الكونغرس الأميركي يعاقب الفلسطينيين دائماً

إسرائيل لا تعرف إلا الحرب والدمار. أ.ف.ب

على مدى مسيرة طويلة تمتد أكثر من 60 عاماً من عذاب الشعب الفلسطيني ومعاناته وتشريده من ارضه ودياره، دأب الكونغرس الأميركي دائماً على تحميل هذا الشعب ثم السلطة الفلسطينية والآن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مسؤولية «الأعمال العدائية» مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ونتائجها.

وتجسد الموقف الاستعراضي لواشنطن من العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في تقديم الدعم باحدث الأسلحة في العالم وملايين الدولارات التي يدفعها الأميركيون سنوياً وتذهب الى إسرائيل، وقرارات غريبة واستفزازية في مجلسي الشيوخ والنواب تؤكد دعماً مطلقاً وانحيازاً أعمى لها. وبينما كان قطاع غزة يتعرض لجحيم القصف صوّت مجلس الشيوخ الأميركي على قرار يلقي باللوم على حركة حماس بشأن سقوط الضحايا من المدنيين ويعتبرها مسؤولة عن 99%  من الدمار، ثم تم تمرير القرار الى مجلس النواب الذي صوّت عليه بأغلبية 390 صوتاً مقابل خمسة. وهناك معارضة متزايدة لهذا الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة بين الإسرائيليين وفي الكنيست ووسائل الإعلام واليهود الأميركيين أكثر من أولئك الموافقين دائماً بهز الرؤوس في الكابيتول هيل.

وهناك اسباب كثيرة لهذا الدعم شبه الجماعي لكل ما تقوم به إسرائيل بصرف النظر عما تلقاه هذه التصرفات والأعمال من ادانة واستنكار من ناشطين ومدافعين عن السلام مثل القس الجنوب افريقي الحائز على جائزة نوبل ديزموند توتو وقرارات الأمم المتحدة والمحكمة الدولية وجماعات حقوق الإنسان داخل اسرائيل وخارجها.

وبالتأكيد فإن جماعات الضغط «اللوبي» الموالية لإسرائيل والمسيحيين اليمنيين الإنجيليين الذين يتحركون بحملات جمع التبرعات التي تقوم بها لجان العمل السياسي تلعب دوراً محورياً في اسباب هذا الدعم.

وهناك تعصب وتحيز متزايد في الكونغرس ضد العرب والمسلمين تغذيه الحملات التي تقوم بها وسائل الإعلام اليهودية والمؤيدة لإسرائيل والتي سجلت ارقاماً قياسية جديدة في التغطية المتحيزة في كل مرة يندلع فيها النزاع. ويتجلى هذا التحيز ضد الفلسطينيين واعتبارهم دوماً على خطأ فأجنحة اليمين التي لم تعتبر يوماً الحكومات الأميركية ممتازة او مثالية ترى في الحكومات الإسرائيلية مثالية ولا ترتكب أي خطأ، اما الليبراليون فلا يترددون في انتقاد رؤية المسؤولين العسكريين الأميركيين للهجمات العسكرية الإسرائيلية وعمليات الغزو وقتل المدنيين والتدمير الكارثي وتعتبر كل هذه الأعمال من قبيل دفاع إسرائيل عن نفسها.

وليست هناك حدود لقلب حقائق التاريح وتزويرها، فماذا عن حقيقة أن إسرائيل طردت الفلسطينيين من اراضيهم عامي 1947 - 1948 مما دفع عشرات الآلاف منهم الى اللجوء القسري الى قطاع غزة ؟ ليس في ذلك مشكلة لدى الكونغرس ، ثم حقيقة احتلال الحكومة الإسرائيلية بكل قسوة للضفة الغربية وقطاع غزة عام ١٩٦٧ في خرق فاضح لقرارات الأمم المتحدة ثم سحبها لقواتها ومستوطنيها من القطاع عام 2005 وبالنسبة للكونغرس كان الفلسطينيون يستحقون ذلك، وبعد فوز «حماس» في الانتخابات الحرة جمدت إسرائيل دفع عائدات الضرائب والرسوم الى الحكومة الفلسطينية التي غرقت نتيجة لذلك في ازمة كبيرة جعلتها عاجزة عن دفع رواتب الموظفين وافراد الشرطة

وفي عام 2006 أحكم الاسرائيليون حصارهم على قطاع غزة ليصبح شاملاً براً وبحراً وجواً ويتحول القطاع الى سجن يكتظ بـ1.5مليون فلسطيني ومثل هذا الفعل يعتبر من اعمال الحرب بموجب القانون الدولي وادى الى زيادة اطلاق الصواريخ الفلسطينية التي وصفها كثير من الصحافيين «بغير الدقيقة التصويب في اصابة الهدف». على اسرائيل التي وجهت جيشها بما لديه من طائرات ومدافع ودبابات لحصد اعداد كبيرة من ارواح الفلسطينيين تفوق بكثير ما تحدثه تلك الصواريخ البدائية ويقتل ذلك الجيش عدداً كبيراً من المدنيين بينهم عدد كبير من الاطفال والنساء والشيوخ في ظل حظر اسرائيلي كامل على الامدادات الاساسية من الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والوقود.

وعلى مدى ثلاثة اسابيع قام الاسرائيليون بقصف جوي مكثف وشامل للقطاع تلاه غزو بري وصفه الكاتب الصحافي الاسرائيلي البارز جدعون ليفي بأنه «عملية وحشية عنيفة كانت اكبر بكثير مما كنا نحتاجه لحماية مواطنينا في الجنوب» كما توقف ليفي باهتمام عند وصف رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة ميغيل ديسكوتو بروكمان تلك الحرب بأنها حرب ضد «شعب اعزل ضعيف لا حول له ولا قوة او وسائل للدفاع عن نفسه وسجين محاصر». وكان الرعب الذي حاصر الناس ومنعهم من الهرب الى مكان آمن مخيفاً ويعكس استخداماً لاحدث الاسلحة في العالم في حرب شاملة في البر والبحر والجو وهو ما كتبت عنه الصحافية الاسرائيلية أميرة هاس في صحيفة هاآرتس.

لماذا كل هذا؟ جواب الكونغرس: «ارهابيو حماس» في كل مكان. بالتاكيد هم كذلك لأنهم يدافعون عن عائلاتهم الفلسطينية ولكن الحقيقة انه ليس هناك جيش لحماس او قوات جوية او مدفعية او بحرية للتصدي لرابع اقوى جيش في العالم.

وكما قال جندي اسرائيلي في احدى ناقلات الجند بصراحة لصحيفة نيويورك تايمز عن مقاتلي حماس: «انهم قرويون مسلحون ببنادق ولا يجيدون التصويب حينما يطلقون النار».

ولا يعبأ الكونغرس بأي من هذه العروض او بعضها او اغلبها، فاعضاؤه لا يرغبون في الاستماع حتى الى حركات السلام الاسرائيلية المكونة من جنرالات وضباط متقاعدين ووزراء ومسؤولي أمن ورؤساء بلديات واعضاء سابقين في الكنسيت.

وعلى مدى 60 عاماً لم يتمكن ناشطون من اجل السلام ومدافعون عنه من تقديم ولو ساعة من الاقوال والشهادات امام الكونغرس او اي من لجانه. وربما كان اعضاء الكونغرس يتمنون تقييم وتأمل ما قاله مؤسس اسرائيل ديفيد بن غوريون منذ وقت طويل «كانت هناك سياسة النازي ادولف هتلر المعادية للسامية ومعتقلات اوشفيتس وغيرها ولكن أكان ذلك كله خطأ الفلسطينيين؟ انهم لا يرون إلا شيئاً واحداً: لقد جئنا الى هناك وسرقنا وطنهم»، أليست هذه الملاحظة جديرة بتوجيه بعض التعاطف مع الشعب الفلسطيني وتفهّم حقه في التحرر من الاحتلال الاسرائيلي والحصار الشامل والمميت الذي تتعرض له مساحة الـ 22% المتبقية من فلسطين.



❊ مرشح سابق لانتخابات الرئاسة الأميركية

ترجمة: عقل عبدالله عن «كومن دريمز - نيوز سنتر»

طباعة