انتشلها من الفقر وحولها إلى دولة عصرية

    قابوس أبوالنهضة العمانية سيظل إرثه ماثلاً للأجيال المقبلة

    صورة

    معظم التغطية الإخبارية للشرق الأوسط تشير إلى أن المنطقة تعيش دائرة مفرغة من العنف وانعدام الاستقرار، والحرب، والصراع الطائفي. وتطغى تقارير الحروب والأزمات على عناوين الصحف، في حين أن المناطق ذات الهدوء النسبي يتم تجاهلها إلى حد كبير. وأهم واحدة من هذه المناطق سلطنة عمان، التي توفي حاكمها السلطان قابوس بن سعيد في 10 يناير عن عمر يناهز 79 عاماً.

    ويعتبر السلطان قابوس الجيل الرابع عشر لعائلة آل سعيد الحاكمة في عمان، ووصل الى عرش السلطنة في 23 يوليو 1970. وفي الحال شرع السلطان، الذي كان في التاسعة والعشرين من العمر، والذي تخرّج لتوّه في أكاديمية ساند هيرست في بريطانيا، في المهمة التي كانت لا تغيب عن ذهنه، وهي وضع رؤية واضحة من أجل تطوير عمان وتقدمها. ولتحقيق هذا الهدف، استطاع أن يقرن الكارزما التي كان يتمتع بها مع فطنته السياسية، ووحّد الفرقاء في شتى أنحاء الدولة على قضية واحدة.

    دولة عصرية

    وخلال فترة حكمه الطويلة، والتي ناهزت على نصف قرن، حوّل قابوس عمان إلى دولة عصرية ومستقرة، وشاملة، تتسم بتعايش ديني بين الطوائف الموجودة فيها. وفي الحقيقة، فإن دستور الدولة يحظر التمييز على أساس ديني. وتم تصنيف عمان في المنتدى الاقتصادي الدولي 2019 خالية من الإرهاب.

    وتشكل عائدات النفط ما بين 70 و85% من تمويل الحكومة، ومع ذلك فإن خطة قابوس الاقتصادية للتطوير كانت طموحة جداً. وفي عام 1970 كانت عمان دولة منعزلة عن بقية العالم، وفقيرة، كما أنها خالية تقريباً من البنية التحتية ووسائل الراحة. وعندما جلس قابوس على العرش، كان متوسط العمر في عمان نحو 50 عاماً. وكان هناك نحو ستة أميال من الطرق المعبدة، وثلاث مدارس عامة «تضم نحو 1000 صبي»، في حين أن الرعاية الصحية كانت في أدنى حالاتها. ولكن في هذه الأيام، تنتشر الجسور والطرق الداخلية والخارجية، والسدود ومنشآت التحلية، والمرافق العامة، ومنشآت الرياضة العالمية، والمراكز الثقافية، والمئات من المرافق التعليمية والصحية العام منها والخاص، والتي تشهد على نجاح برنامجه التحديثي. وأصبح متوسط الأعمار في عمان الآن يتجاوز77 عاماً، كما أن نسبة المتعلمين في عمان تزيد على 96% من تعداد السكان.

    إطار مؤسساتي

    وفي إصراره على تحويل عمان إلى دولة عصرية، عمل السلطان قابوس على تشكيل إطار مؤسساتي قوي، حيث أنشأ دستوراً وطنياً، وبرلماناً من مجلسين، إضافة الى العديد من الوزارات التي تقود الدولة الحديثة بصورة فعالة. وساعدت هذه الجهود على زيادة شعبية قابوس في عمان، وساعد على توحيد السكان، وتحويلهم إلى مواطنين متلاحمين وطنياً، الأمر الذي يبدو في أعين العمانيين باعتباره أبوالنهضة العمانية، الذي دفع السلطنة إلى الأمام على الصعيد العالمي، حيث أصبحت عضواً في الأمم المتحدة، وعضواً في الجامعة العربية.

    وخلال «الربيع العربي» في عام 2011 نجت عمان، من الاضطرابات التي أصابت العديد من الدول العربية الأخرى في تلك الفترة. وحدثت تظاهرات في منطقتين، كان المتظاهرون خلالها يركزون على مكافحة الفساد وينادون بتحسين الرواتب، ومحاربة البطالة. وفي الرد على ذلك قام السلطان قابوس بإجراء تغيير كبير في حكومته، وزاد الأجور ووعد بإيجاد 50 ألف فرصة عمل في القطاع العام، ما أدى الى وقف التظاهرات.

    والأهم من كل ما سبق فإن سياسته الخارجية تعتبر أكثر مواريث قابوس ثباتاً، حيث استندت إلى المبادئ والواقعية، ومصادقة الجميع وعدم معاداة أحد. وكانت علاقة عمان مع الولايات المتحدة متينة، حيث بدأت العلاقات الودية بين الطرفين منذ رئاسة جورج واشنطن، وأصبحت عمان أول دولة عربية ترسل سفيرها الى الولايات المتحدة في عام 1840، وفي ظل حكم قابوس تعززت هذه العلاقة بين الدولتين. وقام قابوس بزيارة الولايات المتحدة في عام 1974 وفي عام 1983. وفي عام 2009 قامت عمان بتوقيع اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته حافظت عمان في ظل حكم قابوس على علاقات ودية مع إيران، وبذلك أصبحت قادرة على لعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة لإطلاق رهائن أميركيين من إيران، إضافة الى استضافة المفاوضات السرية التي أفضت الى الاتفاقية النووية عام 2015.

    وبدأت رحلة قابوس بن سعيد قبل نصف قرن من الزمن. وسيظل إرثه ماثلاً، خصوصاً أمام التحديات المرتقبة. ويواجه السلطان الجديد، هيثم بن طارق آل سعيد، تحديثات كبيرة تتعلق بطموحات الأجيال المقبلة.

    وبفضل السلطان قابوس، باتت عمان في وضع أفضل لمعالجة التحديات، فهذا الرجل كان محبوباً من غالبية العمانيين، فقد نقل دولتهم من الفقر والعزلة ليصنع منها لاعباً مهماً في المشهد الدولي، إضافة إلى كونها دولة عصرية، حيث تجلى ذلك في انتقال السلطة الى خلفه هيثم بن طارق، بسرعة ويسر دون أي مشكلات. ويتمتع السلطان الجديد، بدعم من الشعب العماني، بفرصة فريدة لمواصلة الدرب الذي شقه سلفه قابوس نحو السلام والازدهار والعصرنة.

    ليندا باباس فانش : خبيرة في الدراسات الشرق أوسطية


    - سياسة قابوس الخارجية أحد أكثر مواريث السلطان الراحل ثباتاً، إذ استندت إلى المبادئ والواقعية، ومصادقة الجميع وعدم معاداة أحد.

    - تم تصنيف عمان في المنتدى الاقتصادي الدولي 2019 خالية من الإرهاب.

    - خلال ما يعرف بالربيع العربي عام 2011 نجت عمان من الاضطرابات.

    طباعة