تعهد بإنهائها في حملته الانتخابية

بايدن أمام معضلة حروب أميركا التي لا تنتهي

صورة

أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، عن خطة لإعادة نصف القوات الأميركية البالغ عددها 5000 جندي من أفغانستان، بالإضافة إلى 500 من أصل 3000 جندي يتمركزون الآن في العراق. ولم تحظ الخطة بشعبية بين الضباط العسكريين وخبراء الدفاع، لكنها قدمت هدية غير متوقعة للرئيس المنتخب جو بايدن. وخلال حملته تعهد بايدن بإنهاء «الحروب الأبدية» الأميركية، لكنه سيواجه قريباً مشكلة أكبر وأصعب بكثير: كيف سيفي بتعهده عندما يتولى منصبه؟ وفي تلك المرحلة، لا تبدو احتمالات نجاحه جيدة جداً.

ومع ذلك، يتعين أولاً تحديد معنى مصطلح الحرب «الأبدية»، وتبين أن الإجابة صعبة بشكل مدهش، وقد حاول بايدن على الأقل توضيح ما يعنيه بالضبط، وأولويته الأكبر هي تجنب المزيد من العمليات القتالية على نطاق واسع، كما هو الحال في أفغانستان أو العراق أو ليبيا، ويجب أن يكون هذا ممكناً بشكل واضح، ولا تلوح حالياً حروب كبرى في الأفق، والاستثناء الوحيد المحتمل هو إيران، لكن حتى وزير الخارجية مايك بومبيو المتشدد بشأن هذه القضية، قيل إنه لم يوافق على فكرة ترامب بشن ضربات على المجمع النووي الإيراني الرئيس، الأسبوع الماضي.

وفي الوقت نفسه، فإن تصميم الرئيس المنتخب على الحفاظ على وجود قوي لمكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم سيثير أيضاً الغضب بين بعض حلفائه من اليسار، الذين يدرجون عمليات مكافحة الإرهاب في تعريفهم للحروب التي لا نهاية لها، وحتى لو أراد ذلك فهناك العديد من الأسباب القوية التي تجعل بايدن يجد صعوبة في إنهاء هذه المهام القتالية محدودة النطاق، التي تضمنت في 2018 قتالاً في 15 دولة مختلفة، وإعادة معظم القوات الأميركية إلى الوطن.

تهديدات دولية

أظهرت السنوات العشرين الماضية أن مجموعات مثل تنظيمي القاعدة و«داعش» بارعة جداً في تغيير الشكل، والانتقال إلى بلدان جديدة فيها حكومات ضعيفة، ومواطنون غاضبون للغاية، ثم استغلال هذا الغضب لتحقيق هدفهم النهائي المتمثل في شن هجمات على المستوى العالمي، وأثناء قيامهم بذلك فإنهم يخلقون تهديدات دولية خطيرة جديدة في هذه العملية.

وكل رئيس أميركي يتولى منصبه يعد بمقاربة أكثر سلمية للسياسة الخارجية، يصطدم بالواقع عندما تظهر تهديدات غير متوقعة، أو يبدأ جنرالاته في الإشارة إلى العواقب الكارثية المحتملة للابتعاد عن النزاعات القائمة أو تجنبها. وكما قال رئيس دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في معهد أميركان «إنتربرايز»، كوري شاك: «من السهل جداً انتقاد ممارسة التعامل مع التهديدات التي تظهر عندما لا تكون مسؤولاً عن تحمل المخاطر».

وقد تفضل غالبية كبيرة من الأميركيين إعادة القوات الأميركية إلى الوطن، لكن هل يريد بايدن حقاً أن يكون الرئيس الذي يتخلى عن الشعب الأفغاني الذي طالت معاناته، والقيود الوحشية التي تمارسها حركة «طالبان»؟ أو الشخص الذي يقبل المخاطرة بأن سحب الوجود العسكري الأميركي يمكن أن يشعل صراعات جديدة، أو حتى هجمات إرهابية على الغرب (نتيجة بعيدة ولكنها ليست مستحيلة)؟

وعود متشابهة

في غضون ذلك، لنفترض أن هناك تعهداً بدعم حقوق الإنسان، كما فعل بايدن، مثل كل مرشح ديمقراطي، واندلعت جولة أخرى من التطهير العرقي في مكان ما.. هل سيجلس مكتوف اليدين ويراقب فقط؟

هذا هو السبب الذي جعل الرئيس باراك أوباما، على سبيل المثال، يقدم وعوداً مماثلة، عند توليه منصبه، ولكن انتهى به الأمر إلى إرسال مزيد من القوات إلى العراق وأفغانستان، والانخراط في الحرب الأهلية السورية، والمساعدة في الإطاحة بمعمر القذافي.

إذاً ما الذي يجب على بايدن فعله للوفاء بالتزامه؟ كرئيس، ستكون لديه ثلاثة خيارات رئيسة: الأول سيكون «اكذب فقط» كما قال جيم جيفريز، وهو دبلوماسي استقال للتو من منصب مبعوث ترامب الخاص إلى سورية، موضحاً في مقابلة أجراها أخيراً، أن فريقه لم يكن يقول الحقيقة للبيت الأبيض بشأن العدد الحقيقي للقوات الأميركية في سورية.

ونهج آخر أقل ازدواجية لإنهاء الحروب إلى الأبد، هو القيام بما اقترحه عالم السياسة، تشارلي كاربنتر، والعديد من العلماء، والمدافعين الآخرين، على مدار العشرين عاماً الماضية، ويتمثل في التعامل مع الإرهاب العالمي كمشكلة قانونية، واستخدام أدوات إنفاذ القانون الدولية لمهاجمته، لكن هذا الخيار يحمل الكثير من المخاطر والمشكلات المحتملة، وسيكون تحولاً جذرياً من سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد.

وقد يكون أفضل خيار لبايدن هو اتباع نصيحة السيناتور، بيرني ساندرز، بتحسين الإجراءات التي تحكم متى تستخدم الولايات المتحدة القوة، وتعزيز شفافية النظام، والخطوة الأولى الحاسمة ستتمثل في حمل الكونغرس على استئناف واجبه الدستوري، لتقرير موعد دخول الولايات المتحدة إلى الحرب.

محاولات فاشلة

قد يكون لهذا النهج مزايا واضحة، وتم تنفيذ جميع العمليات العسكرية الأميركية تقريباً على مدار الـ19 عاماً الماضية بموجب تشريع يُسمى «ترخيص استخدام القوة العسكرية»، والذي تم إقراره في عام 2001، لمنح إدارة جورج بوش مجالاً واسعاً من الحرية في عملها، بما في ذلك الرد على الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر، وهذا سخيف؛ إذ ما كان يجب السماح للقانون بتبرير ما يقرب من عقدين من الحرب في جميع أنحاء العالم، وفي بلدان مختلفة من النيجر إلى الفلبين.

لكن حتى استراتيجية ساندرز ستواجه مشكلات، ولنبدأ بحقيقة أن الكونغرس أبدى اهتماماً شبه معدوم بتحمل المزيد من المسؤولية عن حروب أميركا، بينما فشلت المحاولات التي قام بها السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا تيم كين وزملاء آخرون، لإدخال تشريع لإلغاء قانون «ترخيص استخدام القوة العسكرية»، وقانون آخر مشابه تم تمريره عام 2002، لتمكين الحرب في العراق.

وقد فضل الكونغرس ترك القرارات الصعبة للبيت الأبيض، ثم انتقادها عندما تسوء الأمور، وما يعنيه كل هذا بالنسبة لبايدن هو أنه من غير المرجح أن يحرز تقدماً كبيراً فيما كان أحد المواقف الرئيسة في السياسة الخارجية (إنهاء الحروب) التي اتخذها خلال الحملة الانتخابية، وهو الموقف الذي نال شعبية كبيرة بين مؤيديه.

وفي الوقت الحالي، يكفي أن نقول إنه كلما استمرت حروب الولايات المتحدة إلى الأبد، واستمرت عودة جثث الأميركيين إلى البلاد؛ ارتفع السعر الذي قد يدفعه بايدن. وقد تكون مخاطر تقليص النفقات على الأمن القومي خطيرة، ولكن قد تكون كذلك مخاطر سياسية لعدم القيام بذلك.

• تصميم الرئيس المنتخب على الحفاظ على وجود قوي لمكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم سيثير أيضاً الغضب بين بعض حلفائه من اليسار، الذين يدرجون عمليات مكافحة الإرهاب في تعريفهم للحروب التي لا نهاية لها. وحتى لو أراد ذلك فهناك العديد من الأسباب القوية التي تجعل بايدن يجد صعوبة في إنهاء هذه المهام القتالية محدودة النطاق، التي تضمنت في 2018 قتالاً في 15 دولة مختلفة، وإعادة معظم القوات الأميركية إلى الوطن.

• أظهرت السنوات العشرين الماضية، أن مجموعات مثل تنظيمي القاعدة و«داعش» بارعة جداً في تغيير الشكل، والانتقال إلى بلدان جديدة فيها حكومات ضعيفة، ومواطنون غاضبون للغاية، ومن ثم استغلال هذا الغضب لتحقيق هدفهم النهائي المتمثل في شن هجمات على المستوى العالمي.

جوناثان تيبيرمان - رئيس تحرير مجلة «فورين بوليسي»

طباعة