بدلاً من إعادة التوازن إلى البلاد من خلال الدبلوماسية

استراتيجية ترامب تحوّل العراق إلـى سـاحة معركة للتنافس الأميركي ـــ الإيراني

صورة

فيما تزمع القوات الأميركية الخروج من سورية، يلوح في الأفق انسحاب مماثل من أفغانستان، ربما مستديم بناء على ما قد تتمخض عنه محادثات السلام مع حركة «طالبان». وفي الثاني من فبراير، حول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اهتمامه إلى بوتقة ثالثة من الصراع في المنطقة، وهي العراق. لكن هذه المرة، بدلاً من الحديث عن الانسحاب، جادل ترامب في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، في برنامج «في مواجهة الأمة»، بأن القوات الأميركية يجب أن تبقى في العراق، ليس فقط لمواصلة محاربة تنظيم «داعش»، بل «لمراقبة إيران»، حيث اقترح ترامب أن «القواعد الأميركية في العراق ستكون بمثابة نقاط مراقبة، لرصد أنشطة طهران المتعلقة بـ(الأسلحة النووية، أو أشياء أخرى)».

خطاب ترامب هذا، الذي يصور العراق على أنه مجرد بيدق في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، من شأنه أن يسمم علاقة واشنطن ببغداد، التي تعتبر واحدة من القلاع الأخيرة للنفوذ الأميركي، في منطقة مليئة بالشراكات غير الفعالة وغير المنتجة.

الموضوع من وجهة نظر عراقية

الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والاحتلال الكارثي الذي أعقب ذلك، فتحا الباب أمام المتشددين والطائفيين للتدفق إلى قلب العالم العربي، وساعدا إيران على دعم وتوسيع قوتها. ولاتزال المنطقة والعالم يعانيان هذه العواقب. لكن على الرغم من هذا التاريخ المليء بالأشواك، فإن قيادة العراق لاتزال منفتحة بشكل ملحوظ على المساعدات الدبلوماسية والأمنية الأميركية.

وزار أحد مراسلي المجلة، أخيراً، بغداد وتحدث إلى القادة السياسيين من مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك منتقدو السياسة الأميركية في العراق. وأعرب العديد من هؤلاء القادة عن أملهم أن تواصل واشنطن دعم الحكومة العراقية، في جهودها لتحسين الأمن وبناء مؤسسات الدولة. وأشارت هذه القيادات إلى أن معلومات الاستخبارات الأميركية، قبل كل شيء، لا تقدر بثمن بالنسبة للعراقيين. ولا يمكن لأي مصدر آخر توفير صور الأقمار الاصطناعية، ورصد عودة «داعش» مرة أخرى لمسرح الأحداث أكثر من المصادر الأميركية. ويعتقد القادة العراقيون أنه بمساعدة الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات الاستخبارية، يمكن للحكومة العراقية أن تقضي على المسلحين، وتكتسب قوة في نهاية المطاف لدرء التدخل الخارجي، سواء من الولايات المتحدة أو من جارتها الشرقية إيران.

توازن دقيق

ومنذ انسحاب الولايات المتحدة عام 2011، اضطرت بغداد إلى القيام بتوازن دقيق، والحفاظ على علاقات ودية مع كلٍّ من واشنطن وطهران، وتحدث سياسي بارز إلى الصحيفة، في يناير الماضي، قائلاً «نحن لا نحب الوجود العسكري الأميركي في العراق». ويضيف «لكن إذا غادروا فجأة، فإن إيران ستملأ الفراغ». ومن خلف الأبواب المغلقة يطالب الكثير من السياسيين في العراق، وإلى وقت قريب، بأن يشمل الانسحاب الأميركي، أيضاً، خروج جميع القوات الأجنبية، في إشارة إلى إيران، ويشاركهم في هذا الرأي حتى أعضاء من التيار الصدري، وهي جماعة معروفة بخطابها القومي الناري، ومقاومتها المسلحة للاحتلال الأميركي.

لكنَّ الصدريين وغيرهم يمكنهم فقط التخلي عن هذا الموقف البراغماتي في العلن، إذا تجنبت الولايات المتحدة خلق انطباع بأن العراق جزء من محور مناهض لإيران وموالٍ لإسرائيل. حتى العراقيون المتعاطفون مع أميركا لا يعتقدون سوى أن بلادهم لها مصالح مشتركة محدودة مع الولايات المتحدة، ومع إيران التي يحصل منها العراق على استثمارات كبيرة في البنية التحتية الصناعية والسياحية، والتي تعتبر أهم شريك تجاري لبغداد بالنسبة للغذاء والغاز الطبيعي. ولعبت طهران، أيضاً، دوراً حاسماً في الحرب ضد تنظيم «داعش»، وتقدم المساعدة التقنية لوزارة الداخلية العراقية، وأجزاء من جهاز الاستخبارات. ونتيجة لذلك، فإن النخب العراقية تكره تنفير إيران.

لمسة خشنة

لكن إذا كان التحوط العراقي يقتضي لمسة ناعمة من الولايات المتحدة، فإن ترامب فعل العكس في المقابلة الصحافية. ونتيجة لذلك وصف الرئيس العراقي، برهم صالح، حديث ترامب بأنه «غريب»، وحذر الولايات المتحدة من «إثقال العراق» بقضاياها الخاصة. كما انتقد المرجع الديني الأعلى لشيعة العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، الرئيس الأميركي. من جانبهم، تبنى الصدريون قراراً برلمانياً يدعو إلى طرد القوات الأميركية. وفي هذه الأثناء، أشارت حركة عصائب أهل الحق، وهي جماعة شيعية شبه عسكرية، إلى استعدادها لحمل السلاح مرة أخرى ضد الأميركيين. حتى لو كان مثل هذا العداء لأميركا أكثر حدة، فإن التغيير في النغمة ينذر بالخطر.

وببساطة، تتطلب الشراكات العسكرية والاستخباراتية التقدير والاحترام القوي لسيادة الشركاء. ويبدو أن العراق على استعداد لاستضافة مجموعة واسعة من الأصول العسكرية الأميركية، ويمكنه حتى التغاضي عن أنشطة المراقبة الأميركية التي لا تتعلق بمكافحة «داعش»، إلا أن القادة العراقيين سيجدون صعوبة أكبر في القيام بهذه الأمور، إذا أصرت الولايات المتحدة على توجيه الأنظار إلى أصولها في كل وقت وآخر، وتصور العراق كأنه قاعدة يمكن من خلالها مراقبة إيران وحماية إسرائيل، كما يعتقد ترامب.


نظام شرق أوسط جديد

يبدو أن خطأ ترامب أكثر ترويعا، لأن استمرار انفتاح العراق على أمن وتعاون استخباراتي أميركي، يجعله بمعزل عن أي شريك أميركي آخر في الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر والسعودية. وهذا من شأنه أن يجعل العراق حليفاً ضعيفاً، لكنه حيوي في الوقت نفسه، ومحصن ضد التأثير الإيراني. ويوفر جهاز الاستخبارات في البلاد مثالاً على ذلك، حيث تقوم الوكالات المتنافسة المتعددة بجمع المعلومات الاستخبارية، والمشاركة في عمليات مكافحة الإرهاب. وتثق الولايات المتحدة ببعض هذه الوكالات، وتوفر لها معلومات استخبارية قيمة، بينما توظف إيران وكالات أخرى. وفي مقابلته، التي أجرتها معه شبكة «سي بي إس»، بدا أن ترامب يدعو إلى تقليص الوجود الأميركي، قائلاً إن الولايات المتحدة يمكن أن «تعود إذا كان عليها فعل ذلك». وهذا خطأ جسيم، لأنه لا يمكن إعادة بناء الشراكات الطويلة الأجل، والبنية التحتية المكلفة التي تحتاجها هذه الشراكات بين عشية وضحاها.

وانخفض التعاون الاستخباراتي بعد خفض القوات الأميركية عام 2011. وعندما بدأ مقاتلو «داعش» بالتدفق من سورية بعد ذلك بوقت قصير، بقي العراق غير مستعد. وبعد تعرض البلاد لهذه الحلقة من الانفصال، والصدمة اللاحقة، والتعاون المتجدد من جديد، أصبح لدى العراق والولايات المتحدة الآن رؤية أكثر وضوحاً، بما هو مطلوب من هذه الشراكة. ويجب على القادة العراقيين أن يتمعنوا جيداً في هذا الدرس، أيضاً، حتى لو كانت الضغوط السياسية الداخلية تجعل من المغري لهم التزام خط معادٍ لأميركا.

العراق هو المكان الذي تعرض فيه النظام الإقليمي للدمار عام 2003، وهو المكان المنطقي للبدء بإصلاح ما أفسده الغزو. إن المساعدة في إعادة التوازن إلى المنطقة، من خلال الدبلوماسية، سيكون الخيار الأفضل لأميركا، بدلاً من ممارسة الضغط على الشركاء العراقيين، وتحويل البلاد إلى ساحة معركة للتنافس الأميركي الإيراني. وستتطلب إعادة التوازن بالضرورة تحقيق الاستقرار في السياسة الداخلية والحالة الأمنية في العراق. لكنها تتضمن، أيضاً، إعادة العلاقات مع الدول العربية المجاورة، وهي العلاقات التي تلاشت بعد قرار الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، بغزو الكويت في أغسطس 1990.

إن مستقبل العراق له أهميته الاستراتيجية لجميع اللاعبين الرئيسين في الشرق الأوسط، ليس أقلها أن البلاد تقع على نقطة ارتكاز لعلاقات مهمة: بين الولايات المتحدة وإيران، وبين إيران والعالم العربي، وبين الدول العربية. لقد تبنت دول الخليج العربية، بقيادة السعودية، مقاربة واقعية للعراق، حيث أعادت السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع هذا البلد العربي، وأعادت فتح المعابر الحدودية، وأخذت بزمام المبادرة في مجال التعاون الاقتصادي والأمني في المستقبل. هذه الخطوات الواعدة طال انتظارها. ومع ذلك فإن هذه الجهود لاتزال تفتقر إلى إطار شامل، وهي مهمة طموحة يجب على الولايات المتحدة أن تضع جل ثقلها بها.

ويجب على الدولة العراقية أن تتعامل ليس فقط مع الحالة الأمنية المتقلبة في كثير من الأحيان، لكن أيضاً مع الفساد المزمن، وصعوبة توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها. لقد أدت الأزمة المتعلقة بالمياه الصالحة للشرب، في أجزاء من البصرة، إلى تظاهرات تحولت إلى ما يشبه الحرب في الخريف الماضي. وأصبح المستقبل السياسي لرئيس الوزراء، عادل عبدالمهدي، الذي تولى منصبه منذ أكتوبر 2018، متوقفاً على توفير الخدمات الأساسية، حتى أنه وضع هذا الهدف على رأس أولوياته، قبل أولوية تحقيق الوحدة السياسية في حكومته. وذكر أحد مستشاري رئيس الوزراء: «لدينا عام واحد لتصويب هذا الأمر، وربما أقل»، مضيفاً «إذا لم نتمكن من توصيل ما يكفي من الكهرباء بحلول الصيف، فستنتهي اللعبة».

الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والاحتلال الكارثي الذي أعقب ذلك، فتحا الباب أمام المتشددين والطائفيين، للتدفقإلى قلب العالم العربي، وساعدا إيران على دعم وتوسيع قوتها.

طباعة