الدفاع عن سواحلها.

ومن المفارقات أنه بينما يزعم الأميركيون أن تحديث البحرية الصينية يشكل تهديداً، كانت تصرفات الولايات المتحدة في أزمة مضيق تايوان هي التي أخافت جمهورية الصين الشعبية، والتي عكفت على برنامج مكثف لبناء قوة بحرية حديثة واعتماد استراتيجية «تحريم» للمنطقة.

لقد أجج ترامب بالتأكيد التوترات، حيث ترسل الولايات المتحدة الآن بشكل روتيني سفناً حربية عبر مضيق تايوان، وأرسلت أعضاء حكوميين رفيعي المستوى إلى تايبيه، وباعت أخيراً 66 قاذفة مقاتلة عالية الأداء من طراز إف-16 للجزيرة. وفي نظر بكين، فإن كل هذه الإجراءات تنتهك الاتفاقيات المتعلقة بتايوان، ومن الناحية العملية، تلغي مطالبة الصين بإعادة ضم الجزيرة.

خوض الحرب

الصينيون مقتنعون بأن الولايات المتحدة تعتزم إحاطتهم بجيشها. وبينما اقتربت الهند من الأميركيين، فإن الصين هي شريكها التجاري الرئيس ونيودلهي ليست على وشك خوض حرب للدفاع عن تايوان. كما يرتبط الاقتصاد الأسترالي ارتباطاً وثيقاً بالصين، كما هي الحال بالنسبة لليابان. إلا أن العلاقات التجارية بين الدول لا تمنعها من خوض الحرب، لكنها تلجأ إلى الرادع. وبالنسبة للجيش الأميركي فإن جميع المناورات الحربية تقريباً حول تايوان تشير إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحاً ستكون هزيمة أميركية.

مثل هذه الحرب، بالطبع، ستكون كارثية، وستلحق أضراراً عميقة بأكبر اقتصادين في العالم، ويمكن أن تؤدي حتى إلى ما لا يمكن تصوره – حرب نووية. ونظراً لأن الصين والولايات المتحدة لا تستطيعان «هزيمة» بعضهما بعضاً، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، يبدو أنه من الأفضل أن تتراجعا وتتفاوضا في ما يجب فعله حيال بحر الصين الجنوبي وتايوان.

لا مطالب قانونية

ليس لدى جمهورية الصين الشعبية أي مطالبة قانونية بأجزاء شاسعة من بحر الصين الجنوبي، لكن لديها مخاوف أمنية مشروعة. واستناداً إلى اختيارات بايدن في ما يتعلق بوزير خارجيته ومستشار أمنه القومي - أنتوني بلينكين وجيك سوليفان، على التوالي - فإن الصين لديها أسباب لهذه المخاوف، فكلا الشخصيتين كانت متشددة بشأن الصين، ويعتقد سوليفان أن بكين «تسعى وراء الهيمنة العالمية».

لا يوجد دليل على ذلك، فالصين تقوم بالفعل بتحديث جيشها، لكنها تنفق نحو ثلث ما تنفقه الولايات المتحدة في هذا الشأن. وعلى عكس الولايات المتحدة، فهي لا تبني نظام تحالف، بشكل عام، اذ تعتبر الصين الحلفاء عائقاً، وبينما لديها حكومة استبدادية، فإن أنشطتها موجهة إلى مناطق كانت بكين تعتبرها دائماً جزءاً من الصين التاريخية. ليس لدى جمهورية الصين الشعبية أي تصميمات لنشر نموذجها في بقية العالم. وعلى عكس الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فإن الاختلافات بين الصين وأميركا ليست أيديولوجية، ولكنها نشأت بسبب تنافس نظامين رأسماليين مختلفين على الأسواق.

القوة المهيمنة

لا تريد الصين أن تحكم العالم، لكنها تريد أن تكون القوة المهيمنة في منطقتها، وتريد بيع الكثير من الأشياء، من السيارات الكهربائية إلى الألواح الشمسية. ولا يُشكل ذلك أي تهديد عسكري للولايات المتحدة، إلا إذا اختارت واشنطن تحدي الصين في مياهها الداخلية، وهو أمر لا يريده الأميركيون ولا يستطيعون تحمله.

لذلك يجب على كلا البلدين تخفيف حدة الخطاب وتهدئة انتشارهما العسكري. ومثلما للولايات المتحدة الحق في الأمن في مياهها الداخلية، فإن الصين لديها الحق نفسه. ويجب على بكين، بدورها، التخلي عن مطالباتها في بحر الصين الجنوبي ونزع سلاح القواعد التي أنشأتها بشكل غير قانوني. وستساعد هاتان الخطوتان على خلق الأجواء لحل دبلوماسي إقليمي للمطالب المتداخلة لدول المنطقة. الكُلفة التي تترتب على عدم القيام بذلك لا يمكن تصورها على الإطلاق. ففي الوقت الذي تكون فيه هناك حاجة إلى موارد ضخمة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري، يعمل البلدان على زيادة ميزانياتهما العسكرية ويهددان بعضهما بعضاً على جزر وشعاب مرجانية، حيث ستصرف هذه التصرفات انتباه العالم عن تغير المناخ.

• تمتلك الولايات المتحدة خمس قواعد عسكرية رئيسة في الفلبين، و40 قاعدة في اليابان وكوريا، وأسطولها السابع المتمركز في يوكوسوكا في اليابان هو أكبر قوة بحرية لواشنطن. كما شكلت الولايات المتحدة تحالفاً من أستراليا واليابان والهند - «التحالف الرباعي» - الذي ينسق الإجراءات المشتركة.

• ليس لدى جمهورية الصين الشعبية أي تصميمات لنشر نموذجها في بقية العالم. وعلى عكس الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فإن الاختلافات بين الصين وأميركا ليست أيديولوجية، ولكنها نشأت بسبب تنافس نظامين رأسماليين مختلفين على الأسواق.

كون هلينان - محلل في مجلة «الكاونتر بانش»

طباعة