أيَّد بعضهم بيني غانتس

    الأحزاب العربية في إسرائيل تريد إزاحة نتنياهو بأي طريقة

    صورة

    في مدينتي، الطيرة، وهي تجمع سكاني عربي وسط إسرائيل، تحدث الناس عن الانتخابات، الأسبوع الماضي، بينما قرر العديد من السكان التصويت في اللحظة الأخيرة. خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة، شاهدت العائلات (العربية) رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يطلق تصريحات شرسة، بشأن تهديد «حكومة يسارية عربية». وأخبر أتباعه بأن العرب «يريدون القضاء علينا جميعاً»، وأنهم كانوا «يسرقون» الانتخابات من خلال تزوير كبير. وكانت محاولاته لوضع كاميرات مراقبة في مراكز الاقتراع العربية قد فشلت في المرور بـ«الكنيست».

    لم يتفاجأ سكان الطيرة بالتحريض العنصري الطويل، الذي يقوم به رئيس الوزراء، لكن بالنسبة للعديد من الناس، جلب التصعيد المفاجئ تجاوباً من قبل الناخبين العرب. إذا كانوا لا يستطيعون منعه من الفوز، فإنهم يعتقدون أنهم سيحاولون جعل وظيفته صعبة قدر الإمكان، على الأقل.

    لقد نجحوا حتى الآن. نحو 60% من المواطنين الفلسطينيين المؤهلين للتصويت في إسرائيل، والذين يشكلون خمس السكان، أدلوا بأصواتهم الأسبوع الماضي، وهي قفزة مقارنة بـ49% في انتخابات أبريل، الاقتراع الذي فشل في تشكيل ائتلاف حكومي. واستعادت «القائمة المشتركة»، وهي تحالف يضم أربعة أحزاب سياسية بقيادة عربية، مكانتها كثالث أكبر قائمة في الكنيست بـ13 مقعدًا، بفضل حملتها المكثفة لاستعادة الدعم الشعبي. كما حصلت الأحزاب اليهودية المعارضة على حصص صغيرة من الأصوات الفلسطينية.

    وكما هو متبع، رفضت الأحزاب العربية ترشيح رئيس وزراء إسرائيلي؛ وكانت آخر توصية لها هي إسحاق رابين في عام 1992، الذي وقع اتفاقات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات. لكن في خطوة تاريخية ومثيرة للجدل، الأسبوع الماضي، أرسل رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، توصية رسمية للرئيس روفين ريفلين، بتعيين زعيم حزب يمين الوسط «أزرق أبيض» بيني غانتس، لتشكيل الحكومة المقبلة، إلا أن ريفلين كلف نتنياهو.

    لقد تمت الإشادة بهذه التطورات المفاجئة كخطوات رئيسة نحو «دمج» المواطنين الفلسطينيين في السياسة، وإعادة الحياة لمعارضة حكم اليمين المتصاعد بشكل متزايد. لكن مثل هذه الادعاءات معيبة بشكل خطير. ومثلما حدث خلال العقد الماضي، تركز التصويت الفلسطيني بشكل شبه حصري على قضية واحدة: إطاحة نتنياهو. وكان هناك القليل من التركيز في إسرائيل أو في الخارج باهتمامات المجتمع الفلسطيني الأوسع المتعلقة بالسياسة، والتي تشمل وقف هدم المنازل والاستيلاء على الأراضي، والقضاء على العنف المسلح في المدن العربية، وإلغاء العشرات من القوانين التمييزية وإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية. ومع ذلك، على حد تعبير الكاتبة الفلسطينية والناشطة النسوية، سماح سالم، يعتقد يسار الوسط الإسرائيلي الآن أن من مسؤولية الفلسطينيين «إطاحة نتنياهو ليس كمواطنين من الدرجة الثانية، لكن كناخبين من الدرجة الأولى».

    هذه الرواية الضيقة، التي تلجأ إليها القائمة المشتركة، في الأغلب، تحول المواطنين الفلسطينيين إلى بيادق في منافسة بين النخب السياسية اليهودية، التي ترتبط خلافاتها بالأمور الشخصية أكثر من السياسة. الأمر لا يقتصر على أن يعكس برنامج «أزرق أبيض» رؤية خصمه «الليكود» في كل شيء تقريباً: لقد سخر غانتس، وشريكه يائير لابيد، مراراً من قادة القائمة المشتركة بوصفهم متطرفين لا يمثلون ناخبيهم، ورفض غانتس الشروط التي طرحها عودة من أجل ترشيحه. الشروط تتعلق بالاعتراف بالعشرات من القرى البدوية في النقب، وإلغاء قانون الدولة القومية اليهودية، الأمر الذي يعكس الاحتياجات الأساسية وحقوق المواطنين الفلسطينيين. كما تحولت الأحزاب الصهيونية في «يسار الوسط»، مثل الاتحاد الديمقراطي وحزب العمل، إلى اليمين في العديد من مواقفها تجاه حل الدولتين، الذي طالما كان ركيزة أجندة يسار الوسط الرئيسة، ولم يعد أولوية.

    بالنظر إلى هذا الانقسام، تفضل الأحزاب العربية عادة الابتعاد عن معارك الأغلبية اليهودية. لكن مع وجود الكتل المتنافسة في الوقت الحالي، مع تفتيت السياسة الوطنية الفلسطينية بشدة، ومع مطالبة المواطنين الفلسطينيين بنتائج من قياداتهم الداخلية، وجدت القائمة المشتركة نفسها بين المطرقة والسندان.

    إن إزاحة نتنياهو، وتعطيل سيطرة اليمين على السلطة، التي امتدت لعقد من الزمان، يمكن أن توفر العديد من الفوائد الاستراتيجية للمواطنين الفلسطينيين، وهو طرح يبدو أنه تم تأييده من قبل معظم شرائح المجتمع، الذين يشعرون بتفاقم ضرر سياسات الحكومة. لكن للقيام بذلك، يجب أن يدعموا غانتس، قائد الجيش السابق الذي تفاخر بقصف غزة وإعادتها «مرة أخرى إلى العصر الحجري»، وأعلن أنه سيجلس فقط مع شركاء التحالف من «اليهود والصهاينة»، متبعاً سياسة عنصرية للمنافس نفسه الذي يحاول إطاحته، نتنياهو. سيخسر الفلسطينيون كثيراً إذا انسحبت «القائمة المشتركة»، وسمحوا بعودة نتنياهو، وسيكونون بأسوأ حال إذا تدخلت لتمهد لغانتس طريقاً إلى السلطة.

    عن طريق اختيار الأخير، اتخذت القائمة مقامرة بدأت تستقطب الرأي الفلسطيني، بالفعل، وهي الخطوة التي يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا تم تشكيل حكومة وحدة. بغض النظر عما يحدث، يجب أن يتحول هاجس مصير نتنياهو إلى المشكلة الكبرى في قلب السياسة الإسرائيلية. وعلى الرغم من اختلاف الأيديولوجيات، يظل المواطنون الفلسطينيون متحدين حول إجماع سياسي أساسي: المساواة الكاملة والعدالة الاجتماعية للجميع، وإنهاء الاحتلال العسكري.

    هذه الثوابت التي تعتبر قيماً أساسية في أي جزء آخر من العالم، لاتزال تعتبرها معظم الأحزاب والناخبين اليهود الإسرائيليين غير مريحة، في أحسن الأحوال، وتهديداً وجودياً، في أسوأ الأحوال. وهذا يجعل القائمة المشتركة، على الرغم من عيوبها العديدة، هي الحزب التقدمي الحقيقي الوحيد في إسرائيل.

    لكن طالما أن «الديمقراطية» في إسرائيل مبنية على قبول مبدأ التفوق العنصري، وحرمان ملايين الأشخاص من حقوق التصويت، فلن يهم عدد المقاعد البرلمانية التي يمكن أن تحصدها القائمة، وسيبقى ناخبوها مواطنين من الدرجة الثانية.


    - «الديمقراطية» في إسرائيل مبنية على

    قبول مبدأ التفوق العنصري، وحرمان

    ملايين الأشخاص من حقوق التصويت.

    أمجد عراقي : كاتب في صحيفة «الغارديان» ومحلل سياسي

    طباعة