%80 من البنية التحتية الحيوية خارج السيطرة الفيدرالية المباشرة

هجمات المسيّرات تدفع أميركا لإعادة النظر في صلاحيات الدفاع الجوي

الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات السيبرانية باتت قادرة على الوصول إلى أي مكان. من المصدر

كشفت موسكو أخيراً عن تحول جوهري في استراتيجيتها الدفاعية، إذ باتت المؤسسات التجارية الروسية مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن حماية منشآتها في مواجهة تزايد هجمات الطائرات المسيّرة. وبينما قد يرى البعض في ذلك مؤشراً إلى الصعوبات التي تواجهها موسكو في حربها مع أوكرانيا، ينبغي للقادة الغربيين التعامل معه بوصفه تحذيراً واضحاً من أن طبيعة الحرب تغيرت جذرياً.

ولم تعد ساحات المعارك، المادية والرقمية، مقتصرة على الخطوط الأمامية، إذ باتت الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات السيبرانية قادرة على الوصول إلى أي مكان.

ولم تعد المسافة الجغرافية ضمانة للأمان، فأصبحت المجتمعات المحلية وسلاسل التوريد وشبكات الطاقة المملوكة للقطاع الخاص أهدافاً محتملة، بصرف النظر عن بعدها عن مناطق الصراع.

وقد أدرك أحد القادة العسكريين، الذي تولى قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية والقيادة الشمالية للولايات المتحدة، أن حماية الوطن لم تعد تعتمد على المحيطين الأطلسي والهادئ وحدهما.

فبإمكان الخصوم المحتملين، بمن فيهم الجهات الفاعلة من غير الدول، استخدام الطائرات المسيّرة أو القدرات السيبرانية أو الصواريخ لاستهداف شرايين الاقتصاد الوطني مباشرة. وأصبحت المنشآت الصناعية وإمدادات المياه وشبكات النقل والكهرباء والمفاعلات النووية وشبكات الاتصالات والبيانات عرضة للتهديد.

واتخذ الكونغرس بالفعل خطوة مهمة لمعالجة هذه المشكلة، من خلال إقرار «قانون الأجواء الأكثر أماناً»، الذي يوسع الصلاحيات اللازمة للتعامل مع هذه التهديدات لدى أجهزة الشرطة وإنفاذ القانون على مستوى الولايات والبلديات، لكن القانون الجديد لا يعالج سوى جزء محدود من المشكلة، إذ لا يشمل القطاع الخاص، الذي يسيطر على معظم الأصول المعرضة للاستهداف، بما فيها القاعدة الصناعية الدفاعية الحيوية في الولايات المتحدة والبنية التحتية المدنية الاستراتيجية.

وتقع نحو 80% أو أكثر من البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة خارج نطاق السيطرة الفيدرالية المباشرة، وتديرها كيانات تجارية خاصة. فمن شركات المرافق العامة الإقليمية ومصانع المعالجة الكيميائية، إلى الموانئ التجارية ومراكز البيانات، تُشكل هذه الأصول المملوكة للقطاع الخاص ركائز استراتيجية للاقتصاد الوطني.

لذلك يتعين على الكونغرس وضع إطار عمل جديد يتيح للقطاع الخاص حماية أصوله الاستراتيجية. وفي هذا السياق، قدم السيناتور الجمهوري عن ولاية أركنساس، توم كوتون، مشروع قانون يهدف إلى تحقيق ذلك، تحت اسم «قانون الدفاع عن المجال الجوي للبنية التحتية الحيوية».

ومثلما تستعين الشركات الخاصة بأفراد أمن مؤهلين لحماية منشآتها، وتستخدم جدران الحماية للتصدي للهجمات السيبرانية، ينبغي منحها صلاحيات الدفاع عن المجال الجوي المحيط بأصولها في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة، على أن تخضع هذه الصلاحيات لمعايير اتحادية صارمة، وبرامج تدريب متخصصة، ورقابة تنظيمية فعالة.

ويتطلب إشراك القطاع الخاص تنسيقاً وثيقاً مع تدابير الدفاع السيبراني، نظراً إلى تعدد أبعاد التهديدات الحالية.

فقد تحمل طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة معدات قادرة على اختراق الشبكات، ويمكن إسقاطها فوق محطة فرعية لتجاوز وسائل الحماية الرقمية التقليدية.

وفي المقابل، قد يؤدي هجوم سيبراني منسق إلى تعطيل أجهزة الاستشعار الأمنية الأرضية والجوية وإخراجها من الخدمة، ومن ثم فإن حماية البنية التحتية الحيوية تتطلب تكوين صورة عملياتية متكاملة، تربط الأمن السيبراني بأنظمة مراقبة المجال الجوي على الارتفاعات المنخفضة والدفاع عنه، وهو ما لا يتوافر حالياً على النحو المطلوب.

وفي نهاية المطاف، ستكون هناك حاجة إلى وضع معايير واضحة للاعتماد والرقابة وحوكمة البيانات والتدريب، إلى جانب تحديد آليات التدخل الفيدرالي في حالات الطوارئ.

ومن شأن هذه الضوابط الحد من إساءة استخدام الصلاحيات، وضمان احتفاظ الحكومة بالسيطرة العملياتية الشاملة، وتجنب مخاطر التصعيد غير المقصود. ولا بديل عن هذه الضمانات، بالتوازي مع دمج القطاع الخاص بصورة كاملة في جهود الدفاع عن الوطن.

وتوضح هذه التطورات أن توجه روسيا نحو تحميل مؤسساتها التجارية مسؤولية أكبر عن حماية منشآتها ليس أمراً مستغرباً في ظل طبيعة التهديدات المتغيرة.

ولا ينبغي للولايات المتحدة انتظار وقوع كارثة تستهدف قطاعات الطاقة أو المال أو الخدمات اللوجستية قبل اتخاذ خطوات مماثلة، فالردع يعتمد على القدرة على الصمود، وهذه القدرة تتطلب تمكين مالكي الأصول الحيوية من امتلاك الصلاحيات القانونية والأدوات اللازمة للدفاع عنها.

لذلك يتعين على الكونغرس التحرك لسد هذه الثغرة الاستراتيجية قبل وقوع كارثة جديدة على غرار هجمات 11 سبتمبر.   غلين فان هيرك* *جنرال متقاعد من الجيش الأميركي شغل سابقاً منصب قائد القيادة الشمالية الأميركية وقيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية عن «ناشيونال إنترست»

• المسافة الجغرافية لم تعد ضمانة للأمان، فالمجتمعات المحلية وسلاسل التوريد وشبكات الطاقة المملوكة للقطاع الخاص أصبحت أهدافاً محتملة، بصرف النظر عن بعدها عن مناطق الصراع.

• لا ينبغي للولايات المتحدة انتظار وقوع كارثة تستهدف قطاعات الطاقة أو المال أو الخدمات اللوجستية قبل اتخاذ خطوات مماثلة اعتمدتها روسيا.

تويتر