يشهر بها كمنافس جيوسياسي باعتبارها شكلاً من أشكال التهديد الوجودي

إعادة شيطنة روسيا لن تفيد الغرب

صورة

نستقبل العام الجديد بتفاؤل، لكن يبدو أن الخطاب السياسي لم يتغير. ومرة أخرى، لايزال ينظر إلى موسكو، التي غالباً يتم التشهير بها كمنافس جيوسياسي للغرب، باعتبارها شكلاً من أشكال التهديد الوجودي على نحو غير دقيق، وينطوي على نتائج سلبية بالنسبة للغرب وروسيا على حد سواء. وبعد اقتحام مبنى الكونغرس الأميركي، في السادس من يناير الجاري، تحدث البعض عن علاقة روسيا، بصورة أو بأخرى بالموضوع، وإن كان ذلك بلا أي دليل مطلقاً.

وتم استخدام اثنين من الناطقين بالروسية، اتضح في ما بعد أنهما من ميلدوفا في البداية، باعتبارهما يمثلان بصمات الكرملين، ومن ثم تم الحديث عن هتافات روسية تم فضحها لاحقاً، وكذلك عن شخص أوكراني محتجز له علاقة بالكرملين. وبصورة غير مباشرة، قالت رئيسة مجلس النواب الأميركية، نانسي بيلوسي، إن ما حدث في مبنى الكونغرس الأميركي يشكل هدية ثمينة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكررت وجهة نظرها بأن الرئيس دونالد ترامب هو مجرد دمية بيد بوتين.

وعلى الرغم من أن العديد من المتشددين الصقور هللوا لما حدث، وكان لديهم قدر كبير من الشماتة، فإنه يجب أن نتذكر هنا أن أميركا غير المستقرة تشكل خطراً لا يمكن توقعه، ناهيك عن أن بوتين نفسه لا يؤيد الأعمال الغوغائية، بغض النظر عن الجهة الموجهة ضدها.

ولا يقتصر الخطاب الحالي المعادي لروسيا على الولايات المتحدة، إذ إن هناك الكثير من الكلام في أوروبا عن روسيا باعتبارها تهديداً وجودياً، وأن بوتين ديكتاتور قوي ومسيطر على جميع مناحي الحياة في روسيا، ويحمل عداوة غير عقلانية للغرب. وفي سلسلة من المدونات الصوتية الجديدة، قال الجنرال المتقاعد وقائد القوات الخاصة البريطانية، السير غريمي لامب، إن الكرملين الملتزم «بالقضاء على أسلوب حياتنا»، يقوم بتصعيد حملات سرية ضد الغرب. وربما الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الجنرال تحدث عن مقارنة بفترة الثلاثينات من القرن الماضي، مشيراً إلى أن الغرب إذا لم يتحرك بصورة أكثر حسماً، فإنه سيجد نفسه في وضع مماثل لما حدث عام 1939.

وللإنصاف، كان الجنرال، السير نيك كارتر، الرئيس الحالي للقوات المسلحة البريطانية، ووزير الدفاع البريطاني، بن والاس، أكثر عقلانية كرجلَيْ دولة. لكن إعرابهما عن مقارنة ضمنية بين روسيا في هذه الأيام، وألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، والنظر إلى روسيا باعتبارها تقف خلف كل أزمة أو مواجهة تقع في الغرب، تظل أفكاراً منتشرة وإشكالية في خطاب الغرب العام، وهي تشكل خطراً على الجميع.

الخطأ في تشخيص المشكلة:

لنضع مقارنات السير غريمي المضللة والمهينة جانباً، باعتبارها شاذة، فحتى الحديث المتواصل عن الخطر الروسي الضخم والخارج عن السيطرة، يعتبر مشكلة عميقة بالنسبة للغرب نفسه. وهناك العديد من المحللين الأذكياء والمطلعين جيداً على سياسة موسكو، الذين يفهمون أن سياسة الكرملين غالباً تتصدى للإهانات والضغوط الغربية، وغالباً تكون واقعية وتتجنب المخاطرة.

لكن إذا كان السياسيون الغربيون سعداء بالصورة الكاريكاتيرية لبوتين، باعتباره الشخص الشرير في رواية «ملك الخواتم»، وأنهم يفترضون أن كل شيء يفعله يكون بدافع العداء والكراهية، وليست له علاقة بمصالح بلاده، فإن هؤلاء عندها يقومون بتشويه الحقائق.

وهذه قضية مهمة في مرحلة حرجة. وبالطبع، إن إدارة الرئيس جو بايدن من المرجح أن تطور سياستها إزاء روسيا خلال السنوات الأربع المقبلة. والاتحاد الأوروبي ذاته الخارج من مفاوضات «بريكست»، ومن أزمات جائحة «كورونا»، سيعمل على النظر في موقعه من العالم حالياً، وبالتالي علاقاته مع موسكو. وبعبارة أخرى، حان الوقت من أجل الوضوح في الرؤية والصدق في التقييم، وليس اللقطات الرخيصة والرسوم الكاريكاتيرية الفظة.

الاستجابات الخاطئة:

في واقع الأمر، إن المشكلة أن صورة روسيا المعروفة أنها تشن حرباً سياسية ضد الغرب. وهي تعمل على اغتيال، أو تحاول اغتيال، أولئك الأشخاص الذين تعتبرهم خونة. وأنها تقوم بإصدار صخب معلوماتي بهدف التغطية على الحقائق الصحيحة والأخبار المؤلمة. وهي تحتفظ بمجموعة من المنظمات والأدوات المكرسة لتنفيذ عمليات سرية، والتدخل والتخريب على الغرب وصرف انتباهه.

لكن روسيا لا تفعل ذلك دائماً، والكرملين لا يحاول تقديم بعض الأجندات الأيديولوجية التي تستند إلى الحكم الشمولي والفساد في شتى أنحاء العالم. ولا يحاول إعادة إنشاء الاتحاد السوفييتي أو الإمبراطورية القيصرية، ولا يستعد للقيام بأي مواجهة عسكرية مع الغرب.

وفي الحقيقة إن الافتراضات غير الدقيقة بشأن ما يريده بوتين وما يرغب به، والتي تصوره باعتباره خليطاً بين الرئيس الروسي السابق جوزيف ستالين، والشخصية الشريرة في أفلام جيمس بوند، سيعمل على تشويه صنع السياسة الغربية على نحو خطير وغير مفيد. ويقصد بها الرد على التهديدات الخيالية، وليس ما يواجهه الغرب في الواقع، كما أنها تضيع الفرص الموجودة من أجل التعاون العملي مع روسيا، لأن هذا الأسلوب يرفض أصلاً القبول بان التعاون ممكن.

اللعب على رواية الكرملين:

يتلاعب هذا الخطاب على روايات الكرملين نفسه، التي مفادها أن الغرب يواجه «فوبيا روسيا»، وهو يعمل ما بوسعه كي يسيء لروسيا، ويطلق الثورات الملونة والمرعبة على موسكو وحلفائها.

ويكمن هذا المنطق الكامن وراء قوانين انعدام التسامح الجديدة لروسيا في هجومها على «العملاء الجدد»، إضافة إلى أنه أحد خطوط الهجوم ضد المعارض أليكسي نافالني. ومن الناحية العملية، إذا أظهر الغرب أنه يحبك، فإنه يفعل ذلك فقط لأنك إما تنفذ له مآربه، أو أنك مفيد له في حملته ضد روسيا، وبالتالي فإنك سلاح ساذج ضد بلادك.

ومن الواضح أن الذين يقدمون النصح ويؤثرون في بوتين، وربما بوتين نفسه أيضاً، يحملون وجهة نظر مريبة للعالم، تعكس رؤية الصقور الذين يهاجمون روسيا في الغرب.

لكن في الوقت الذي يجد فيه الغرب نفسه على مفترق طرق، في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، تتخذ روسيا قرارات حاسمة في ما يتعلق بسياستها الداخلية، حيث تميل نحو نمط سياسي أكثر قمعاً.

وكلما اعتقد القادة الروس أنفسهم أنهم تحت تهديد الغرب العدائي، وكلما تمكنوا من إقناع، على الأقل، جزء من شعبهم بذلك، فمن المحتمل أن يواصلوا الانجراف نحو المواجهة في الخارج، وفي الوقت ذاته يتزايد القمع في الداخل.

• الافتراضات غير الدقيقة بشأن ما يريده بوتين وما يرغب به، والتي تصوره باعتباره خليطاً بين الرئيس الروسي السابق جوزيف ستالين، والشخصية الشريرة في أفلام جيمس بوند، ستعمل على تشويه صنع السياسة الغربية على نحو خطير وغير مفيد.

• لا يقتصر الخطاب الحالي المعادي لروسيا على الولايات المتحدة، إذ إن هناك الكثير من الكلام في أوروبا عن روسيا، باعتبارها تهديداً وجودياً، وأن بوتين ديكتاتور قوي ومسيطر على جميع مناحي الحياة في روسيا، ويحمل عداوة غير عقلانية للغرب.

طباعة