فاعلية إجراءاتها محدودة

إيران تواجه معضلة العقوبات الاقتصادية الأميركية

صورة

تسعى إيران للتحرك على مستويات عدة، بهدف احتواء آثار تطبيق العقوبات الاقتصادية الأميركية عليها، والتي ستبدأ في أغسطس 2018، على أن يتم تشديدها في نوفمبر من العام نفسه، ويتمثل أهمها في تأمين السلع الحيوية، وتخفيف الضغط عن النقد الأجنبي، وضمان تسويق النفط دولياً. ورغم أهمية هذه الخطوات في تعزيز قدرة الاقتصاد الإيراني على مواجهة العقوبات الأميركية، خصوصاً مع ترجيح قيام إيران بإعادة تكوين شبكات تهريب الأموال والسلع، على غرار فترة العقوبات الاقتصادية السابقة (2012-2015)، إلا أن نجاح الولايات المتحدة في تنفيذ تعهداتها بحظر وصول كل صادرات النفط الإيرانية للأسواق الدولية، سيكون سبباً كفيلاً لتدهور الاقتصاد الإيراني بشدة.

ضغوط قوية

تسبب اتجاه الإدارة الأميركية نحو فرض حزمة جديدة من العقوبات على إيران، بعد انسحابها من الاتفاق المبرم بين إيران ومجموعة «5+1»، في مأزق شديد لاقتصادها. ومن المقرر أن تبدأ السلطات الأميركية في تطبيق عقوبات واسعة على كل أنشطة الاقتصاد الإيراني، بما فيها النفط والسيارات والتعدين، وغيرها، على مرحلتين في أغسطس ونوفمبر المقبلين، وبما سوف يؤدي لأضرار شديدة للأخيرة.

ولتجنب أي عقوبات أميركية محتملة، اضطر العديد من الشركات الأميركية الأوروبية للتخلي عن أنشطتها وصفقاتها التجارية مع إيران أخيراً، ولعل أبرزها شركة «توتال» الفرنسية، التي انسحبت من مشروع تطوير المرحلة الـ11 من حقل بارس الجنوبي، إلى جانب شركات مثل «ميرسك سيلاند» الدنماركية، العاملة في مجال النقل البحري، ومجموعة «بي إس إيه» الفرنسية المتخصصة في صناعة السيارات.

وتوازى ذلك، أيضاً، مع وقف العديد من البنوك الأوروبية، مثل بنك «دي.زد» الألماني، تعاملاتها المالية مع إيران. فيما قررت شركة «بوينغ» لصناعة الطائرات التخلي عن صفقة مع إيران بقيمة 20 مليار دولار لبيع طائرات للخطوط الجوية الإيرانية (إيران إير)، وشركة «آسمان».

أما على صعيد صادرات النفط، فقد بدأت الدول المستوردة للنفط الإيراني في التحول عن إيران لصالح موردين آخرين في منطقة الشرق الأوسط، ويأتي ذلك بعد إصرار وزارة الخارجية الأميركية على حظر الصادرات النفطية الإيرانية كافة للأسواق الدولية، قبل أن تتراجع مجدداً، بيد أن ذلك نجم عنه بالآونة الأخيرة اتجاه مصافي النفط في آسيا لتقليص مشترياتها من إيران، وهو ما انعكس، على سبيل المثال، في انخفاض واردات كوريا الجنوبية من النفط الإيراني إلى 686.8 ألف طن، مقارنة بـ1.15 مليون طن في يونيو 2017، واتجاه شركة «ريلاينس إندستريز»، التي تدير أكبر مصافي الهند، إلى وقف تدريجي لاستيراد النفط من إيران.

استعدادات مسبقة

تتحرك إيران على مستويات عدة، لمواجهة تبعات تطبيق العقوبات الأميركية الاقتصادية على البلاد، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- اقتصاد حرب:

على غرار خطوات اتخذتها إيران، خلال الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، بدأت الحكومة في تشكيل غرفة عمليات لإدارة تبعات تطبيق العقوبات الاقتصادية بناء على توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي اعتبرها ضرورية لمواجهة ما يسمى «الحرب الاقتصادية»، التي تشنها الولايات المتحدة ضد طهران. وفي الوقت نفسه، أكد النائب الأول للرئيس إسحاق جهانجيري عزم الحكومة اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بمقاومة العقوبات الأميركية وحماية نظامها المصرفي، وزيادة صادراتها النفطية للأسواق الدولية.

2- تأمين السلع الحيوية:

في خطوة لتأمين إمدادات كافية من السلع الحيوية والخدمات بالأسواق، اتجهت الحكومة، في 13 يوليو الجاري، إلى حظر تصدير الكهرباء والمياه بالكامل إلى الدول المجاورة، مثل باكستان وأفغانستان والعراق، خصوصاً مع اندلاع احتجاجات شعبية في الأشهر الماضية، نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والخدمات بالبلاد. وسبق تلك الخطوة قيام مديرية الجمارك، في 7 من الشهر نفسه، بحظر تصدير 18 منتجاً زراعياً إلى خارج البلاد، على رأسها الدقيق والقمح والذرة والشعير.

3- تسويق النفط دولياً:

تضع الحكومة، على قمة أولوياتها، ضمان وصول صادراتها النفطية للأسواق الدولية، ما دفعها للتحرك على محاور عدة لتحقيق هذا الهدف، مثل التعويل على مشترين آخرين، وفي مقدمتهم تركيا، التي أعلنت استمرار استيراد النفط الإيراني، حيث أكد وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، في 27 يونيو الماضي، أن تركيا لا تعتبر نفسها ملزمة بالامتثال لمساعي الولايات المتحدة لوقف صادرات النفط الإيرانية.

إلى جانب إجراء مشاورات مع روسيا، لضمان استمرار وصول صادرات النفط الإيرانية للأسواق الدولية، وذلك بموجب اتفاق ستقوم بموجبه الأخيرة بتزويد إيران بالسلع مقابل النفط، وذلك على غرار صفقة مماثلة لم يتم تنفيذها بين الطرفين، بقيمة 20 مليار دولار، عام 2014.

وفي الوقت نفسه، تعول إيران على روسيا لتعزيز الاستثمارات بالقطاع النفطي، على نحو ما أشار إليه مستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي، عقب لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث أكد استعداد موسكو لاستثمار ما يصل إلى 50 مليار دولار في قطاع النفط والغاز. ويتوازى ذلك مع السماح للشركات الخاصة الإيرانية بتصدير النفط الخام، من خلال البورصة السلعية في طهران.

4- تخفيف ضغوط النقد الأجنبي:

تستعد إيران لمواجهة تبعات العقوبات الأميركية على سوق النقد الأجنبي من خلال محاور مختلفة، منها تعزيز أرصدتها من النقد الأجنبي، من خلال مصادر مختلفة، كسحب الودائع الإيرانية الموجودة خارج البلاد، وهو ما دفعها لمطالبة ألمانيا، في 10 يوليو الجاري، بسحب 300 مليون يورو (350 مليون دولار) من حسابات بنكية وتحويلها إليها.

إلى جانب ذلك، تعمل إيران على تنشيط تجارة العملات الصعبة غير الرسمية مع بعض دول الجوار، على غرار ما يحدث على الحدود الأفغانية - الإيرانية، مستفيدة من تدفقات النقد الأجنبي الوفيرة في أفغانستان بفضل المساعدات والمنح الدولية، وبما يشكل قناة أخرى لتوفير النقد الأجنبي في البلاد.

كما حرصت الحكومة على تأسيس سوق رسمية ثانوية للعملة الصعبة، يتاح فيها تداول العملات الصعبة بحرية بناء على عوامل العرض والطلب، ولتتخلى بذلك عن جهودها التي بدأتها في أبريل الماضي لتوحيد أسعار السوق الرسمية والسوق الحرة للريال، من أجل الوصول إلى سعر واحد يحدده البنك المركزي، على نحو قد يجنبها كلفة دعم الريال والسحب من احتياطياتها الأجنبية.

وتسعى الحكومة، أيضاً، إلى تقليص حدة الضغوط عن النقد الأجنبي عبر وقف استيراد العديد من السلع من الخارج، وتوفيرها من الأسواق الداخلية. وفي هذا الشأن، أقرت غرفة «عمليات الحرب»، أخيراً، حظر قائمة تضم 1339 سلعة مستوردة يمكن إنتاجها محلياً، وهى خطوة متبعة لدى كثير من دول العالم التي تواجه عجزاً واسعاً في النقد الأجنبي. وسبق ذلك أن أعلنت، في يونيو الفائت، عن اقترابها من تحقيق الاكتفاء الذاتي من البنزين، بعد افتتاح المرحلة الثانية من مصفاة «نجمة الخليج العربي»، التي ستنتج 24 مليون لتر من البنزين يومياً.

مرحلة جديدة

من دون شك ستفرض العقوبات الأميركية ضغوطاً قوية على الاقتصاد الإيراني، حيث من المرجح أن يواجه دورة جديدة من الركود والانكماش، على غرار فترة تشديد العقوبات (2012-2015) وما صاحبها من ارتفاع في معدلات التضخم والبطالة والفقر، وهو ما سيؤدي، في الأغلب، إلى اتساع نطاق الاحتجاجات الشعبية في البلاد خلال الفترة المقبلة، وبما قد يدفع طهران، بحسب الإدارة الأميركية، إلى إجراء مفاوضات جديدة معها حول اتفاق نووي آخر، خصوصاً إذا نجحت واشنطن في تقويض خطتها، بالاعتماد على شركائها في تسويق النفط الإيراني.