يظهر تأثيرها الحقيقي على المدى البعيد

    خسارة أردوغان في إسطنبول يمكن أن تغيِّر السياسة التركية

    صورة

    من الواضح أن الانتصار الساحق لمرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، في منصب رئاسة بلدية إسطنبول التركية، خلال إعادة الانتخابات في هذه المدينة، يمكن أن يكون أثره بسيطاً على المدى القصير، لكنه سيغير كل شيء في السياسة التركية على المدى البعيد.

    وبعد الفوز بانتخابات مدينة إسطنبول في شهر مارس الماضي، بهامش بلغ 13 ألف صوت في منطقة انتخابية تعداد ناخبيها 10 ملايين، تم رفض هذا الفوز لإمام أوغلو على أساس وجود انتهاكات قانونية، حيث أمر المجلس الأعلى للانتخابات بإجراء انتخابات جديدة في 23 يونيو. لكن في هذه المرة كان هامش الزيادة التي حققها إمام أوغلو نحو 800 ألف صوت أي 60 ضعف الرقم في الجولة الانتخابية الأولى، وتلقى دعم 54% من مواطني أكبر مدينة تركية. وبالمقارنة حصل بينالي يلدرم، مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم، على 45% من الأصوات.

    ويبدو أن هامش الفوز الكبير الذي حققه إمام أوغلو في الانتخابات الثانية، يرجع إلى شعور الناخبين بالظلم الذي تعرض له هذا الرجل، نتيجة قرار المجلس الأعلى للانتخابات إعادة الانتخابات. ومن الواضح أن جزءاً من الأصوات انتقل من مرشح حزب العدالة والتنمية إلى مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض. وأشار استطلاع أجراه مركز البحث الاقتصادي في إسطنبول إلى أن الحافز وراء تغير مواقف بعض الناخبين، يرجع إلى الشعور بأن إلغاء فوز إمام أوغلو في المرة الأولى كان ظالماً.

    لكن إمام أوغلو كان قادراً على تطوير خطاب تصالحي ينال إعجاب الناخبين في إسطنبول. وكان إمام أوغلو قد قدم نفسه بديلاً جديداً لسكان إسطنبول، الذين شعروا بالضجر نتيجة سنوات عدة من الخطاب اللاذع والإقصائي (لهذا تجب دراسة حملة إمام أوغلو الانتخابية بتمعن، نتيجة مضامينها العالمية في مكافحة الشعبوية)، وكان إمام أوغلو فعالاً في توحيد المعارضة التركية المنقسمة على نفسها، التي تتضمن حزب الشعب الجمهوري، وحزب إيا الوطني العلماني، إضافة إلى الحزب الديمقراطي المؤيد للشعب الكردي.

    وفي الحقيقة، إن هامش الفوز الكبير الذي حققه مرشح المعارضة، يمنع الحزب الحاكم من طرح سيناريو تحدٍّ جديد على المعارضة. وبالطبع فإن إمام أوغلو سيصبح مرة أخرى رئيس البلدية الجديد لإسطنبول. ويشكل انتصاره في هذه المدينة تهديداً واضحاً على المدى البعيد لسيطرة حزب الرئيس رجب طيب أردوغان.

    ولابد من القول إن هذا الفوز سيكون بمثابة تشجيع كبير لأحزاب المعارضة الكبيرة. وأصبحت المعارضة الآن تسيطر على مدن تركية تقدم نحو 70% من إجمالي الناتج المحلي لتركيا. وستكون 90% من أكبر المناطق المدنية التركية تحت حكم محافظ له علاقة بالمعارضة، خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين تكون المنطقة الصناعية في بورصة هي الاستثناء الوحيد في ذلك. وستكون لدى المعارضة الفرصة لتفكيك وإعادة تركيب شبكات المحسوبية، التي ساعدت حزب العدالة والتنمية على ترسيخ نفسه بنجاح على رأس السياسة التركية.

    وبالطبع، إن المنافسين الجدد يمكن أن يفسروا هذه النتيجة باعتبارها نافذة للفرص. خصوصاً الحركة السياسية التي قالت الشائعات إنه تم إنشاؤها من قبل الوزير علي باباكان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والتي سيحفزها هذا المؤشر الواضح على تزايد تدهور شعبية الحزب الحاكم، وتغيير الكثيرين آراءهم به.

    والأمر الأكثر أهمية هو أن النتائج الأخيرة للانتخابات في إسطنبول، من المرجح أن تؤدي إلى إعادة التفكير من قبل قيادة حزب العدالة والتنمية، إذ لابد من أن الصدمة كانت مؤثرة جداً وموجعة. ومن المؤكد أنها الضربة الأشد سوءاً. وسيعتمد مستقبل السياسة التركية على كيفية تفسير أردوغان نفسه لهذه النتيجة التي وقعت في إسطنبول، والتي كان يعتبرها معقله الانتخابي، والدروس التي سيتعلمها مثل هذا السياسي المجرب نتيجة تدهور حظوظه السياسية نحو الأسوأ.

    ويبدو أن تحالف حزب العدالة والتنمية أصبح على المحك مع حزب الحركة القومي، حيث يقول بعض المراقبين إنهم خلصوا إلى استنتاج مفاده أن هذا التحالف أصبح يقيد حرية أردوغان على نحو كبير. وعلى سبيل المثال، فإن القومية المفرطة التي أصبحت تؤثر في سياسة تركيا الخارجية، يمكن أن تعزى لهذا التحالف السياسي بين العدالة والتنمية وحزب الحركة القومي، وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للأسلوب المتشدد في التعامل مع المسألة الكردية، سواء داخل تركيا أم في سورية. والأمر الأكثر أهمية أن القيادة السياسية ربما تجد نفسها مجبرة على طرح التساؤل المتعلق بمدى الفائدة الناتجة عن المركزية المفرطة، التي تنذر بها المرحلة الانتقالية نحو النظام الرئاسي، والتي بدأت العام الماضي. وبالنسبة لأغلبية الشعب التركي، لا يبدو نظام الرئاسة التركي أنه يعمل حسبما روج له أردوغان.

    ومن المسلم به أن مثل هذه الأسئلة تعتبر صعبة على أي زعيم سياسي. لهذا فإنها ستكون صعبة جداً على أردوغان أيضاً، على الرغم من تجاربه السياسية. لكن الأجوبة التي سيقدمها ستحدد المدى الذي سيصل إليه عمره السياسي في وقت ظهر فيه إمام أوغلو، بانتصاره المدوي في إسطنبول، باعتباره منافساً يمكن أن يحظى بالصدقية من أجل قيادة تركيا.


    - النتائج الأخيرة للانتخابات في إسطنبول من المرجح أن

    تؤدي إلى إعادة التفكير من قبل قيادة حزب العدالة

    والتنمية، لأن الصدمة كانت مؤثرة جداً وموجعة.

    سينان أولغين : خبير سياسي زائر لكارنيغي أوروبا

     

     

    طباعة