الغرب ليس مصطلحاً يغطي منطقة جغرافية وإنما مشروع سياسي عالمي

تطوير مستقبل العلاقات عبر الأطلسي يرجع إلى أوروبا

صورة

عادة ما يلجأ السياسيون في مواجهتهم تحديات وظروفاً صعبة إلى العبارات الفارغة. وبالتأكيد هذه هي الحال بالنسبة لأوروبا وعلاقاتها المتغيرة مع الولايات المتحدة. وعلى سبيل المثال، تحاجج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الآن بأن العلاقات بين طرفي الأطلسي بحاجة إلى إعادة تقييم أساسية، ويصر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس على أن ثمة «حاجة ملحة للتحرك»، ولكن ما الذي يعنيه ذلك؟ أين المقترحات الملموسة التي تحدد بالضبط ما الذي يجب أن يأتي بعد هذا التحرك؟

في الحقيقة، نحن الأوروبيين، وبالتحديد نحن الألمان، أرحنا أنفسنا بالاعتماد على فرضية أن النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية يحافظ على نفسه بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. وفي نهاية المطاف، فان الولايات المتحدة كانت هي القوة العظمى الباقية في هذا العالم، وصادف أنها صديق مقرب لألمانيا. وفي الوقت الذي كنا فيه نعتني بأنفسنا في الداخل، كانت الولايات المتحدة، وببعض الدعم من أصدقائها النوويين، مثل فرنسا وبريطانيا في مجلس الأمن الدولي، تتحمل مسؤولية بقية العالم.

صورة العالم المتغير

ولكن منذ الاضطرابات الجيوسياسية التي عصفت بالعالم منذ تسعينات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة، وبخلاف معظم الدول الأوروبية، تمثل صورة عن العالم المتغير. ووصلت إلى نتيجة مفادها أنه يتعين عليها التفكير ملياً بشأن آسيا، خصوصاً الصين، الأمر الذي يعني انه سيقل التركيز على أوروبا، والعالم المقابل لها في الأطلسي. وبناء عليه، ففي الوقت الذي بدأت الولايات المتحدة تقليص انخراطها في الشرق الأوسط وأوروبا، أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن «آسيا المحورية»، ومن ثم تطور إلى استراتيجية «الهند والمحيط الهندي» غير الواضحة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب.

والآن وبعد أن حلت الصين مكان الاتحاد السوفييتي باعتبارها المنافس الجيوسياسي الرئيس للولايات المتحدة، تزايد الحديث عن قيام حرب باردة جديدة، ليس فقط بين الصقور من حلفاء ترامب الجمهوريين، وخصومه. وبالتأكيد فإن ترامب هو أول رئيس أميركي يطالب الدول الأوروبية علناً بالولاء والتعويض المالي معاً. وخلال ثلاث سنوات ونصف السنة تقريباً، كانت الرسالة التي تطلقها الولايات المتحدة مفادها إذا لم تدفع أوروبا، خصوصاً ألمانيا، المال، فإنها لن تكون قادرة على الاعتماد على حماية الولايات المتحدة بموجب المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.

وتتركز وجهة نظر ترامب على العالم بأنه مكان بسيط، حيث يسود فيه اللاعب الأقوى دائماً. وهو لا يعترف بأن حلفاء الولايات المتحدة يشدون من أزرها، وهم مختلفون عن الصين وروسيا. ويرى ترامب أن جميع شركاء الولايات المتحدة وحلفائها هم مجرد علامات ابتزاز محتملة.

ومن المهم التوضيح الآن بأن أوروبا يجب أن تتوقف عن الظهور كونها أرنباً أمام الأفعى الولايات المتحدة. وستفعل الولايات المتحدة كل ما تعتقد بأنه الأفضل، وإذا فاز ترامب بفترة حكم ثانية في نوفمبر المقبل، فإن أشياء كثيرة يمكن أن تتغير أقلها حلف الأطلسي. ولكن حتى إذا فاز منافسه الديمقراطي جو بايدن، فإن الولايات المتحدة لن تتحول بصورة فورية إلى ما كانت عليه قبل ترامب، لأنه مع ترامب أو من دونه فإن الولايات المتحدة ستقلص اهتمامها بالأطلسي، وستزيده في المحيط الهادي. وفي غضون بضع سنوات، لن يكون الأميركيون من أصول أوروبية هم الغالبية في سكان الولايات المتحدة.

وإضافة إلى ذلك فإن ثلثي الأميركيين يعتقدون الآن أن دولتهم «تلعب دور شرطي العالم أكثر مما ينبغي»، الأمر الذي يوحي بان أي إدارة مستقبلية ستشعر بالضغط لتقليص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأدنى والأوسط. وهذا بدوره سيقلل من أهمية المانيا باعتبارها قاعدة متقدمة لعمليات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأي مكان آخر.

وفي ظل هذه الظروف، يجب على أوروبا البدء في تحديد مصالحها بنفسها، وتوضيح الوسائل التي ستقوم من خلالها بتطوير هذه المصالح (عسكرية، واقتصادية، وسياسية)، وعلى سبيل المثال، يجب على الالمان أن لا يجعلوا وجهات نظر الرئيس الأميركي تؤثر في نقاشهم الداخلي بشأن الإنفاق على الدفاع.

العلاقات مع الصين

وينطبق الأمر ذاته على العلاقات الأوروبية مع الصين. فكيف ينوي الاتحاد الأوروبي منع كل عضو في الاتحاد من ممارسة سياسته الخاصة مع الصين؟ الجواب على هذا السؤال، ووضع استراتيجية للتعامل مع الصين على نحو واسع، سيكونان أكثر أهمية من العلاقة بين طرفي الأطلسي ومن المساهمات المالية لحلف شمال الأطلسي، وقضايا تقليص تعداد الجنود والتجارة.

ولحسن الطالع وبالنظر إلى القوى الجيوسياسية في القرن الواحد والعشرين، فحتى الولايات المتحدة ستدرك سريعاً أن بقاءها لوحدها ينطوي على الكثير من الأخطار. ويواجه كوكبنا في هذه المرحلة العديد من المخاطر، مثل تغير المناخ، وانتشار السلاح النووي، وتفشي الأوبئة، والتي لا يمكن معالجتها إلا بصورة جماعية وعالمية، وأن الحاجة إلى علاقة قوية بين طرفي الأطلسي ستكون جلية تماماً. ولكن تجديد هذه العلاقة سيكون ممكناً إذا توحدت أوروبا بشأن القضايا الأساسية، اذ إن أوروبا المنقسمة داخلياً لا يمكنها أن تكون شريكاً مهماً لأحد.

وبالنسبة لأوروبا، فإن العلاقة عبر الأطلسي ستظل شيئاً طبيعياً. وقررت أوروبا التحالف مع الولايات المتحدة قبل 75 عاماً مضت، ويجب أن تظل كذلك دائماً. وليس من الممكن مساواة أوروبا بدول مثل الصين وروسيا التي تحمل أفكاراً مختلفة تماماً عن طريقة الحكم.

مشروع سياسي عالمي

وفي الحقيقة فإن الغرب، ليس مصطلحاً يغطي منطقة جغرافية، وانما هو مشروع سياسي عالمي يتمحور حول حكم القانون، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، واستقلال الصحافة، وقيم أخرى جوهرية تتعلق بالحرية. وعلى الرغم من ترامب، فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لايزالان هما النصير الرئيس لهذه الأفكار.

ويتمثل التحدي الذي تواجهه أوروبا في اثبات أنه من الممكن إيجاد التوازن يبن الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية. وكما أظهرت المرحلة الأولى من جائحة كورونا، فإن قول ذلك أسهل بكثير من فعله. ولكن منذ تلك الفترة اتخذت ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خطوة في الاتجاه الصحيح عندما اقترحا وضع صندوق من أجل تعافي أوروبا.

ويجب أن يعترف الأوروبيون أنه عندما يتكلمون عن إعادة التفكير بشأن الولايات المتحدة، فإنهم في الواقع يكشفون عن تغير في تصورهم الذاتي. وثمة «حاجة ماسة من أجل التحرك» ويجب أن يتحرك الأوروبيون بأنفسهم ومن أجل أنفسهم، فقد مضت تلك الأيام، حيث كنا نستريح في بيوتنا ونسمح لحاملات الطائرات الأميركية بحماية مصالحنا.

سغمار غابرييل وزير الخارجية الألماني السابق


منذ الاضطرابات الجيوسياسية التي عصفت بالعالم منذ تسعينات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة، وبخلاف معظم الدول الأوروبية، تمثل صورة عن العالم المتغير. ووصلت إلى نتيجة مفادها أنه يتعين عليها التفكير ملياً بشأن آسيا، خصوصاً الصين، الأمر الذي يعني أنه سيقل التركيز على أوروبا، والعالم المقابل لها في الأطلسي.

ترامب أول رئيس أميركي يطالب الدول الأوروبية علناً بالولاء والتعويض المالي معاً. وخلال ثلاث سنوات ونصف السنة تقريباً، كانت الرسالة التي تطلقها أميركا مفادها إذا لم تدفع أوروبا خصوصاً ألمانيا المال، فإنها لن تكون قادرة على الاعتماد على حماية أميركا.

يجب على أوروبا البدء في تحديد مصالحها بنفسها وتوضيح الوسائل التي ستقوم من خلالها بتطوير هذه المصالح (عسكرية، واقتصادية، وسياسية)، وعلى سبيل المثال، يجب على الألمان أن لا يجعلوا وجهات نظر الرئيس الأميركي تؤثر في نقاشهم الداخلي بشأن الإنفاق على الدفاع.

طباعة