ترتكز استراتيجيته على استنزاف موارد الخصم

القضاء على «داعش» ليس بالسلاح وحده.. بل بهزيمة أيديولوجيته

صورة

قد يكون تنظيم «داعش» تعرّض للإنهاك، لكنّه قطعاً لم يتعرض لهزيمة نهائية، ففي شريط فيديو نادر للغاية انتشر قبل أسبوع، ظهر زعيم «داعش»، أبوبكر البغدادي، ليجدّد دعوته «للجهاد» ضدّ من سمّاهم بـ«الأعداء»، وذلك من خلال «معركة استنزاف». حديث البغدادي هذا يعكس استراتيجية كلاسيكية تتبعها الجماعات المسلحة، وتتمثل في شن عمليات استنزاف ضد خصم يتمتع بموارد أفضل، وذلك باستخدام مزيج من القوات النظامية وغير النظامية لإنهاك الخصم.

إنهاك الخصم

ومع مرور الوقت، حسبما تفترض النظرية، يصبح الخصم منهكاً ومحبطاً ويفقد إرادته القتالية. وتعتمد هذه النظرية على مبدأ «الانتصار من دون خسارة»، ويطلق عليها البعض بـ«حرب البراغيث». واستخدم الرئيس الأميركي السابق، جورج واشنطن، هذه الاستراتيجية بدرجات متفاوتة، وأدرجها الزعيم الصيني الراحل، ماو تسي تونغ، ضمن استراتيجياته؛ كما استخدمها الاستراتيجي الفيتنامي، الجنرال فو نجوين جياب، في الحرب ضد القوات الأميركية في فيتنام. واليوم تستخدمها «طالبان» ضد قوات التحالف في أفغانستان.

لكن من المرجّح أن تفشل استراتيجية تنظيمي «داعش» و«القاعدة» في هذا الصدد، ونطرح السؤال المفترض: لماذا؟ لأن الولايات المتحدة أبدت استعدادها لإنفاق موارد لا حصر لها في الأساس، لمحاربة هذه الجماعات الإرهابية.

وأشار مركز «ستيمثون»، في عام 2018، إلى أن الولايات المتحدة أنفقت 16٪ من ميزانيتها التقديرية على جهود مكافحة الإرهاب والحروب الأخرى على نطاق واسع (نحو 2.8 تريليون دولار) بين العامين الماليين 2002 و2017، ما يعزز تصميمها على خوض هذه المعارك في المستقبل المنظور.

وستكون هذه المعركة طويلة الأمد، حيث أظهر «القاعدة» والجماعات التابعة له، مثل تنظيم «داعش»، الذي هو الخليفة المباشر لتنظيم «القاعدة» في العراق، قدرة مذهلة على الانتعاش بعد الضربات المدمرة. وفي نهاية المطاف، قد يعتقد البعض أن «النجاح» على هذه الجماعات هو أن نجعلها غير متوازنة، وغير قادرة على تنفيذ هجماتها الشنيعة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. ويبدو أن هذا التعريف للنجاح غير مُرضٍ، لأن هزيمة أي أيديولوجية يتطلب أكثر من الرصاص والقنابل.

الإفلاس

تمثلت الاستراتيجية طويلة الأمد لـ«القاعدة» وتابعاتها في المحاولة لدفع الولايات المتحدة الى حافة الإفلاس. في عام 2004، أصدر زعيم «القاعدة» السابق، أسامة بن لادن، بياناً جاء فيه: «سنواصل هذه السياسة التي تفضي الى نزيف أميركا إلى حد الإفلاس». وفي إشارة إلى الحرب السوفيتية في أفغانستان، قال: «نحن وقفنا إلى جانب المجاهدين، جعلنا روسيا تنزف لمدة 10 سنوات، حتى أفلست واضطرت للانسحاب في هزيمة نكراء».

ودعا تنظيم «القاعدة» المتمركز في اليمن إلى «عملية استنزاف»، في أعقاب الجهود الفاشلة التي بذلها في عام 2010 لتدمير طائرة شحن. وذكر التنظيم في نشرته «إنسباير» باللغة الإنجليزية أنه استطاع ان يكبد الولايات المتحدة وحلفاءها عشرات الملايين من خلال جهودهم لإحباط هذه المحاولة، بينما كانت الكلفة التي تحملها التنظيم ضئيلة للغاية: «هاتفا نوكيا، بكلفة 150 دولاراً لكل منهما، وطابعتان طراز (اتش بي)، بقيمة 300 دولار لكل منهما، بالإضافة إلى الشحن والنقل، وغيرها من المصروفات المتنوعة، إضافة إلى فاتورة إجمالية قدرها 4200 دولار».

ويقول أحد كبار أيديولوجي تنظيم «القاعدة»، وهو أبومصعب السوري، «إن الهجمات الصغيرة المستمرة ستؤدي إلى نجاح جهادي». ويشن تنظيم «داعش» في ليبيا حالياً حرب استنزاف ضد خصومه في هذا الصراع متعدد الجوانب. ويخوض فرع شمال إفريقيا وحلفاؤه صراعاً مشابهاً في مالي. إن مهاجمة أهداف مدنية ستخلق حالة من عدم الاستقرار في المناطق السكنية، وتجهد صانعي السياسات، وتتسبب في مواصلة جهود القتال ضد هذه الهجمات.

وليس ببعيدة عنا مشاهد القتل الجماعي في باريس؛ إسطنبول؛ برلين؛ برشلونة (إسبانيا)؛ مدينة نيويورك؛ كولومبو (سريلانكا)؛ وفي أماكن أخرى، وما يصاحب ذلك من تغطية إعلامية مشبعة، جميعها لها تأثير واضح على الرأي العام العالمي، وسيواصل صناع السياسة اتخاذ موقف صارم بشأن هذا الإرهاب. إن كل عملية إرهابية فظيعة ناجحة تذكّر العالم بأن هذه الجماعات موجودة، وأنها غير مستعدة بشكل أساسي لتقديم تنازلات، وبالتالي يجب تدميرها.

ويتفق السياسيون الأميركيون، عبر أطيافهم السياسية المختلفة، على أن القضاء على هذه الجماعات يظل أمراً مهماً للأمن القومي الأميركي. ويتفاخر الرئيس دونالد ترامب، بشكل روتيني، بهزيمة «(داعش) بنسبة 100%»، على الرغم من أن الأدلة تشير إلى عكس ذلك. ووصف المرشح الرئاسي، بيرني ساندرز، في عام 2016 تنظيم «داعش» بأنه «منظمة بربرية.. يجب تدميرها». وقالت السيناتورة، إليزابيث وارن، في عام 2014، إن «الأولوية القصوى» لأميركا هو تدمير «داعش». والتقط نائب الرئيس السابق، جو بايدن، رأس الخيط، معلناً «إننا سنتابعهم حتى يدخلوا أبواب الجحيم!» ويظل تصميم أميركا العلني قوياً في هذا الصدد. وينظر الأميركيون إلى أن قتال هذه الجماعات الإرهابية يظل أمراً حاسماً - ما يزيد على 70٪ من الأميركيين يعتقدون أن مكافحة الإرهاب هي أولوية قصوى - وفقاً لآخر 17 استطلاعاً نظمتها مؤسسة استطلاع الرأي «بيو»، حيث يمتد تاريخ هذه الاستطلاعات اعتباراً من عام 2002.

مقارعة

هذه الجماعات الإرهابية في الحقيقة نوع محدد ترغب أميركا والأميركيون في مقارعتها إلى ما لا نهاية، فهي نفسها التي هاجمتنا هنا، داخل بلدنا. تنظيم «القاعدة» وفروعه «يلهم» الناس على القتل هنا، علينا أن نعود بالذاكرة للوراء بشأن هجوم سان برناردينو 2015، ومذبحة نادي بلس في 2016، وحادث الدهس بالشاحنات في مدينة نيويورك 2017، وهذه جميعها أمثلة ظاهرة للعيان.

لا تعتقد الولايات المتحدة بأن هناك منظمات إرهابية أجنبية أخرى على قدم المساواة مع «داعش» أو «القاعدة» أو توابعهما تناصبها العداء. فهل حدث أن ضربت أميركا حركة «حماس»، أو الجيش الجمهوري الأيرلندي، أو «كاهان تشاي»، أو منظمة «إيتا» أو أي مجموعات أخرى على القوائم الأجنبية للإرهاب من أجل الانتقام؟ لا، لأن تلك الجماعات لم تهاجم الولايات المتحدة في عقر دارها.

إذا افترضنا أن «القاعدة» لم تتبع استراتيجية مهاجمة الولايات المتحدة، أو أنها ركزت فقط على ضرب الدول الأضعف التي تفتقر إلى القدرة الهائلة لشن ضربة مضادة. أو ماذا لو اقتصرت هجمات «القاعدة» على السفارات والأهداف العسكرية الأميركية؟ ولو افترضنا أن «القاعدة» لم تشن هجمات 11 سبتمبر 2001، هل كانت الولايات المتحدة ستشن حملة عسكرية لاقتلاع المجموعة ومضيفتها جماعة «طالبان»؟ بالطبع لا. من المحتمل أن يظل بن لادن وحلفاؤه يعيشون علناً ولا يتعرضون للتحرش في أفغانستان اليوم. لكن هذه ليست الاستراتيجية التي يتبعها تنظيم «القاعدة».

شريط فيديو البغدادي، الذي انتشر على نطاق واسع، يعكس أن «داعش» يحتفظ بدرجة ما من قدرته على الدعاية، وقدرته على تنظيم أعمال عنف هائلة، كما يكشف عن مخططه العام للمستقبل. كما أنه يوضح أنه على الرغم من الضغوط الشديدة التي استمرت لسنوات على هذا التنظيم، فإن الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها لم تتمكن حتى الآن من القضاء على زعيمه أو أسره. وتُظهر هجمات الشهر الماضي في سريلانكا وجمهورية الكونغو الديمقراطية أن المجموعة تحتفظ بالقدرة على الضرب بعيداً عن ملاذاتها في الشرق الأوسط.

في هذه الأثناء، أرسلت الولايات المتحدة طائرتين مقاتلتين طراز «إف-35 إيه» الأكثر تقدماً للقتال للمرة الأولى ضد تنظيم «داعش» وقصف أنظمة أنفاق يستخدمها في العراق. إن نشر هذا النوع من الأسلحة باهظة الثمن لتدمير شبكة ترابية متواضعة هو بالضبط نوع من سوء تنظيم الموارد المالية، وهو ما يهدف إليه «داعش»، وتنظيم «القاعدة»، لإفلاس الولايات المتحدة، وهذا هو أيضاً المكان الذي تزدهر فيه حرب البراغيث الإرهابية. الولايات المتحدة مستعدة لإنفاق أي موارد ضرورية لتدمير هذه المجموعات. وإذا لم يتم إنفاق مثل هذه الموارد فإن هذه المنظمات ستهدر دماءً بريئة في شوارعنا، هو أمر لن يتسامح معه الجمهور الأميركي، ولن يتجاهله السياسيون الأميركيون. النجاح النهائي لوقف حرب الاستنزاف هذه هو أن نرى هؤلاء الأعداء محطمين، قيادتهم إما في السجن أو في باطن الأرض.

 محلل سابق لدى وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه)


شريط فيديو البغدادي، الذي انتشر على نطاق واسع، يعكس أن «داعش» يحتفظ بدرجة ما من قدرته على الدعاية، وقدرته على تنظيم أعمال عنف هائلة، كما يكشف عن مخططه العام للمستقبل. كما أنه يوضح أنه على الرغم من الضغوط الشديدة التي استمرت لسنوات على هذا التنظيم، فإن الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها لم تتمكن حتى الآن من القضاء على زعيمه أو أسره.

طباعة