مسموح للإسرائيليين والسياح.. ومن خلاله يقتحم المستوطنون ساحات «المسجد» برفقة جنود مدججين بالأسلحة

باب المغاربة.. أقرب أبواب الأقصى ممنوع على الفلسطينيـين

صورة

يومياً وعلى مدار الساعة، تفتح الشرطة الإسرائيلية باب المغاربة، أحد الأبواب الرئيسة المؤدية إلى ساحات المسجد الأقصى المبارك أمام حركة السائحين الأجانب من مختلف الدول، لمشاهدة أهم معلم من المعالم الأثرية في العالم، إلى جانب السماح للسكان الإسرائيليين والمتدينين والمستوطنين بدخوله طوال الوقت.

فيما تمنع السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين منذ 51 عاماً من الدخول عبر باب المغاربة، الذي يعد السور الغربي للمسجد الأقصى، على الرغم من كونه الباب الأقرب لهم من جهة المسجد، خصوصاً أهالي جبل المكبر وحي الثوري وسلوان، ويأتي إغلاقه أمامهم ليضاعف ويباعد المسافات بينهم وبين المسجد بعد أن كان يستغرق قطعها دقائق معدودة مشياً على الأقدام، ليضطروا حالياً لسلك باب الأسباط، السور الشرقي للأقصى.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن الشرطة الإسرائيلية توظف باب المغاربة كبوابة رئيسة لاقتحام مئات المستوطنين ساحات المسجد الأقصى، برفقة مئات الجنود المدججين بالأسلحة والقنابل لإثارة الرعب بين المسلمين، لمنعهم من الدفاع عن المسجد، إذ يشهد باب المغاربة بشكل شهري اقتحام مئات المستوطنين من خلاله باحات المسجد الأقصى، آخرها ما حدث يوم الأحد التاسع من ديسمبر الجاري، حيث شارك 110 مستوطنين في اقتحام ساحات الأقصى، وكان على رأس هذه المجموعات وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أرئيل، وهو من كبار داعمي الاقتحامات، وفي يوم الخميس السادس من الشهر نفسه، اقتحم 135 مستوطناً من الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى المبارك خلال الفترة الصباحية.

وفي نهاية شهر نوفمبر الماضي اقتحم مئات المستوطنين ساحات المسجد الأقصى من باب المغاربة بحراسة مشددة لقوات الاحتلال التي فرضت إجراءات مشددة على دخول الفلسطينيين، وفي 22 من يونيو الماضي اقتحم 1024 مستوطناً ساحات الأقصى.

بوابة الاقتحامات

باب المغاربة أو باب السور الغربي يعد أقرب الأبواب المفتوحة إلى الجامع القِبْلي، وهو واحد من 15 باباً للأقصى سلب الاحتلال مفاتيحها إبان احتلال المسجد والقدس عام 1967، لكنه أرجع لاحقاً جميع المفاتيح باستثناء مفتاح باب المغاربة، الذي بقي معه حتى يومنا هذا، يفتحه لمن شاء ومتى شاء، ويجعله مباحاً لاقتحامات المستوطنين.

ويقول مسؤول قسم المخطوطات في المسجد الأقصى الدكتور ناجح بكيرات لـ«الإمارات اليوم»، «إن الاقتحامات التي جرت في ديسمبر الجاري وتتم شهرياً، تنظمها مجموعات متتالية تمر من باب المغاربة، مروراً من أمام الجامع القبلي، وحتى سطح المُصلى المروانى ووصولاً إلى منطقة باب الرحمة، وفيها يتم الاستماع إلى شروحات حول أسطورة الهيكل المزعوم من مرشدين متطرفين، وسط وقفات وحركات تلمودية وتسجيل مصور للشرح والاقتحامات».

ويضيف أن «قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية تكون إلى جانب المستوطنين أثناء الاقتحام، فيما تحيط تلك القوات بباب المغاربة من داخله وخارجه لتأمين المستوطنين وعدم تعرضهم للخطر».

ويلفت بكيرات إلى أن جميع الاقتحامات التي تمت، وتتم بشكل شهري، خصوصاً في أعياد اليهود ومناسباتهم الدينية، تنظم من داخل باب المغاربة.

ويشير إلى أن باب المغاربة كان الهدف الأول للاحتلال للتهويد نظراً لأهميته هو وحارة المغاربة، والذي يعد المدخل الرئيس والأقرب للأقصى، والمكان المرشح لأن يكون بداخل ساحته كنيس يهودي كبير يغطي بمبناه قباب المسجد الأقصى.

ويوضح أن حارة المغاربة شاهد حقيقي على تاريخ مدينة القدس، وأحد المفاصل المهمة التي حاولت إسرائيل منذ عام 1967 تغيير معالمها نهائياً من معلم إسلامي خالص إلى معلم يهودي.

من البراق إلى المبكى

يطلق على باب المغاربة باب البراق لمجاورته حائط البراق، وكذلك باب حارة المغاربة المفضي إليها، والتي كان يقطنها المغاربة ممن سكنوا القدس بعد فتح صلاح الدين الأيوبي للقدس عام 1187، وكانت قد بنيت زمن الأيوبيين ليسكنها أهل المغرب القادمين.

إلا أن إسرائيل وبعد أشهر من احتلال القدس عام 1967 اقتحمت حارة المغاربة التي كانت أول الضحايا، وأول أثر يتم إزالته في القدس بالكامل، ليتم بعد ذلك توسعة حائط البراق، وتسميته حائط المبكى.

ويقول الباحث في شؤون القدس رائد فتحي: «أهداف إسرائيل للسيطرة على باب المغاربة تعود إلى مئات السنين، ففي عهد الدولة العثمانية سمح لليهود منذ القرن السابع عشر بالصلاة مقابل حائط البراق بشروط ومحددات، لكنهم تجاوزوها زمن الاحتلال البريطاني، فحدثت ثورة البراق عام 1929، وشكلت على أثرها عصبة الأمم لجنة (شو)، التي أقرت بأن جدار الحائط الغربي هو جزء لا يتجزأ من الوقف الإسلامي».

ويضيف: «بقي اليهود مرتبطين بحائط البراق حتى تمكنوا من السيطرة عليه، وهدم حي المغاربة عام 1967، الذي ضم إلى ساحة البراق، لتحوله إسرائيل إلى حائط مبكى أهم معلم لهم».

ويشير إلى أن إسرائيل منذ احتلالها القدس منعت الفلسطينيين من استخدام باب المغاربة، مع مصادرة مفاتيحه، وأبقته مخصصاً لإدخال المقتحمين يومياً للأقصى عبره برفقه وحدات الجيش والشرطة.

أهداف كثيرة

وفي سياق متصل، يقول الباحث في شؤون القدس: «إن أهداف إسرائيل للسيطرة على باب وحي المغاربة كثيرة، منها الحفريات وحفر الأنفاق أسفل الأقصى تحت اسم البحث عن آثار المعبد أو الهيكل من تحت جدران بوابة المغاربة إلى ساحات المسجد الداخلية، ففي عام 2012 هدمت قوات إسرائيلية تلة المغاربة، وأنشأت جسراً من الإسمنت والحديد، يسهل اقتحامات المستوطنين».

وأنشأت إسرائيل، بحسب فتحي، أسفل حي المغاربة الكُنس اليهودية، وقاعات داخلية تستخدم لاجتماعات الجماعات الدينية اليهودية، مشيراً إلى أن ذلك يضفي بعداً رمزياً احتلالياً للمكان، وتأكيداً على السيطرة اليهودية عليه.

مغاربة صامدون

اليوم، وبعد 51 عاماً من هدم الحي، تشتت أهله الذين كانوا يسكنونه قبل هدمه واحتلاله، فقسم منهم عاد إلى المملكة المغربية ودول المغرب العربي، وجزء نزح إلى دول أخرى، فيما بقي جزء آخر مشتتاً داخل فلسطين، أما من صمد في القدس فهم قلة، لم يخرجوا منها، وبقوا في أكناف حي المغاربة حتى اليوم.

ومن بين سكان حي المغاربة الذين بقوا حتى اللحظة عائشة المصلوحي (72 عاماً)، المُنحدرة أصولها من بلدة تامصلوحت القريبة من مدينة مراكش في المملكة المغربية، إذ ولدت في القدس لأب مغربي وأم فلسطينية عام 1946.

تقيم عائشة اليوم هي وعائلتها وزوجها في غرفة بزاوية أبي مدين الغوث أو كما تعرف بزاوية المغاربة، وهي الجزء الذي بقي صامداً حتى اليوم، إذ تطل يومياً من شرفة غرفتها إلى حائط البراق الذي حرمت منه طوال السنوات الماضية، دون أن تتمكن من زيارته، أو الدخول إلى المسجد الأقصى من البوابة التي تقابل منزلها وهي باب المغاربة.

وتقول المصلوحي: «أنا لا أنكر أصلي وأتشرف بجذوري المغربية، وفي الوقت ذاته أنا بنت القدس التي ولدت فيها، وأنا مقدسية المولد والانتماء، لذلك لم أتخل عنها، ولم أقبل بالهجرة منها، وبقيت صامدة وسأبقى حتى الموت».

وعادت عائشة إلى ما قبل 51 عاماً، لتصف التحول الذي طرأ على حارة وباب المغاربة بعد احتلال القدس وبعده، حيث تقول: «كان منزل عائلتي في حارة المغاربة في الواجهة، وكانت مشهورة بتينة كبيرة وفروعها كانت تطل على حائط البراق، وطوال الوقت كنت أذهب أنا وأشقائي وجيراني إلى باحات المسجد الأقصى من باب المغاربة الذي كان يفصله عنا فقط الشارع المقابل».

وتضيف: «في صباح الثاني عشر من يونيو من عام 1967، استيقظنا على أصوات الجرافات التي هدمت المنازل والأهالي غارقين في نومهم، تمكنت أنا وعائلتي من النجاة والخروج، فيما هدمت المنازل فوق جثث الأهالي».


وتشير إلى أن إسرائيل بعد أشهر عدة حولت أنقاض المنازل إلى ساحة كبيرة مسورة، لتضم إلى ساحة البراق الذي بات اسمه المبكى. بعد 51 عاماً من هدم الحي، تشتت أهله الذين كانوا يسكنونه قبل هدمه واحتلاله، فقسم منهم عاد إلى دول المغرب العربي، وجزء نزح إلى دول أخرى، فيما بقي جزء آخر مشتتاً داخل فلسطين، أما من صمد في القدس فهم قلة لم يخرجوا منها، وبقوا في أكناف حي المغاربة حتى اليوم.

إسرائيل أنشأت أسفل حي المغاربة الكُنس اليهودية، وقاعات داخلية تستخدم للقاءات الجماعات الدينية اليهودية، ما يضفي بعداً رمزياً احتلالياً للمكان، وتأكيداً للسيطرة اليهودية عليه.

طباعة