حين تغيب حرمة اللحظة

* كاتب وروائي إماراتي

*عبدالله النعيمي

نعيش زمناً غريباً..

المعتمر يفتح بثاً مباشراً أثناء الطواف، والعروس تفتح بثاً أثناء الزفاف، وأبناء الميت يفتحون بثاً أثناء العزاء!

المشكلة لم تعد تقتصر على إدمان التصوير، بل تجاوزته إلى فقدان الإحساس بخصوصية بعض اللحظات وقدسيتها، وكأن كل ما نعيشه يجب أن يتحول إلى محتوى نشاركه مع الآخرين، ونحصد من خلاله مزيداً من التفاعل والمال والشهرة.

لاشك أن للتصوير قيمة في بعض المناسبات؛ فنحن نوثق به ذكرياتنا الثمينة، ونشارك أفراحنا مع مَن تَعذّر عليهم حضورها. لكن هناك فرقاً بين أن نوثق لحظة لنحتفظ بها في ألبوماتنا الخاصة، وبين أن نجعلها متاحة للجميع.

العبادة، مثلاً، شعائر بين الإنسان وربه، تحتاج إلى خشوع وحضور، لا إلى متابعة التعليقات وعدّ المشاهدات. وحفلة الزفاف مناسبة تتضمن لحظات خاصة، لا تصلح جميعها للنشر. أما العزاء، فالأمر أشد حساسية؛ إذ يُفترض أن ينشغل أهل الميت بما هو أهم من التصوير والنشر.

قبل أسابيع قليلة، فُجع أحد الأصدقاء بفقدان ابنه الشاب، وكان في حالة من الصدمة والذهول طوال فترة تلقي العزاء. وفي الوقت نفسه، كان أحد أقاربه منشغلاً بتصوير الحاضرين، وسرد تفاصيل الحادث الذي أودى بحياة الفقيد.

شاهد صديق آخر ذلك البث، وتساءل باستياء بالغ:

أما كان أولى بهذا القريب أن يحترم هول الفاجعة، ويلوذ بالصمت؟

لا أتمنى لهذا الرجل المنشغل بالتصوير، والمسترسل في الحديث، أن يمر بمثل هذا الظرف، لكن من المفيد أن يضع نفسه مكان الأب المكلوم، وأن يسأل نفسه:

هل من اللائق أن نحوّل مآسي الآخرين إلى محتوى، دون أي مراعاة لمشاعرهم؟

ختاماً..

ليست كل لحظة قابلة للتصوير، وليست كل صورة صالحة للنشر، ولا كل مناسبة بحاجة إلى تغطية.

وفي أحيان كثيرة، يكون أفضل ما يمكن أن نقدمه للآخرين هو أن نضع الهاتف جانباً، وأن نحترم خصوصية اللحظة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر