عدوه هذه المرة فيروس «كورونا»

تلاعب ترامب بالإعلام لن يساعده على إنقاذ نفسه

صورة

أصبح الرئيس الأميركي دونالد ترامب وراء منافسه نائب الرئيس السابق جو بايدن، وفق استطلاعات الرأي، الأمر الذي يجعل من الصعب بالنسبة له بث الآمال للآخرين بأنه سيكون قريباً رئيساً للولايات المتحدة إثر انتخابات نوفمبر، ونظراً لمقاربته الكارثية لجائحة كورونا، فإن التراجع الكبير في شعبيته ليس بالأمر الغريب.

النهوض من القبر

ولكن ترامب أظهر دائماً أنه يمتلك قدرة كبيرة كي ينهض من جديد من قبره السياسي، وكتب الكاتب والسياسي الأيرلندي كونور كروز أوبريان ذات مرة عن القدرة المدهشة لترامب والمشابهة لرئيس وزراء أيرلندا تشارلي هوفي في النجاة من الفضائح والأزمات، وقال «لو أني شاهدت السيد هوفي يدفن في منتصف الليل في قبره فإني سأظل أترقب ظهوره دائماً».

ويكمن سر نجاة ترامب الدائم من الأزمات في مهارته ومراوغته في التعامل مع وسائل الإعلام وتوظيفها لمصلحته، وربما يبدو أنه غير مكترث لمشاعر الآخرين، بيد أنه خبير في تغيير موضوع الساعة لجعله يبدو من الأخبار القديمة بسرعة، ومن خلال تصرفاته وأقواله السيئة يسيطر على أجندة الأخبار، وبغض النظر عن مدى فشله فإنه لا يشعر بالملل أبداً.

وهذا المهارة الأخيرة ربما لا تبدو مهمة سياسياً، ولكن صناعة الأخبار تتعلق بكل شيء جديد، ومثير للاهتمام ومُسلٍّ، وربما تبدو خطابات ترامب وتغريداته غريبة أو غير عقلانية، لكنها جميعها عناوين موجهة للصحافة، وتمنحه دعاية ضخمة، غالباً من الصحف ومحطات التلفزة التي تبغضه، ويفهم الصحافيون أنهم يرقصون على ألحانه، ولكن ليس باليد حيلة في التعامل مع ذلك.

ويعزو النقاد قدرة ترامب الكبيرة على البقاء في مركز الحدث إلى عمله لمدة 14 عاماً في دور برنامج تلفزيون الواقع الذي يحمل عنوان «ممتهن الحرفة»، وكان القيام ببطولة برنامج ناجح سنة بعد أخرى يتم بسهولة، وبالطبع ليس هناك أي شيء «حقيقي» في تلفزيون الواقع، إذ إن الحلقة الواحدة لبرنامج «ممتهن الحرفة» التي تبث على الهواء ومدتها ساعة كانت عبارة عن نتاج عمل 300 ساعة من التصوير، الأمر الذي يجعلها تنتج منتجاً صناعياً في نهاية المطاف.

عبقري

وساعد اعتبار المنتجون ترامب عبقرياً في الأعمال على نجاحه السياسي رغم أن فنادقه ونواديه أعلنت عن إفلاسها ست مرات، وقبل بضع سنوات، تحدث الخبير في علم النفس ريتشارد ليفاك، مستشار برنامج «ممتهن الحرفة»، في مقابلة خاصة مع مجلة «نيو يوركر»، عن السبب الذي جعل شخصية ترامب ملائمة للبرنامج. وقال إن السمات التي جعلت ترامب ملائماً لهذا العمل هو «الطاقة، والاندفاع، وعدم القدرة على التعبير عن فكرة كاملة، لأنه دائماً ما تقاطعه العواطف، ولهذا عندما يتحدث فإن كل ما يقوله عبارة عن صفات مثل (عظيم، ضخم، مرعب)، لكن الأمر الذي جعل ترامب محبوباً إلى هذا الحد من قبل الجمهور وفق ما يقوله ليفاك، وهذا ينطبق حتى الآن، هو استعداده للتجاوز وخرق القواعد.

وفي الحقيقة فإن عفوية ترامب العشوائية، وعدم توقع سلوكه جعل ظهوره على التلفزيون مثيراً للاهتمام بصورة لا يمكن رفضها، ولكن ربما جاء عقاب ترامب الآن على شكل فيروس كورونا، إذ يعتقد الاميركيون أن حنكته وبراعته السياسية غير مقنعة لهم عندما يقول لهم إنه يتعين عليهم حقن أنفسهم بالمطهر لعلاج كورونا.

ولكن ليس كل شيء عن ترامب يميز أميركا، فبمعزل عن قدرته الفريدة على مناورة وسائل الإعلام، فإنه يتمتع بجميع صفات القادة الشعبويين، والمتشددين القوميين، والشموليين، الموجودين في شتى أنحاء العالم، وهو يتميز بالقدرة على الخوف من الأجانب، وشيطنة الأقليات في بلاده والأجانب من خارج بلده، ويتحدث عن حكم القانون والنظام عندما ينطبق الأمر على الآخرين، ويتجاهل كل ذلك عندما يتعلق الأمر بنفسه ومساعديه، ويتعامل مع الممثلين المنتخبين والخبراء والعلماء باحتقار، وفي ما يتعلق بكل شيء حوله هناك الرائحة ذاتها من الفساد والخطاب الطنان والاستعداد لاستخدام العنف.

مواجهة على كل الجبهات

وعلى الرغم من أن ترامب يواجه وضعاً خطراً، وثمة احتمال كبير أن يخسر السلطة، فإنه يحاول المواجهة على كل الجبهات، ففي الولايات المتحدة تبدو عنصريته صريحة، وتشهد على استعداده لنشر عناصر أمن فدراليين ضد المحتجين في مدن يديرها الديمقراطيون مثل بورتلاند، وأوريغون، وشيكاغو، من أجل تحفيز قيام اشتباكات من شأنها أن تقوي نوعية حكم النظام والقانون الذي يؤمن به، وأما خارج بلاده فإن الحرب الباردة الجديدة التي شنها ضد الصين تتصاعد يوماً بعد يوم. وتقليدياً يسبق الانتخابات الرئاسية الأميركية في الثالث من نوفمبر المقبل تحذيرات قوية تفيد بأن رجل البيت الأبيض يخطط للقيام بـ«مفاجأة أكتوبر» عن طريق إثارة أزمات تغير أسلوب اللعبة. وهذه النظريات المكيافيلية نادراً ما تحدث، ولكن في هذه المرة ربما تكون صادقة.

وحتى في حال وقوع أزمة مدبرة فإنه لن يكون لها تأثير حاسم في وجه واقع جائحة كورونا المرعب، حيث توفي 142 ألف أميركي وأصيب حتى الآن أربعة ملايين. وأصبح رد ترامب أن الوباء مجرد خدعة دبرها أعداءه للإساءة إليه، غير معقول بعد أن ارتدى ترامب نفسه الكمامة وألغى مؤتمر الحزب الجمهوري في فلوريدا من أجل ترشيحه لفترة انتخابية ثانية.

استراتيجية فاشلة

وكانت استراتيجية الديمقراطيين التي مفادها أن ترامب يمكن أن يدمر نفسه، فشلت منذ أربع سنوات خلت، لأنها شكلت فراغاً من المعلومات ملأه ترامب بكلمات التشهير والافتراء عن منافسته الديمقراطية السابقة هيلاري كلينتون، ولكن ذلك لم يعد مفيداً جداً لترامب كما كان في السنوات السابقة، لأن عدوه الآن هو فيروس كورونا، ولهذا فإن حملته أصبحت عرجاء نتيجة فشل إدارته في السيطرة على فيروس كورونا، أو إقناع الأميركيين بأن الحديث عن الفيروس ينطوي على مبالغة. وتبدو إحاطته الجديدة عن أن أميركا تنجح في دحر الفيروس، منافية للعقل بالنظر إلى وجود مخططات تظهر تزايد انتشار الوباء بصورة مهولة، وبات معدل الوفيات أكثر من 1000 يومياً.

وربما يغادر ترامب الإدارة لكنه لن يذهب بهدوء، وربما يغرقه الوباء ولكنه سيمنحه فرصاً غير مسبوقة لإثارة المتاعب والكراهية والانقسامات في يوم الانتخابات، ففي المناطق المدنية على سبيل المثال، حيث يمتلك الديمقراطيون غالبية قوية، يراقب مراكز الانتخاب عادة متطوعون متقاعدون وكبار في السن، وإذا أصابهم مكروه ولم يظهروا يوم الانتخابات فإن مراكز الانتخابات ستظل مغلقة لمصلحة ترامب الذي يحاول من الآن نزع الشرعية عن التصويت عبر البريد، وربما يكون هناك العديد من الناخبين يشعرون بالخوف من الفيروس ولن يغادروا بيوتهم من أجل التصويت.

 باتريك كوكبيرن كاتب وصحافي بريطاني


ليس كل شيء عن ترامب يميز أميركا، فبمعزل عن قدرته الفريدة على مناورة وسائل الإعلام، فإنه يتمتع بجميع صفات القادة الشعبويين، والمتشددين القوميين، والشموليين، الموجودين في شتى أنحاء العالم. وهو يتميز بالقدرة على الخوف من الأجانب، وشيطنة الأقليات في بلاده والأجانب من خارج بلده، ويتحدث عن حكم القانون والنظام عندما ينطبق الأمر على الآخرين، ويتجاهل كل ذلك عندما يتعلق الأمر بنفسه ومساعديه، ويتعامل مع الممثلين المنتخبين والخبراء والعلماء باحتقار.

يكمن سر نجاة ترامب الدائم من الأزمات في مهارته ومراوغته في التعامل مع وسائل الإعلام وتوظيفها لمصلحته، وربما يبدو أنه غير مكترث لمشاعر الآخرين، بيد أنه خبير في تغيير موضوع الساعة لجعله يبدو من الأخبار القديمة بسرعة، ومن خلال تصرفاته وأقواله السيئة يسيطر على أجندة الأخبار، وبغض النظر عن مدى فشله فإنه لا يشعر بالملل أبداً.

طباعة