تتنافسان في كل مجال بدءاً من أشباه الموصلات وصولاً إلى استكشاف القمر

الحرب التجارية بين أميركا والصين تتســــــبب في تباطؤ النمو وتجلب الخسارة

صورة

تتنافس الولايات المتحدة والصين في كل مجال، بدءاً من أشباه الموصلات وحتى الغواصات، ومن الأفلام الشهيرة إلى استكشاف القمر. الدولتان العظميان اعتادتا البحث عن عالم يتنافسان فيه في الربح، ويبدو أن الفوز اليوم ينطوي على هزيمة الطرف الآخر، حيث إن انهيار الصين سيجعلها تخضع بشكل دائم للنظام الأميركي، أو أن الهزيمة الأميركية ستجعلها تتراجع من غرب المحيط الهادئ. إنه نوع جديد من الحرب الباردة لا يلوح فيها فائز على الإطلاق.

توترت علاقات هاتين القوتين العظميين، حيث تشكو أميركا من أن الصين تشق طريقها إلى القمة من خلال سرقة التقنية الأميركية، وأنها تتوغل في بحر الصين الجنوبي، وتتنمر بالديمقراطيات مثل كندا والسويد، وأصبحت مهدداً للسلام العالمي. وتجد الصين نفسها موزعة بين حلم استعادة مكانها الصحيح في آسيا والخوف من أن تسد عليها أميركا الغيورة طريق النهوض الذي تتطلع إليه، لأن أميركا لا تقبل أن تنهار أمام الصين.

كارثة تلوح في الأفق

ويلوح في الأفق احتمال وقوع كارثة، ويحدثنا التاريخ أن القيصر هو الذي جر ألمانيا إلى الحرب العالمية، وفي وقت لاحق تنافست كل من أميركا والاتحاد السوفييتي الى أن وصلتا لحافة الحرب النووية، ولو لم تتوقف الصين وأميركا عن الصراع، فإن العالم سيتحمل التكلفة، حيث سيتباطأ النمو وتظل المشكلات تتفاقم بسبب نقص التعاون، ويسعى الجانبان إلى الشعور بالأمان أكثر، لكن أيضاً يسعيان للتعايش معاً في عالم تندر فيه الثقة. ولا نعتقد أن تحقيق أيٍّ منهما النصر على الجانب الآخر سيكون سهلاً أو سريعاً.

وكما نجحت أميركا من قبل في وضع نهاية للاتحاد السوفييتي، تسعى أيضاً لحظر التقنية الصينية عن الاستفادة من التطورات التي تحدث في العالم، وليس فقط شركة «هواوي»، التي تزود مجموعة اتصالات الجيل الخامس، والتي تم حظرها هذا الأسبوع عن الاستفادة من التطورات التقنية الاميركية، ولكن مثل هذا الصراع مع الصين سيجلب لأميركا أيضاً الخراب الذي يسعى صانعو السياسة إلى تجنبه، ويمكن استخدام سلاسل التوريد العالمية لتجاوز الصين، لكن بتكلفة باهظة. ومن الناحية الاسمية، بلغت التجارة السوفييتية الأميركية في أواخر الثمانينات ملياري دولار في السنة، إلا أن التجارة بين أميركا والصين الآن هي مليارا دولار في اليوم. وفي التقنيات الحاسمة مثل صناعة الرقائق والجيل الخامس، من الصعب تحديد أين تنتهي التجارة ويبدأ الأمن القومي. وتعتمد اقتصادات حلفاء أميركا في آسيا وأوروبا على التجارة مع الصين، ولا يستطيع هؤلاء الحلفاء قطع صلاتهم التجارية مع الصين إلا إذا كان هناك تهديد واضح لا لبس فيه لهذه الدول.

إبراز القوة الصينية

سيكون من غير الحكمة أن تفعل أميركا ذلك. لا يوجد قانون للفيزياء يقول إن العلماء يمكنهم احتكار الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات، وإنه يمكنهم التصويت على حجبها، وحتى لو افترضنا أن الديكتاتوريات أكثر ضعفاً من الديمقراطيات، فقد أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ تأكيد سيطرة الحزب الشيوعي، وشرع في إبراز القوة الصينية في جميع أنحاء العالم.

ويعود السبب في هذه الحرب التجارية جزئياً إلى أن أحد المعتقدات القليلة جداً، والتي توحد بين الجمهوريين والديمقراطيين، يرى أنه يتعين على أميركا أن تعمل ضد الصين، لكن كيف؟ في البداية ينبغي أن تتوقف أميركا عن تقويض قوتها وتطويرها بدلاً من ذلك، وبالنظر إلى أن المهاجرين عامل حيوي في الابتكار، فإن العقبات التي تضعها إدارة ترامب أمام الهجرة القانونية لا تبرر ذلك، كما لا يبرر ذلك أيضاً اتجاه الإدارة لتجاهل أي علم لا يتناسب مع أجندتها في مسعاها لخفض تمويل العلوم، إلا أن الكونغرس لحسن الحظ استطاع أن يحول دون ذلك.

القوة في التحالفات

وتكمن قوة أميركا في تحالفاتها، وفي المؤسسات والمبادئ التي أنشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن فريق ترامب احتقر هذه المعايير بدلاً من دعم المؤسسات، وهاجم الاتحاد الأوروبي واليابان بسبب التجارة بدلاً من العمل معهما للضغط على الصين من أجل التغيير. وعلى الرغم من أن هدف القوة الأميركية الطاغية في آسيا هو بعث الاطمئنان في نفوس حلفائها، فإن ترامب يتجاهل مدى نفوذ القوة الناعمة في التحالفات أيضاً. وبدلاً من التشكيك في سيادة القانون في الداخل والمساومة على تسليم المسؤول التنفيذي لشركة هواوي من كندا، ينبغي أن يوجه ترامب انتباهه إلى حالة الاضطهاد التي تفرضها الصين ضد أقلية الإيغور في مقاطعة شينجيانغ الغربية.

تعزيز الدفاعات

بالإضافة إلى التركيز على قوتها، تحتاج أميركا إلى تعزيز دفاعاتها، وهذا ينطوي على قوة قاهرة لأن الصين تعمل على تسليح نفسها، ويمتد نفوذها لمجالات جديدة مثل الفضاء، والفضاء السيبراني، ولكن هذا يعني أيضاً تحقيق توازن بين حماية الملكية الفكرية والحفاظ على تدفق الأفكار والأشخاص ورأس المال والسلع، فعندما تسخر الجامعات ووادي السيليكون من قيود الأمن القومي، فإنه يجوز أن نصفها بالساذجة أو المخادعة في هذه الحالة، ولكن عندما يدعو الصقور بحماس شديد إلى إغلاق الباب أمام الرعايا الصينيين والاستثمارات الصينية، فإنهم أيضاً ساذجون لأنهم ينسون أن الابتكار الأميركي يعتمد على الشبكة والشراكة العالمية.

تتمتع أميركا وحلفاؤها بسلطات واسعة يستطيعون أن يقيموا من خلالها من يشتري وماذا يشتري، ومع ذلك فإن الغرب لا يعرف الكثير عن المستثمرين الصينيين والشركاء في المشاريع المشتركة وعلاقاتهم بالدولة. التفكير الأعمق بشأن الصناعات التي تعتبر حساسة يجب أيضاً ألا يقودنا إلى حظر بيع كل شيء.

التعامل مع الصين يعني أيضاً إيجاد طرق لخلق الثقة بين الطرفين، فالإجراءات التي تعتبرها أميركا دفاعية قد تبدو للعيون الصينية بمثابة عدوان مصمم لاحتواء الصين. إذا شعرت الصين بأنها يجب أن تقاتل، فقد يحتدم القتال البحري في بحر الصين الجنوبي، أو أن غزو تايوان قد يكون الهدف من صين قومية غاضبة متطرفة.

وبالتالي، يحتاج الأمر إلى أجندة تعزز العمل بين أميركا والصين، حيث تعاونت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بشأن تخفيض الأسلحة في الوقت الذي يهددان فيه بعضهما بعضاً بالدمار الشامل. ولا يتعين على الصين وأميركا أن تعتبرا أن من مصلحتهما العيش ضمن المعايير، فهناك الكثير من المشروعات التي يتوجب عليهما التعاون بشأنها، بما في ذلك كوريا الشمالية، والقواعد الخاصة بالفضاء والحرب الإلكترونية، وتغيير المناخ إذا تراجع ترامب عن موقفه.

مثل هذه الأجندة تتطلب حنكة ورؤية. الآن لا يوجد تعاون في هذا المجال، حيث إن ترامب يهزأ بالمصالح العالمية، وقاعدته سئمت من أن تتصرف أميركا كشرطي في العالم. الصين في الوقت نفسه لديها رئيس يريد أن يسخر الحلم الوطني ويجعله مبرراً لسيطرة الحزب الشيوعي الكاملة على البلاد. قد يكون قادة المستقبل أكثر انفتاحاً على التعاون المستنير، لكن ليس هناك ما يضمن ذلك.

بعد ثلاثة عقود من سقوط الاتحاد السوفييتي، انتهت حالة الأحادية القطبية، حيث تواجه أميركا الآن منافساً كبيراً في الصين، الذي يطمح بثقة في أن يصبح في المركز الأول. أصبحت العلاقات التجارية والأرباح التي كانت تعمل على توطيد العلاقة سبباً للقتال، وتحتاج الصين وأميركا بشدة إلى وضع قواعد للمساعدة في إدارة حقبة التطور السريع في المنافسة بين هاتين القوتين العظميين، فهما الآن ينظران الى مثل هذه القواعد كأشياء يجب كسرها.

• أميركا تشكو من أن الصين تشق طريقها إلى القمة من خلال سرقة التقنية الأميركية، وأنها تتوغل في بحر الصين الجنوبي. أما الصين فتجد نفسها موزعة بين حلم استعادة مكانها في آسيا والخوف من أن تسد عليها أميركا الغيورة طريق النهوض.

• من الناحية الاسمية بلغت التجارة السوفييتية الأميركية في أواخر الثمانينات ملياري دولار في السنة، إلا أن التجارة بين أميركا والصين الآن هي مليارا دولار في اليوم. وفي التقنيات الحاسمة مثل صناعة الرقائق والجيل الخامس، فمن الصعب تحديد أين تنتهي التجارة ويبدأ الأمن القومي.

طباعة