تحتفظ موسكو بعلاقات وثيقة مع المنافسين الإقليميين لطهران

«عوائق».. أمام التعاون الاستراتيجي بين إيران وروسيا حالياً

صورة

سعت إيران وروسيا إلى التقارب أخيراً، بدافع أساسي تغلب عليه المصلحة الاقتصادية للجانبين، وإن كانت هناك أهداف أخرى لاسيما لدى طهران. ولكن وسط هذا التقارب هناك بعض العراقيل، التي ربما تحول دون استمراره على نحو مفيد بالدرجة التي يرجوها الطرفان.

ويقول الباحث والمحلل، أراش توبشينجاد، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه خلال أول اجتماع شخصي بينهما في 19 يناير 2022، أظهر الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين، التزامهما بعلاقات ثنائية أكثر قوة. وإلى جانب التواصل بين الرئيسين، أعلن وزير النفط الإيراني أن طهران وموسكو حققتا خطوات واسعة في الاتفاقات التجارية عبر قطاعات الطاقة والنقل والبنوك. ومع ذلك، كان أبرز ما جاء في زيارة رئيسي إلى موسكو هو عرضه لمشروع اتفاق تعاون مدته 20 عاماً بين إيران وروسيا. ويقترح الاتفاق، الذي يهدف إلى تحديث اتفاقية تعاون اقتصادي سابقة من عام 2001، زيادة التعاون في المبادرات الأمنية، وفي مجالي النقل والتجارة بين طهران وموسكو. ولايزال الاتفاق قيد التفاوض، وتقول الحكومة الإيرانية إن محتوياته يجب أن تعلن أولاً وأن يوافق عليها البرلمان.

ويخضع اتفاق التعاون لمدة 20 عاماً للدراسة منذ العام الماضي، وفي حين نجحت إيران في قياس اهتمام بوتين بالتوصل إلى اتفاق، إلا أنه قد لا يتحقق في المستقبل القريب. ولكن في غضون ذلك، يعد الاتفاق المرتقب أمراً له قيمته لأنه يشير إلى قناعات كل من طهران وموسكو في مفاوضاتهما مع الغرب.

مفترق طرق

ويرى توبشينجاد أن إيران وروسيا على مفترق طرق فيما يتعلق بمواقفهما الجيواستراتيجية على المستوى الإقليمي. وفي الثامن من فبراير، عاد وفد إيران إلى فيينا لحضور الجولة الثامنة، وربما الأخيرة، من المحادثات للتفاوض على إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). وخلافاً للاتفاقات التقليدية، تم النظر إلى الاتفاق من منظور انعدام الثقة المتبادل، وتسعى إيران بشدة إلى الحصول على ضمانات بأن واشنطن لن تتراجع عن التزاماتها كما فعلت في عام 2018. كما لاتزال إيران مصرة على رفع جميع العقوبات مقابل الامتثال النووي، وهو مطلب يبدو أن المسؤولين الأوروبيين يعتبرونه مفرطاً.

وباعتبارها واحدة من الدول الموقعة على الاتفاق النووي بشكل بناء، يرى البعض أن روسيا هي «محامية» إيران في عملية إعادة التفاوض. وتستأنف محادثات فيينا مع دخول روسيا مفاوضاتها الخاصة مع الغرب عن طريق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فروسيا متورطة حالياً في مواجهة ضد حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا. ومع وجود أكثر من 100 ألف جندي روسي يحيطون بحدود أوكرانيا، أعرب بوتين عن مخاوفه إزاء ما يعتبره تعدياً من قبل الناتو على الجناح الغربي لروسيا. وفي الأيام المقبلة، ستؤثر مقاربات طهران وموسكو الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ونظرائها الأوروبيين بشكل كبير في احتمال تخفيف حدة التوترات في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. ومع ذلك، يظل البلدان ملتزمين بالسعي إلى تحقيق أفضل مصالحهما الذاتية، وقد تكون لاتفاق التعاون لمدة 20 عاماً آثار كبيرة في هذه العملية.

الفوائد الاقتصادية

ووفقاً لتوبشينجاد، ركزت الحكومة الإيرانية على الإعلان عن الفوائد الاقتصادية والأمنية التي قد تعود من الاتفاق الإيراني الروسي. وتشكل روسيا حالياً أربعة و2% من واردات وصادرات إيران على التوالي. وتعتزم طهران زيادة حجم تجارتها مع روسيا إلى 25 مليار دولار. وقد يبدو هذا الهدف طموحاً للغاية، ولكن في عام 2007، تصورت إيران أن تصل تجارتها مع روسيا إلى 200 مليار دولار في غضون عقد من الآن. ومع ذلك، بلغت التجارة الثنائية ذروتها عند ما يزيد قليلاً على 3.5 مليارات دولار في عام 2021. وعلى سبيل المقارنة، تتراوح التجارة السنوية لروسيا مع تركيا بين 20 و25 مليار دولار. وتعمل العقوبات الأميركية عائقاً رئيساً، ما يحد من الآفاق التجارية لطهران ويعقد أي التزامات طويلة الأجل من قبل شركائها التجاريين. وإلى جانب مصالحها التجارية المباشرة مع روسيا، تسعى إيران أيضاً إلى تأمين التزامات اقتصادية أوسع نطاقاً تجاه الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

وفي اجتماعهما المباشر أعرب بوتين عن تأييده لرئيسي من أجل منطقة تجارة حرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي. ويتطلع رئيسي إلى مثل هذه الخطوات المالية الواسعة بعينين مفعمتين بالأمل، وسط الشكوك حول تخفيف العقوبات.

وبالإضافة إلى إمكاناته الاقتصادية، تنظر إيران إلى الاتفاق لمدة 20 عاماً على أنه وسيلة لتعزيز تعاونها الأمني مع روسيا وتأمين صفقات أسلحة جديدة. وبعد أن أجرت إيران مناورات بحرية ثلاثية مع البحريتين الروسية والصينية في 21 يناير، تفضل طهران زيادة التعاون العسكري لإظهار ما يشبه التضامن الدفاعي مع داعميها الأجانب. وتردد أن طهران تسعى لشراء طائرات مقاتلة روسية الصنع من طراز «سو - 35» لتعزيز القوات الجوية الإيرانية. كما تهتم إدارة رئيسي بشراء نظام الدفاع الصاروخي «إس 400». وفي حين انتهى الحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على إيران ومنع تصدير الأسلحة إليها في أواخر عام 2020، امتنعت روسيا عن عرض أي صفقات على إيران.

وأحد الدوافع هو أن طهران قد لا تملك الأموال اللازمة لمثل هذه الصفقات. فمنذ انسحاب الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، انخفض احتياطي إيران من العملات الأجنبية والذهب بشكل كبير. وكانت إيران تعتزم الحصول على أسلحة روسية بقيمة 10 مليارات دولار، لكن وضعها المالي المتردي أقنع بعض المحللين بأن أي عقود دفاعية مع الكرملين قد تصل إلى ملياري دولار فقط بأقصى حد.

ويمكن لاتفاق التعاون أن يُمّكن إيران من تحقيق شروط مواتية بشأن قطاعي النفط والغاز في مقابل تخفيضات أكبر للأسلحة الروسية. ولكن الكلفة ليست مالية فقط، حيث تحتفظ روسيا بعلاقات وثيقة مع المنافسين الإقليميين لإيران، بما في ذلك إسرائيل والسعودية. ولن يخاطر بوتين باختلال التوازن في علاقاته مع أقوى القوى في الشرق الأوسط. ولا يرى الجميع في الكرملين فائدة أمنية مباشرة من اتفاق طويل الأمد مع طهران.

• باعتبارها واحدة من الدول الموقعة على الاتفاق النووي بشكل بناء، يرى البعض أن روسيا هي «محامية» إيران في عملية إعادة التفاوض.

• خلال الأيام المقبلة، ستؤثر مقاربات طهران وموسكو الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ونظرائها الأوروبيين بشكل كبير في احتمال تخفيف حدة التوترات في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. ومع ذلك، يظل البلدان ملتزمين بالسعي إلى تحقيق أفضل مصالحهما الذاتية، وقد تكون لاتفاق التعاون لمدة 20 عاماً آثار كبيرة في هذه العملية.

طباعة