«سابستيك نيوز»: اليسار الأميركي يستغل العقوبات للتغطية على فشل هافانا
تحليل: «الاشتراكية» وليست عقوبات ترامب سبب الجوع في كوبا
مع تشديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للعقوبات على كوبا، استغل «اليسار» هذه العقوبات للتغطية على فشل كوبا، إذ يرى «اليسار» في هذا الوضع فرصة لإلقاء اللوم على عقوبات ترامب في تفسير فشل الاشتراكية.
يشعر «اليسار» باستياء شديد تجاه إدارة ترامب بسبب عقوباتها على كوبا، في وقت توجه فيه أفراد حركة «كود بينك»، وهي منظمة شعبية أميركية مناهضة للحروب، إلى هافانا، للتعبير عن تضامنهم مع الشعب الكوبي من خلال الإقامة في فنادق فخمة من فئة خمس نجوم، وهؤلاء ليسوا مجرد «ليبراليين يركبون الليموزين»، أو «ليبراليين ميسوري الحال»، بل اشتراكيون مترفون يتمتعون بأعلى درجات التعاطف المزعوم.
نهج الاشتراكية
لم يشهد التاريخ، منذ حقبة الصحافي العامل في صحيفة «نيويورك تايمز»، والتر دورانتي، في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، أشخاصاً غفلوا تماماً عن رؤية الإخفاقات الواضحة للاشتراكية كما يفعل هؤلاء، إذ كيف يمكن لعقوبات فرضتها إدارة ترامب، التي لم تمضِ في السلطة سوى أقل من عامين، أن تحدث تأثيراً حاداً كالذي يندد به اليسار الآن؟
الإجابة بسيطة: ليست عقوبات ترامب، التي استمرت لأقل من عامين، هي التي أدت إلى تردي أوضاع كوبا ووصولها إلى حالة الجوع، بل هو نهج «الاشتراكية» الذي استمر لعقود قبل تلك العقوبات.
اقتصاد كوبا
وخلال الفترة الممتدة من عام 2020 إلى عام 2024، ظل اقتصاد كوبا راكداً إلى حد كبير. واستناداً إلى بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في مدينة «سانت لويس»، فقد بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 7252 دولاراً في عام 2020، ووصل إلى 7381 دولاراً بحلول عام 2024.
وباستثناء عام 2020 وهو العام الأخير من الولاية الأولى للرئيس ترامب، فقد كانت بقية السنوات تقع ضمن فترة ولاية إدارة الرئيس السابق جو بايدن، التي أبقت إلى حد كبير على سياسات سلفها تجاه كوبا، ولم تبدأ في التحول عنها إلا في الأيام الأخيرة من ولايتها.
وخلال فترة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، التي خففت من حدة السياسة الأميركية تجاه كوبا، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 6561 دولاراً في عام 2009 إلى 8125 دولاراً فقط في عام 2018، ويظل هذا الرقم هو أعلى مستوى وصل إليه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كوبا.
انهيار الاتحاد السوفييتي
لكن الحدث الأكثر تأثيراً بالنسبة لكوبا كان انهيار اقتصاد الاتحاد السوفييتي، بدءاً من عام 1984. ومع مواجهة الاتحاد السوفييتي منافسة من إدارة ريغان، اتسم أداء الاقتصاد الكوبي بالركود أو التراجع.
وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 5207 دولارات في عام 1984، وبعد خمس سنوات، أي في عام 1989، انخفض هذا الرقم إلى 5160 دولاراً. ومع التفكك النهائي للاتحاد السوفييتي، شهد الاقتصاد الكوبي انهياراً حاداً، إذ واصل التراجع سنوياً حتى وصل إلى أدنى مستوى له عند 3271 دولاراً في عام 1993. ولم يستعد الاقتصاد مستواه المسجل عام 1989 إلا في عام 2005، حين بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5182 دولاراً.
لقد اعتمد الاقتصاد الكوبي في بقائه على الدعم المالي المقدم من الاتحاد السوفييتي وحلفائه الاشتراكيين الآخرين، وعندما انخفض هذا الدعم ثم انتهى تماماً، تأثر الاقتصاد الكوبي تبعاً لذلك.
كوبا والدومينيكان
وللمقارنة، يمكن النظر إلى جمهورية الدومينيكان. فبالاستناد مجدداً إلى بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي والبدء من عام 1970، وهو العام الذي تتوافر فيه أقدم بيانات للبنك عن كوبا، نجد أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الدومينيكان كان 1792 دولاراً فقط، بينما بلغ في كوبا 2620 دولاراً، أي بنسبة تصل إلى 46% مما كان عليه في الدومينيكان.
وبحلول عام 2024، وعلى الرغم من التقلبات التي شهدتها سياسات الدعم، وصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في كوبا إلى 7381 دولاراً. وفي المقابل، يظهر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في جمهورية الدومينيكان صعوداً مستمراً تقريباً، ليصل إلى 9287 دولاراً في عام 2024. والآن، يفوق نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الدومينيكان نظيره في كوبا بنسبة تزيد قليلاً على 25%، على الرغم من أنه كان يقل عنه بنسبة قاربت 50% في عام 1970.
دراما الفشل الأخلاقي
وتكرر السيناريو ذاته، الذي يمكن وصفه بـ«دراما الفشل الأخلاقي»، في فنزويلا. فعندما تولى رئيس فنزويلا، هوغو تشافيز، السلطة في البلاد عام 1999، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في فنزويلا، استناداً أيضاً إلى بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، لعام 2010 يبلغ 11 ألفاً و739 دولاراً، وبحلول وقت وفاة شافيز في مارس 2013، وصل هذا الرقم إلى 14 ألفاً و723 دولاراً.
وبعد أن كان المؤشر مستقراً نوعاً ما، رغم امتلاك البلاد أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم (نحو 303 مليارات برميل اعتباراً من عام 2023)، دخل الاقتصاد في حالة انهيار حر.
وعلى الرغم من أن البنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس لا يوفر بيانات نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالدولار الثابت لما بعد عام 2014، إلا أنه يوفرها بالدولار الأميركي، ففي عام 2013، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في فنزويلا بالدولار 8642 دولاراً، بينما بلغ 3495 دولاراً في عام 2025.
ولذلك، فإن تدمير الاقتصاد ليس أمراً مقتصراً على كوبا، فقد فعلت فنزويلا الشيء ذاته في فترة زمنية أقصر. وبناء عليه نرى أن تدمير الاقتصاد سمة متأصلة في «الاشتراكية». عن صحيفة «سابستيك نيوز»
كوبا قبل كاسترو.. الأكثر تقدماً في دول أميركا اللاتينية
بدأت حكومة الرئيس الكوبي السابق، فيدل كاسترو، بوضع اقتصادي متقدم للغاية. ويلخّص موقع شبكة «بي بي إس» الإلكتروني حال البلاد في الفترة التي سبقت عهد كاسترو «حيث اندلعت الثورة عام 1959» بالقول: «كانت كوبا واحدة من أكثر دول أميركا اللاتينية تقدماً ونجاحاً».
ويضيف الموقع: «احتلت كوبا المرتبة الخامسة في نصف الكرة الغربي من حيث دخل الفرد، والمرتبة الثالثة في متوسط العمر المتوقع، والثانية في معدل ملكية السيارات والهواتف لكل فرد، والأولى في عدد أجهزة التلفاز لكل نسمة. وسجلت معدل إلمام بالقراءة والكتابة بلغ 76%، وهو رابع أعلى معدل في أميركا اللاتينية. وجاءت كوبا في المرتبة الـ11 عالمياً من حيث عدد الأطباء بالنسبة لعدد السكان، وقدمت العديد من العيادات والمستشفيات الخاصة خدماتها للفقراء. وكان توزيع الدخل في كوبا جيداً ومناسباً مقارنة بالمجتمعات الأخرى في أميركا اللاتينية، حيث كانت الطبقة الوسطى المزدهرة تمثل وعداً بالرخاء والحراك الاجتماعي».
• التحليل يرى أن تدمير الاقتصاد سمة متأصلة في «الاشتراكية»، وليس أمراً مقتصراً على كوبا، فقد فعلت فنزويلا الشيء ذاته في فترة زمنية أقصر.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news