الثقتان المحلية والدولية محدودتان

    سياسة «التصفير» لن تعالج «تشوهات» سوق الصرف في إيران

    صورة

    تتبنّى الحكومة الإيرانية خطة لاستبدال «الريال» بـ«التومان» مع حذف أربعة أصفار منه، وهي ثاني محاولة لطهران في هذا الاتجاه، بعد أن قدمت الحكومة خطة مماثلة لمجلس الشورى (البرلمان) في عام 2016، بيد أنه لم يتم تمريرها بعد رفضها من جانب الأخير حينئذٍ. ومن شأن تطبيق هذا الإجراء أن يساعد طهران، على نحو ما، في تعزيز الثقتين المحلية والدولية بالعملة، وتسهيل حسابات المعاملات المالية والتجارية للأفراد والشركات، بجانب خفض كُلفة طباعة الأوراق النقدية. ومع ذلك، يبدو أن أثر هذه الخطوة في سوق الصرف سيكون قصير الأجل، خصوصاً أنها تحتاج بدورها لإجراءات أوسع لعلاج تشوهاتها المتعددة والممتدة منذ فترة طويلة.


    خطة جديدة

    قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، في 31 يوليو 2019، إن الحكومة أقرت مشروع قانون لحذف أربعة أصفار من العملة، وهو الإجراء نفسه الذي سبق أن اتخذه العديد من دول العالم، من بينها تركيا، على خلفية التدهور الشديد الذي شهدته قيمة عملتها.

    ومن المقرر أن يساوي التومان الواحد نحو 10 آلاف ريال بحسب خطة البنك المركزي الإيراني التي عرضها على الحكومة والبرلمان الإيرانيين في يناير الماضي. بيد أن البدء في تطبيق هذه الخطة قد يستغرق وقتاً طويلاً، حيث يحتاج إلى موافقة البرلمان ومجلس صيانة الدستور، ليصبح قانوناً نافذاً بعد ذلك.

    ويمكن القول إن السبب الرئيس الذي أسهم في طرح هذه الخطة مجدداً يكمن في الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها إيران خلال الآونة الأخيرة، عقب تطبيق الولايات المتحدة الأميركية جولتين من العقوبات الاقتصادية عليها في أغسطس ونوفمبر الماضيين، تسببت في انخفاض صادرات النفط، وهي أهم مواردها من النقد الأجنبي، على نحو أدى إلى انكماش الاقتصاد بنسبة 3.9% في عام 2018، ومن المتوقع أن يزيد هذا الانكماش بشكل حاد إلى 6% خلال عام 2019 وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.

    وفي ظل هذه التطورات، تدهورت قيمة العملة المحلية خلال الفترة الأخيرة واتسعت الفجوة بين السوقين الرسمية وغير الرسمية لسعر الصرف بشكل كبير، حيث تبلغ قيمة الريال رسمياً نحو 42 ألف ريال مقابل الدولار، فيما تصل قيمته في السوق غير الرسمية إلى أكثر من 117 ألف ريال للدولار. ومع اتساع هذا الفارق، تضاعف معدل التضخم في البلاد ليبلغ نحو 48% في يوليو الماضي.

    دوافع عدة

    يمكن تفسير اتجاه إيران نحو استبدال عملتها وحذف أصفار عدة منها في ضوء اعتبارات أربعة رئيسة: يتمثل أولها، في محدودية فعالية السياسة النقدية الحالية في احتواء تدهور سعر الصرف، فمن بين إجراءات مختلفة، ضخ البنك المركزي خمسة مليارات دولار في سوق الصرف منذ مارس وحتى يوليو 2019، بيد أن ذلك لم يحل دون هبوط قيمة الريال أمام الدولار الأميركي في الفترة الأخيرة.

    ويتعلق ثانيها، بتعزيز الثقتين المحلية والدولية بالعملة، إذ إن حذف هذه الأصفار يمكن أن يدعم نسبياً من الثقة والصدقية المحلية في قيمة العملة، كما سيعزز من السمعة العالمية لها، حيث من المحتمل أن يكون له تأثير نفسي إيجابي في المتعاملين بالسوقين المحلية والدولية الذين سيرون قيمة عملة أكثر قوة نسبياً بدلاً من سعرها السابق الذي يتجاوز عشرات الآلاف.

    وينصرف ثالثها، إلى تسهيل الحسابات المالية والتجارية، حيث إن هذه الخطوة سوف تجعل عمليات المحاسبة والمراجعة للمعاملات المالية والتجارية تتم بشكل يسير، بدلاً من تسويتها بقيم معاملات كبيرة للغاية سواء بالنسبة للقطاعين الخاص والعام أو بالنسبة للجمهور. وفي هذا السياق، قال محافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي في يناير الماضي: «بعض الخبراء يقولون إن هذا لن يكون له أي تأثير في التضخم.. هذا مجرد تبسيط».

    ويتصل رابعها، بخفض كُلفة طباعة الأوراق النقدية، فعندما يتحسن نسبياً سعر صرف العملة المحلية المقرر إطلاقها في المستقبل، ستنخفض الحاجة نسبياً إلى طباعة مزيد من الأوراق النقدية أو فئات جديدة منها، وعلى حد قول رئيس البنك المركزي، في يناير الماضي، فإن كُلفة طباعة العملة الورقية فئة 5000 ريال تصل إلى 80% من قيمتها النقدية (أي نحو 4000 ريال).

    تأثير ضعيف

    من دون شك، يعتبر استبدال الريال بالعملة الجديدة عملية معقدة وقد تستغرق وقتاً طويلاً، إذ سيتطلب تمرير مشروع القانون من خلال البرلمان، ومجلس صيانة الدستور، بجانب سحب الأوراق النقدية القديمة وطباعة أوراق مالية جديدة، ما يقرب من عامين بحسب البنك المركزي، وهو ما يعني أن الأوضاع الحالية لسوق الصرف ستظل كما هي لفترة طويلة.

    وعلى الأرجح، فإن التأثير النفسي الإيجابي الأوَّلي لاستبدال العملة قصير الأجل، لن ينجح في احتواء معدل التضخم المرتفع في البلاد، ما لم تتجه السلطات إلى معالجة الأسباب الحقيقية لتدهور قيمة العملة المحلية، ومن أهمها انخفاض سيولة النقد الأجنبي بسبب العقوبات التي تهدف من خلالها الولايات المتحدة الأميركية إلى تصفير صادرات إيران من النفط الخام للأسواق الدولية.

    تشوهات

    وتعاني سوق الصرف في إيران تشوهات عدة منذ فترة طويلة، يتمثل أبرز مؤشراتها في نظام سعر الصرف ذاته الذي يتسم بالجمود والثنائية. إذ لا تسمح سلطات البنك المركزي بتحرك العملة وفقًا لآليات العرض والطلب، بمعنى أنها تتحكم في تحركات سعر الصرف، وهو ما يسمح بوجود سعر صرف رسمي ثابت نسبياً يحدد أسعار الواردات وبعض المعاملات الحكومية، وسعر صرف آخر يجري تداوله بفارق كبير في سوق مكاتب الصرافة المرخصة، وكذلك السوق السوداء غير المرخصة ويحدد، في أغلب الأحوال، باقي المعاملات بين الأفراد والشركات.

    وبناءً عليه، يمكن القول إن اتجاه الحكومة والبنك المركزي نحو تصفير قيمة العملة يبدو محدود الفعالية في مواجهة تدهور سعر الصرف، ما لم يُتخذ مزيد من الإجراءات التي يمكن أن تسهم في علاج التشوهات الحالية لسوق الصرف.


    كُلفة طباعة العملة الورقية فئة 5000 ريال تصل إلى 80% من قيمتها النقدية، أي نحو 4000 ريال.

    التأثير النفسي الإيجابي الأوَّلي لاستبدال العملة قصير الأجل، لن ينجح في احتواء معدل التضخم المرتفع في البلاد، ما لم تتجه السلطات إلى معالجة الأسباب الحقيقية لتدهور قيمة العملة المحلية، ومن أهمها انخفاض سيولة النقد الأجنبي بسبب العقوبات التي تهدف من خلالها الولايات المتحدة الأميركية إلى تصفير صادرات إيران من النفط الخام للأسواق الدولية.

    طباعة