غزة.. عنوان جديد للمأساة الفـلسطـينية المستمرّة

من آثار الدمار والخراب للعدوان الإسرائيلي على غزة. غيتي

حمل عام 2008 في أيامه الأخيرة هجوماً إسرائيلياً وحشياً على قطاع غزة شعاره استهداف مقرات حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، لكنه واقعياً وعلى الأرض قصف من دون رحمة لكل شيء في قطاع غزة، بما في ذلك المساجد والمستشفيات والمنازل والجامعة، حيث قضى فيه مئات الشهداء الفلسطينيين بينهم مدنيون، وتسبب بحالة دمار ورعب عمت القطاع.

نجم عن الغارة الأولى التي انطلقت صبيحة 37 ديسمبر الجاري، عن استشهاد أكثر من 300 فلسطيني بينهم أطفال ونساء وشيوخ. واستمرت غارات جوية ليلاً نهاراً شنتها طائرات من طراز «إف 15» و«إف 16» و«إف 18» والمروحيات. وأدت الصور المرعبة للقصف الإسرائيلي الوحشي إلى إثارة غضب الشعب العربي من الخليج إلى المحيط وخرجت الجماهير إلى الشوارع، لتعبر عن سخطها، وطالبت بوضع حد لهذه الجرائم على سكان غزة العزل، و الدعوة إلى محاكمة القادة الإسرائيليين، بوصفهم مجرمي حرب. ودعت دولة قطر إلى عقد دورة استثنائية للقمة العربية على أراضيها.

تأتي الجريمة الإسرائيلية الجديدة تتمة لجريمة الحصار الخانق الذي تصرّ إسرائيل على مواصلته بكل وحشية، ضاربة عرض الحائط بالقرارات الدولية ودعوات المجتمع الدولي إليها لرفعه، فلا يمرّ يوم من غير أن تتجلى الآثار الكارثية لهذا الحصار، في وفاة رضيع أو امرأة حامل أو شيخ أو شاب مريض يحتاج الى عملية جراحية أو علاج؛ فالمرضى يرقدون بالآلاف على الأسِرة في انتظار موت محقق وحكومة الاحتلال تصر على قطع َ الكهرباء والغاز والوقود والطحين والقمح والأدوية عن القطاع، في محاولة لتركيع الشعب الفلسطيني.

وقد تدهور الوضع في قطاع غزة إثر نقص الطعام والطحين والحبوب والماء والدواء والمحروقات التي أدت إلى توقف عمل محطات الكهرباء؛ مما أغرق القطاع في الظلام وجعله على مشارف كارثة إنسانية وبيئية.


وقد أصبح مشهد الأرتال أمام المخابز في قطاع غزة، مشهداً شبه يومي ولافتاً للأنظار عربياً ودولياً. وعمل المخابز يعتمد على عمل المطاحن الذي يرتبط بتوافر القمح، حيث يصطف عشرات المواطنين الفلسطينيين في أرتال طويلة أملاً بالحصول على بضعة أرغفة قبل الإعلان عن إغلاقها كليا. لكن هذا لا يعني انتهاء مهمة المواطن الفلسطيني، فما زال مطلوباً منه تدبر الأمر والبحث عن بدائل، حتى لو كانت مستحيلة،لا سيما إذا كان لديه أطفال صغار

ومن منطلق مبدأ « شر البلية ما يضحك » اقترح أحد أبناء غزة ـ كما نقلت وكالة أنباء ـ ساخراً ومكتفياً باسم أبو أحمد ـ استيراد الخبز عبر الأنفاق على الحدود المصرية الفلسطينية، مشيرًا إلى أنه لم يعد يستوعب ما يحدث. وأضاف أبو أحمد الذي يعول ستة أطفال أنه اصطف مع بداية الشهر الجاري أمام الصراف الآلي والبنوك ثلاثة أيام متواصلةً حتى تمكن من سحب راتبه على دفعات، مؤكدًا أن راتبه الذي لا يتجاوز 3000 شيكل بات لا يكفي قوت يومه في ظل الغلاء.

ويلخص صاحب مخبز معاناته وسبب إغلاقه لمحلّه قائلاً بغضب «لا دقيق ولا سولار ولا كهرباء، فلماذا تبقى أبوابنا مفتوحة؟!». بينما لا يخفي عامل في أحد مخابز غزة شعوره بالأسى الشديد، لتوقف جميع العاملين في المخبز عن العمل، متسائلا بحزن «كيف ستسير حياتي وهذا المكان هو مصدر رزقي الوحيد؟».

وطالب أصحاب المطاحن والمخابز المسؤولين الفلسطينين بالضغط على إسرائيل لفتح المعابر وإدخال القمح محذرين من حدوث كارثة إنسانية، إذا استمرت الحال على ما هي عليه. بينما أشار بعضهم إلى أن عدد المواطنين المقبلين على شراء الدقيق، يزداد كل ساعة طلبًا لأكياس دقيق، لكن إدارة المطحنة لا تجيبهم إلا بأن الدقيق قد نفد، لأنها ـ في الواقع ـ تعطي الأولوية للمخابز، لأنها توزّع على أكبر عدد ممكن من الأسر.

واستنادا إلى أحد مواطني القطاع، فإن الأزمة التي تعاني منها المخابز هناك، تنقسم إلى شقين الأول: نقص الغاز اللازم للمخابز، والثاني: نقص الدقيق. موضحًا أن بعض المخابز يمكن أن تواجه مشكلة الكهرباء بالمولّدات، لأنها لا تستطيع أن تحل مشكلة الغاز قائلاً إن الحصار هو ورقة ضغط على أبناء شعبنا، وليس على الحكومة المقالة وحدها؛ لأن الاحتلال الإسرائيلي يحاصر الشعب وليس الحكومة.

ويؤكد وزير الاقتصاد في الحكومة الفلسطينية المقالة زياد الظاظا، أن قطاع غزة لا يوجد فيه مستودعات ولا بدائل اقتصادية، وأن نفاد مخزون الطحين يمثل خطورةً على المواطن الفلسطيني الذي يعدّ الخبز مورد غذائه الأساسي، في ظل الحصار المفروض، مشيرًا إلى أن استمرار إغلاق المعابر أدى إلى نفاد كميات الطحين و الوقود في الأساس، وهو ما يمثل أزمةً قد يلجأ أهالي غزة بسببها إلى البحث عن وسائل بديلة تنقذهم من الموت.



وحرك استمرار الحصار أصحاب الضمائر، ليس في العالم العربي فحسب، بل في أوروبا والولايات المتحدة، حيث نددوا بهذا الحصار واعتبروه جريمة إنسانية. وعبر بعضهم عن تضامنه الحقيقي والعملي مع الشعب الفلسطيني، بالحضور إلى حيث تعرضوا للممضايقات والتوقيف والاحتجاز والتحقيقات من سلطات الاحتلال

وفي هذا السياق استنكرت اللجنة الشعبية الفلسطينية لمواجهة الحصار، اعتقال الاحتلال الإسرائيلي للناشطة «نيتا جولاني» التي وصلت إلى القطاع عبر سفينة «الكرامة» القطرية، وذلك عند وصولها إلى حاجز بيت حانون.

وقالت على لسان رئيسها جمال الخضري إن اعتقال جولاني وإخضاعها للتحقيق، يعدّ تعدياً جديداً على الحريات والحقوق والأعراف الدولية، وتجاوزاً لكل الأخلاقيات.

وشدد على أن اعتقالها لن يمنعها من مواصلة إيمانها العميق بالتضامن مع غزة، وهو ما أكدته خلال فترة وجودها القصيرة جداً في غزة. ودعا المؤسسات الحقوقية والمتضامنين الدوليين إلى لوقوف إلى جانب جولاني، وتسليط الضوء على قضيتها والدفع باتجاه إطلاق سراحها بشكل فوري، مؤكداً أن هذه الاعتقالات والمضايقات لن توقف تضامن شرفاء العالم وأحراره مع الشعب الفلسطيني.

وكانت جولاني قد قالت في تصريحات سابقة «أشعر أن من واجبي أن آتي إلى غزة، في محاولة منا لزيادة الوعي وتقديم الدعم إلى المواطنين، وليس كما تقوم به إسرائيل من عقاب للناس هنا.. نحن كسرنا الحصار المفروض على قطاع غزة، والآن حان الوقت للمجتمعات الدولية لتحذو حذونا في التضامن مع الشعب الفلسطيني» .

وقد تم ترشيح جولاني، وهي من مؤسسي حركة «التضامن» الدولية مرتين لجائزة نوبل للسلام، وهي ناشطة ضد الاحتلال، شاركت في المئات من التظاهرات ضد بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وضد بناء المستوطنات وتوسيعها، وإقامة الحواجز والطرق الالتفافية .

وبالنسبة لأبعاد الحصار عربياً قال فلسطينيون في غزة ـ مسؤولين ومواطنين ـ إن السكوت عن الحصار مشاركة فيه. مطالبين الدول العربية والأجنبية بالضغط على الأمم المتحدة لتحمل مسؤوليتها .

ويعترف مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور عبدالله الأشعل، بأن مصر تتحمل جانبًا كبيرًا من مسؤولية هذه الأزمة، لأن بيدها أن تفتح معبر رفح أمام المساعدات التي يحتاج إليها الشعب الفلسطيني. كما انتقد الأشعل الموقف العربي وخصوصاً بشآن عدم تفعيل قرار الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، بإرسال مساعدات عاجلة إلى قطاع غزة.

سفن كسر الحصار 
 
أدى استمرار الحصار إلى خروج التظاهرات في المدن والعواصم العربية والإسلامية، كما أدى إلى ما يمكن وصفها بأنه « انتفاضة سفن »، حيث تحدت هذه السفن تهديدات إسرائيل، باستخدام القوة نحوها، لمنعها من الوصول إلى قطاع غزة. 

ففي أواخر أغسطس الماضي، هتفت غزة المحاصرة بحرارة لسفينتي «غزة الحرة» و«الحرية» اللتين وصلتا قادمتين من قبرص وعلى متنيهما عشرات الناشطين والمتضامنين الأوروبيين مع أهالي القطاع، حاملين معهم الأمل في مداواة أوجاعهم 

ومرت الأسابيع، وسفينة تتبعها أخرى بمبادرات من نشطاء غربيين متعاطفين مع الفلسطينيين، تتحرك بعزيمة نحو مياه غزة فكانت سفينة « الأمل» ثم سفينة «الكرامة » والشعار واحد والهدف واحد : «سنكسر الحصار » ولكن الحصار ما زال قائماً.

ثم تأتي سفينة «المروة » الليبية المحمّلة بمواد إغاثية تصل قيمتها إلى 15 مليون دولار، لتكون  أول سفينة عربية تصافح مياه غزة، حيث قال رئيس اللجنة الشعبية الفلسطينية لكسر الحصار جمال الخضري «إن السفينة هي واحدة من  سلسلة سفن ومساعدات ستقدم إلى القطاع، وهذه الرحلة تأتي موقفاً عملياً لكسر حصار غزة، وكلنا أمل بأن تنطلق السفن من جميع الدول العربية ».

لكن إسرائيل تعترض طريق السفينة وتمنعها من الاقتراب من ساحل قطاع غزة، مما اضطرها إلى التوجه الى مصر لإفراغ حمولتها من الممساعدات، على أن يتم نقلها في وقت لاحق. ويبرر مسؤولون إسرائيليون هذه الخطوة زاعمين أن الكيان العبري لا يمكنه  السماح لسفن بهذا الحجم، بالدخول إلى غزة، لأنها من النوع القادر على نقل أسلحة ومسلحين. وبعد منع سفينة مساعدات للمواطنين الفلسطينيين من مناطق عام 1948، من الإبحار الى غزة، تأتي سفينة «أهل قطر » وترسو في ميناء غزة، متحدية الحصار، حيث قال المهندس عبدالله النعمة نائب رئيس مجلس إدارة قطر الخيرية إن عدداً من الجمعيات الخيرية والشخصيات القطرية، شاركت في تجهيز السفينة وتسييرها.

ورأى الخضري أن هناك ما يمكن وصفه بـ «انتفاضة السفن العربية بدأت تتحقق»، وهدفها كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من عام. وأكد أن تقاطر السفن من ميناء «لارنكا» في قبرص، يؤكد الحق الفلسطيني في المياه الإقليمية، ويرسّخ مبدأ الممر المائي في كسر الحصار. وأثار هذا الأمر جدلاً مطولاً بين مراقبين، فمنهم من يقول إن إسرائيل فضلت عدم منع هذه السفن من الرسو على شاطئ غزة، تجنباً لمزيد من الانتقادات من المنظمات الحقوقية الدولية وامتصاص قدر من غضب المنظمات الدولية والإنسانية  فيما رأى بعض  أهالي القطاع أن هذه السفن لم تقدم شيئاً ملموساً ولم تغير شيئاً من الواقع .

طباعة