صدقية «السيد أمن» التي ينوي تحقيقها ربما لا تحقق له مبتغاه

مغامرات نتنياهو العسكرية لإعادة انتخابه ستكون مكلفة لإسرائيل

صورة

في الأول من سبتمبر الجاري، وجه «حزب الله» اللبناني ضربة قوية لقاعدة عسكرية إسرائيلية بالقرب من مستعمرة «أفيفيم» الحدودية. وجاء الهجوم اللبناني رداً على سلسلة من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت أربع دول عربية خلال يومين.

ويظهر الرد اللبناني، الذي رافقه ابتهاج كبير، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ربما نفدت جميع أوراقه. ولكن بالنسبة لنتنياهو يبدو أن الموضوع يستحق المغامرة، في الوقت الذي يبدو فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي يائساً في بحثه عن أي رأسمال سياسي جديد يمكن أن يحميه من منافسيه المتزايدين في الانتخابات العامة المقررة في 17 سبتمبر.

وثمة سؤال أساسي يمكن أن يطغى على تحليل قرار ضرب سورية ولبنان والعراق وغزة، مفاده ما إذا كانت الاستراتيجية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية أو الحسابات الشخصية المحدودة هي لنتنياهو نفسه. وأراهن على أن ذلك صحيحاً. فإسرائيل انتهكت سيادة جميع هذه الدول المذكورة، وقصفت بعضها مئات المرات سابقاً، ولكن ضرب هذه الدول في الوقت ذاته يعتبر سابقة غير معهودة. وبالنظر إلى أنه لا إسرائيل ولا حليفتها الولايات المتحدة قدمت أي منطق عسكري مقنع لهذه الضربات، فإن ذلك يعني أنها كانت تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية تماماً.

وثمة مؤشر واضح على أن الهجمات كان يقصد بها تحقيق فائدة لنتنياهو، ونتنياهو فقط، يتمثل في حقيقة أن رئيس الحكومة الإسرائيلي انتهك اتفاقاً إسرائيلياً قديماً، مفاده أنه يجب التزام الصمت إثر القيام بمثل هذه العمليات التي تتم في الدول الأخرى. ومن غير المألوف بالنسبة إلى كبار المسؤولين الإسرائيليين التبجح بشأن قدرات الدولة الاستخباراتية والعسكرية. وإسرائيل على سبيل المثال، قصفت سورية مئات المرات خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنها من النادر أن تعلن مسؤوليتها عن أي من هذه الهجمات. وإذا قارنا ذلك مع تبجحات نتنياهو إثر الضربات التي تمت خلال يومي 24 و25 أغسطس الماضي، نجد الفرق، فبعد دقائق فقط من الضربات كان نتنياهو يتحدث عن قدرات الجيش، معلناً بأن «إيران لن تكون حصينة أينما ذهبت»، وأما في ما يتعلق بالهجوم الإسرائيلي على بلدة عقربا في جنوب شرق سورية، فعمد إلى سرد تفاصيلها واصفاً طبيعة الهدف وهوية العدو أيضاً.

وقتل اثنان من أفراد مجموعة «حزب الله» في سورية، تمكن الجيش الإسرائيلي من تحديد هويتهما، حيث قام بتوزيع صورتيهما، وهما يسافران على الخطوط الجوية الإيرانية (مهان) «التي تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة الناقل الرئيس للأسلحة والمواد العسكرية إلى (حزب الله) والمجموعات الأخرى الحليفة لإيران في سورية ولبنان»، حسبما ذكرته صحيفة إسرائيلية.

ولكن لماذا تتصرف إسرائيل على هذا النحو الذي بالتأكيد سيساعد الدول المتعرضة على الضربات على كشف بعض مصادر المخابرات الإسرائيلية؟ كشفت مجلة إيكونيميست البريطانية أن «البعض في المؤسسات الأمنية والعسكرية منزعجون» من محاولات نتنياهو المستمرة في كيل المديح لنجاحات المخابرات الإسرائيلية، حيث يذكر تفاصيل مثيرة للدهشة، وتفسير كل ذلك يقع في جملة واحدة هي: انتخابات 17 سبتمبر.

خلال الأشهر القليلة الماضية تمكن نتنياهو من الحصول على لقب الرجل الذي يحكم إسرائيل لأطول فترة في تاريخها. لقد تمكن نتنياهو من الفوز بهذا اللقب، على الرغم من إرثه الملطخ بالكثير من قضايا الفساد، واستغلال السلطة، وكل هذه القضايا موجهة إلى الرجل نفسه، إضافة إلى زوجته والمقربين من مساعديه.

ولكن لايزال من غير الواضح ما إذا كان نتنياهو يستطيع البقاء في السلطة لأكثر من ذلك. وإثر انتخابات التاسع من أبريل، حاول نتنياهو تشكيل حكومة سياسيين يمينيين متطرفين، ولكنه فشل. وكانت هذه العقبة التي أدت إلى حل الكنيست في 29 مايو والدعوة إلى انتخابات جديدة. وعلى الرغم من أن السياسة الإسرائيلية تتسم بالهيجان، إلا أنه من النادر إجراء انتخابات عامة خلال فترة قصيرة من الزمن، والشيء الآخر أن الدعوة للانتخابات مرة جديدة كشفت عن تعثر قبضة نتنياهو في الإمساك بالسلطة.

والمسألة المهمة الأخرى، أنه للمرة الأولى منذ سنوات عدة، يواجه نتنياهو وحزبه الليكود منافسة حقيقية. وهؤلاء المنافسون هم بنجامين غانتس من حزب الأزرق والأبيض، وهو من الوسط، والذي يعمل على تخليص نتنياهو من معظم ناخبيه المحتملين بمن فيهم ناخبوه من أنصار المستوطنات غير الشرعية، وداعمو الحروب.

ومن الصعوبة بمكان اعتبار تصريحات غانتس خلال الأشهر الماضية، منسجمة مع الخطاب الأيديولوجي لسياسة الوسط. إذ إن الرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي داعم قوي للمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، كما أنه مؤيد متحمس للحرب على غزة. وفي شهر يونيو الماضي، اتهم غانتس نتنياهو بأنه «يقلل من قدرة الردع الإسرائيلية، في سياسته ضد غزة، والتي فسرتها طهران بأنها دليل ضعف».

وفي الحقيقة فإن كلمات مثل «ضعيف» أو «ضعف» نسبت مرات عدة إلى نتنياهو من قبل منافسين سياسيين، بمن فهم مسؤولون كبار ضمن معسكرة اليميني المتطرف. لقد أصبح هذا الرجل الذي بنى سمعته على أنه شخص صلب، وقام بأعمال عنف كثيرة تحت اسم حماية أمن إسرائيل، يكافح الآن من أجل حماية صورته.

وفي الحقيقة، فإن هذا التحليل لا يستبعد بأي حال من الأحوال الأهداف الإقليمية والدولية لحسابات نتنياهو، ومن بينها رغبته في خنق أي حوار سياسي بين طهران وواشنطن، وهي فكرة بدأت تتشكل في قمة الدول السبع الغنية في بياريتس الفرنسية. ولكن حتى ذلك غير كاف لتقديم فهم شامل لمحفزات نتنياهو، خصوصاً لأنه يركز بصورة شاملة على بقائه ونجاته، بدلاً من السيناريوهات المحلية والمستقبلية.

ولكن صدقية «السيد أمن» التي ينوي نتنياهو تحقيقها عن طريق قصف العديد من الأهداف في أربع دول ربما لا تحقق له مبتغاه. وتقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية بإشاعة جو من الرعب بين الإسرائيليين، خصوصاً الذين يعيشون في الأجزاء الشمالية وفي المستوطنات غير الشرعية في مرتفعات الجولان.

وهذه ليست هي الصورة القوية لنتنياهو التي كان يأمل نقلها عبر مراهناته العسكرية. ولم يعد أي من الآلاف الإسرائيليين الذين تم تدريبهم على التعايش مع ضربات الانتقام اللبنانية مطمئنين على قوة دولتهم.

ونتنياهو بالطبع ليس أول قائد إسرائيلي يستخدم الضربات العسكرية لتحقيق أهداف سياسية، إذ إن رئيس الحكومة السابق شيمون بيريز، فعل الأمر ذاته عام 1996، وفشل فشلاً ذريعاً، بعد أن قتل نحو 100 لبناني كانوا في مقر وحدة حفظ السلام، التابعة للأمم المتحدة في قرية قانا في جنوب لبنان.

وفي الواقع فإن نتائج مراهنات نتنياهو يمكن أن تكلفه غالياً، وليس مجرد خسارة الانتخابات. إذ إن اندلاع الحرب متعددة الجبهات يمكن أن تعجز إسرائيل عن كسبها، على الأقل ليس بعد الآن.

رمزي بارود صحافي ومؤلف أميركي


نتنياهو ليس أول قائد إسرائيلي يستخدم الضربات العسكرية لتحقيق أهداف سياسية، إذ إن شيمون بيريز فعل الأمر ذاته عام 1996، وفشل فشلاً ذريعاً، بعد أن قتل 100 لبناني في قرية قانا.

طباعة