يسعى من خلاله إلى الحصول على ولاية ثانية

نهج ترامب «المتهور» بشأن التجارة والهجرة يعرّض أميركا لمخاطر اقتصادية

صورة

تحرّك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة، متحرراً من رقابة الكونغرس، ليفرض عقوبات تجارية ضخمة على الواردات الصينية، ويوجه ببناء جدار على طول الحدود المكسيكية، معتقداً أن حل القضايا التي تعترض الديمقراطيين والجمهوريين على مدى عقود، يمكن أن يساعد في إعادة انتخابه. وتمثل هذه التحركات المحفوفة بالخطر محاولة لتحقيق وعوده الانتخابية الأساسية، في مواجهة مجلس شيوخ ذي الأغلبية الديمقراطية والمعارضة الجمهورية الصامتة، حيث يسعى إلى تقديم نفسه رئيساً تنفيذياً على استعداد للعمل بمفرده، بغض النظر عن التداعيات العالمية التي تتمخض عن ذلك.

ويقول السيناتور، ليندسي غراهام، أحد كبار مستشاري ترامب في الكونغرس: «الرئيس مرتاح للغاية في هذا المنصب، وأكثر راحة من أي وقت مضى، ويشعر أنه يعمل بتناغم مع الإيقاع». عندما أعلن ترامب حالة الطوارئ الوطنية في فبراير على طول الحدود المكسيكية، أعاد صياغة صلاحيات الرئاسة ليمنح نفسه سلطة نقل أموال دافعي الضرائب لتلائم مطالبه. وعندما فرض التعرفة الجمركية بنسبة 25% على الواردات الصينية، التي بلغت قيمتها 200 مليار دولار، فإنه فعل ذلك ضد أحد أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، ما قد يدفع الصين إلى الانتقام بطرق قد تتسبب في اهتزاز للاقتصاد الأميركي.

استغلال

وفي كلتا الحالتين، استغل مشكلات مستعصية، بشأن التجارة والهجرة ، فشل كلا الطرفين منذ وقت طويل في حلها. وظل يزعم أنه وحده الذي يستطيع إصلاح الأمور ليفي بالوعد الذي قطعه خلال حملته الانتخابية لعام 2016 «أميركا أولاً»، وهو تعهد صدم الكثير من المشرّعين في ذلك الوقت بسبب نغمته الإمبريالية. كما صوّر ترامب نفسه على أنه رجل أعمال براغماتي يستطيع أن يبرم الصفقات في الداخل والخارج، لكنه تجنب هذا النهج مراراً وتكراراً هذا العام.

وتقول مؤرخة الرئاسة في جامعة فرجينيا، باربرا بيري: «إنه يمضي قدماً في ما يريد أن يفعله، وليذهب الدستور، وحراس المؤسسات، وقادة حزبه إلى الجحيم»، وتمضي قائلة: «لا أحد يقف أمامه، وهم يخشونه الآن».

لن يفاجأ العديد من مستشاريه باتخاذه خطوات متطرفة من أجل إعادة انتخابه، حيث ظل مركّزاً اهتمامه على المكسيك والصين منذ الأيام الأولى لحملته، وغالباً ما يستحضر العبارات النارية عندما يأتي الحديث عن كلا البلدين. وخلال انطلاق حملته الانتخابية عام 2015، قال إن المكسيك تجلب «المغتصبين» إلى الولايات المتحدة، وهي عبارة استخدمها بعد عام من ذلك في إشارة إلى بكين والتجارة. وقال «لا يمكننا الاستمرار في السماح للصين باغتصاب بلدنا، وهذا ما يفعلونه».

انفلات ترامب

يتمثل أحد العناصر الرئيسة بهذه المرحلة في انفلات ترامب غير المعهود، في الموافقة الضمنية التي يتلقاها من العديد من الجمهوريين الذين يحيطون به، سواء داخل البيت الأبيض أو في الكابيتول هيل. وخلال العامين الأولين من إدارته، تعرضت تصرفات ترامب لبعض القيود من بعض الأشخاص، بمن فيهم الذين حاولوا الحد من اندفاعه، والحيلولة دون اتخاذه قرارات سريعة قد تؤثر في أجزاء أخرى من جدول أعمال الحزب الجمهوري.

ووضع كل من مدير المجلس الاقتصادي الوطني آنذاك، غاري كوهن، وسكرتير شؤون الموظفين السابق في البيت الأبيض، روب بورتر، قيوداً أمام ترامب كي يتوقف عن إفساده الصفقات التجارية مع الدول الكبرى. وحث الجمهوريون في الكونغرس الرئيس على تأجيل القرارات الرئيسة بشأن بناء الجدار على الحدود. ووافق ترامب على مضض، في كثير من الأحيان، على اتباع نصائحهم، والتركيز بدلاً من ذلك على إصلاح الاقتصاد وبناء الزخم، ولكن تغير كل ذلك هذا العام.

ترامب محاط الآن بكبار المستشارين وقادة الحزب الجمهوري الذين يصفقون له ويشجعون غرائزه. وتتم إدارة العديد من الوكالات الرئيسة، بما فيها البنتاغون، ومكتب الإدارة والميزانية، ووزارة الأمن الداخلي وإدارة الأعمال التجارية الصغيرة، بالإنابة من قبل أشخاص لم يخولهم مجلس الشيوخ بعد لشغل هذه الوظائف.

قرارات تصرف ترامب بمفرده دون موافقة الكونغرس، من خلال اتخاذه إجراءات صارمة ضد الصين، واستخدام أموال البنتاغون في الجدار الحدودي، جاءت أيضاً خلال الأشهر الستة الأولى من فترة ولاية رئيس الأركان بالإنابة، ميك مولفاني. حيث ازال مولفاني العقبات عن طريق ترامب، وقال هو ومستشاروه إنهم يكافحون من أجل «السماح لترامب بالتصرف بحرية»، ومنح كل ذلك الحرية لترامب لاستخدام سلاحه الاقتصادي المفضل: فرض التعريفات الجمركية.

العقوبات التي يفرضها نوع من الضريبة المفروضة على الواردات الأميركية، وتدفعها الشركات الأميركية التي تجلب المنتجات إلى البلاد. ويصف ترامب بشكل غير دقيق التعريفات الجمركية وصفاً مختلفاً كثيراً، قائلاً إنها عقوبة يدفعها الصينيون مباشرة بطريقة تضخ مليارات الدولارات في خزانة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الصينيين لا يدفعون هذه الرسوم الجمركية بشكل مباشر، فإن هذه العقوبات تزيد تكاليف منتجاتهم وتجعلها أقل جاذبية للمستهلكين الأميركيين. وعارض مدير المجلس الاقتصادي الوطني الموالي لترامب، لاري كودلو، الرئيس قبل أيام، معترفاً بأن المستهلكين الأميركيين ينتهي بهم الأمر إلى دفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية. وقال كودلو «سيعاني كلا الجانبين من هذا». لقد حاول الجمهوريون لسنوات خفض الرسوم الجمركية من أجل خفض التكاليف بالنسبة للمستهلكين والشركات في الولايات المتحدة، واستمر البعض في تحذير ترامب من أن خطواته قد تأتي بنتائج عكسية. لكنه ظل يرفض بشكل متزايد ويقلل من شأن هذه المخاوف بحجة أن مؤيديه يعتقدون أنه يقاتل من أجلهم ولن يعاقبوه، وفقاً لمسؤولي الإدارة الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم، لأنه لم يسمح لهم بمناقشة القضية علناً.

عندما تراجعت البورصة قبل الموعد النهائي، يوم الجمعة الماضي، قال مساعدو البيت الأبيض إن ترامب اشتكى لكنه لم يرَ حاجة في عكس مساره. وقال مساعدون إن تحركات ترامب هذا العام في هذا الخصوص، رغم كونها صارخة، هي استمرار للنهج الذي اتبعه منذ توليه منصبه. في عام 2017، انسحب أيضًا من اتفاقية المناخ مع قادة العالم الآخرين، وانسحب من صفقة نووية مع إيران، وتراجع عن اتفاقية تجارية أوسع نطاقاً تُعرف باسم الشراكة عبر المحيط الهادئ. في عام 2018، أعلن ترامب أنه سينقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وهو ما فعله في ما بعد، وهذا الأمر رفضته إدارات الرؤساء السابقين، مثل بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما. وتعرضت اندفاعاته الأخيرة من الإجراءات التنفيذية لبعض القيود، فقد حاول ترامب الضغط على الجمهوريين في مجلس الشيوخ لتأكيد ترشيح اثنين من الموالين السياسيين له، هما: هيرمان كاين وستيفن مور، لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لكن طلبه قوبل بالرفض، واضطر لسحب كلا الرجلين من قائمة الترشيحات. وبالمثل حاول ترامب الضغط على القادة الأجانب من الدول المنتجة للنفط لتخفيض أسعاره، لكن الأسعار ارتفعت في الأشهر الأخيرة ورفعت التكاليف على المستهلكين الأميركيين. وفي ديسمبر الماضي، أمر ترامب بسحب نحو 2000 جندي أميركي من سورية، ثم عكس المسار وقرر ترك 400 جندي في البلاد لمواجهة المخاوف العسكرية ولتفادي انتقاد الكونغرس.

إعاقة

لكنّ هناك القليل من القضايا التي أعاقت واشنطن في العقود الأخيرة، بقدر ما عطلت التجارة والهجرة، ويمكن لأفعاله هذا العام أن تعيد تركيز الانتباه على ما إذا كان قادراً على الوفاء بوعود الحملات الانتخابية في تلك المناطق. وعد ترامب بـ«أميركا أولاً» خلال الحملة الانتخابية، ولايزال يتردد صداه في عقول العديد من الناخبين من ذوي الياقات الزرقاء، في ولايات مثل ولاية بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، يمكن أن يشكّل أهمية حاسمة في فرص إعادة انتخاب ترامب العام المقبل. ويقول الكثير منهم إنهم على استعداد لدعم مرشح يحقق وعوده بطريقة مختلفة بالشكل الذي يقلب واشنطن رأسا على عقب، حتى لو كان ما يفعله يتجاوز سلطة الكونغرس. وقال روي بيلي، الذي ساعد ترامب خلال حملة عام 2016 وهو الآن رئيس مجلس إدارة مالية: «إنه يضع جانباً المخاطر السياسية ليفعل ما يعتقد أنه الأفضل للبلاد، وأنني لا أعتقد أن هذه خطوة سياسية أكثر شعبية». لكن النقاد يعتقدون إن تصرفات ترامب الأخيرة هي مجرد امتداد لمهنته السياسية والتجارية غير المقيدة، والتي يستخدم من خلالها تدابير قصيرة الأجل لمعالجة قضايا معقدة تستحق معاملة أكثر صرامة.

• أحد العناصر الرئيسة في هذه المرحلة من انفلات ترامب غير المعهود، يتمثل في الموافقة الضمنية التي يتلقاها من العديد من الجمهوريين الذين يحيطون به، داخل البيت الأبيض أو الكونغرس.

• النقاد يعتقدون أن تصرفات ترامب الأخيرة مجرد امتداد لمهنته السياسية والتجارية غير المقيدة، التي يستخدم من خلالها تدابير قصيرة الأجل لمعالجة قضايا معقدة تستحق معاملة أكثر صرامة.

• عندما أعلن ترامب حالة الطوارئ الوطنية، في فبراير، على طول الحدود المكسيكية، أعاد صياغة صلاحيات الرئاسة، ليمنح نفسه سلطة نقل أموال دافعي الضرائب لتلائم مطالبه، وعندما فرض التعرفة الجمركية بنسبة 25% على الواردات الصينية التي بلغت قيمتها 200 مليار دولار، فإنه فعل ذلك ضد أحد أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، ما قد يدفع الصين إلى الانتقام بطرق قد تتسبب في اهتزازٍ للاقتصاد الأميركي.

طباعة