5 دقائق

    صناعة التفاهة

    د. علاء جراد

    كثير من الأمور التي تحدث أمام أعيننا وتحت سمعنا كل يوم تستدعي أن نتوقف ونتفكر بعض الشيء، وأن نتخذ موقفاً حاسماً منها، بل بعض ما يحدث يستدعي تدخّل الجهات المختصة لاتخاذ التدابير اللازمة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، والقاسم المشترك في كل ما يحدث هو الإعلام بكل قنواته المرئية والمسموعة والمقروءة، وبالطبع لقنوات التواصل والفضائيات نصيب الأسد في ما يحدث، بداية من إطلاق وتوزيع الألقاب الفخمة على من لا يستحقون، فمذيع مغمور يصبح لقبه «الإعلامي»، وفتاة بلهاء لا مؤهلات لديها سوى كمية كبيرة من المساحيق والسيليكون مشفوعة بكم هائل من البجاحة والصفاقة تصبح «ناشطة» أو «كاتبة»، وذلك شخص لم يرَ ماكينة في حياته أكثر تعقيداً من ماكينة الحلاقة يُطلَق عليه خبير تكنولوجيا معلومات، وآخر يُطلَق عليه خبير استراتيجي، إلى بقية قائمة الألقاب من خبير السعادة والتميز، مروراً بخبراء التنمية البشرية، الذين ربما لم يكملوا قراءة كتاب واحد في حياتهم.

    للأسف الشديد أصبحنا نعيش في عصر التسطيح الفكري والضحالة وانعدام الثقافة، وأصبحت التفاهة هي سيدة الموقف، وتعرّف التفاهة بأنها كل شيء بلا قيمة أو محتوى أو معنى، وقد يتسع نطاق التعريف ليشمل الكثير من الممارسات غير الأخلاقية التي تتنافى مع قيم المجتمع والدين والموروث الثقافي أحياناً، بل وصلت التفاهة وانعدام الأخلاق للمتاجرة الرخيصة بالدين من قبل كثيرين ممّن كان الناس يسيرون خلفهم ويتخذونهم قدوة في التدين والأخلاق، فأصبحوا يلهثون وراء المادة أو الشهرة ووراء «التريند» وعدد اللايكات والمتابعين على وسائل التواصل، حيث إنه كلما زاد عدد المتابعين وعدد المشاهدات زادت الإعلانات، وبالتالي النسبة التي يحصل عليها صاحب المحتوى، أياً كان هذا المحتوى. الكثيرون ممن يطلق عليهم دعاة استخدموا الدين كسلّم للوصول لعدد من المشاهدات، ثم اتجهوا اتجاهاً آخر، وهو تفسير الأحلام، حيث إننا جميعاً نحلم.. والكثير منا يهتم اهتماماً كبيراً بتفسير الأحلام، فأصبحت صناعة رائجة، البعض يدّعي أن دعاءً بعينه فكّ كرب مئات آلاف من البشر ووضع عنواناً يجذب المشاهدين، وفي خلال شهور كان عدد المشاهدات أكثر من 60 مليون مشاهدة.

    لقد أصبحت التفاهة صناعة منظمة ومربحة، فتلك الفتاة التي اقتحمت مباراة ليفربول حصلت على أرباح أكثر من أربعة ملايين دولار. وخلال ساعات قليلة، زاد عدد متابعيها من 200 ألف إلى مليونين ونصف المليون. ليس من يقوم بتلك التفاهات وحدهم الملومين، ولكن من يتابعهم ويستمع إليهم ويهتم بهم هو المساهم الأكبر في صناعة التفاهة، فليتهم يعيدون النظر في اهتماماتهم وأفعالهم رحمة بأنفسهم وبالعالم.

    «الفتاة التي اقتحمت مباراة ليفربول حصلت على أرباح أكثر من أربعة ملايين دولار».

    @Alaa_Garad

    Garad@alaagarad.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

    طباعة