5 دقائق

فن النصيحة والآهات الكئيبة

عبدالله القمزي

النصيحة تعريفاً هي دعوة من فرد لآخر توجهه إلى ما فيه الخير والفائدة. وبقدر ما يبدو التعريف بسيطاً إلا أن تطبيقها أمر صعب ويحتاج إلى ممارسة وحنكة حتى يكون مقبولاً لدى الطرف الآخر. النصيحة حق من حقوق الله التي أوجبها على عباده، وهي من أصول الدين وفي الحديث الشريف جاء أن «الدين نصيحة».

من طرق التنفير من النصيحة:

النصيحة المقرونة بسخرية: عندما يخطئ شخص تجد الناصح يضحك عليه ويضحك معه الحاضرون ثم يتوجه بإسداء النصيحة.

الناصح المزعوم هنا مستمتع بلعب دور البطولة ومصحح الأخطاء في المشهد الذي يعيشه، ويضحك لأنه يريد النصيحة في قالب كوميدي ترفيهي. آخذ النصيحة هو ضحية في هذه الحالة يتقبل الموقف لامتصاص الحرج، ولن يقبل النصيحة مهما كانت بعد الموقف إلا لو كان ساذجاً.

نصيحة التشهير أمام الملأ: دخلت مسجداً منذ خمسة أعوام، ورأيت رجلاً يجلس على كرسي ويتفرس في المصلين لا شغل له غير ذلك. دخل رجل بعدي وأمّ المغرب في جماعة.

بعد أن انتهى، وجه الجالس على كرسي وجهه نحو الرجل الإمام، وقال له لا يجوز أن تقرأ القرآن بشكل مخالف لترتيب المصحف، وكانت النصيحة بصوت عالٍ يسمعها الجالس آخر المسجد.

هذا الناصح متصيد أخطاء يريد إثبات خبرة مزعومة أمام مجموعة بشر، وغالباً لا يمتلكها والنصيحة هنا فضيحة لأنه يعلن جهل المتلقي، وقد سمعت إمام مسجد يلقي محاضرة دينية، قال إن قراءة السور في ترتيب مخالف للقرآن يجوز، وحدث ذلك عندما قرأ الرسول - عليه الصلاة والسلام - سورة النساء قبل آل عمران في إحدى صلواته.

النصائح أو المواعظ الدينية: هي الأخرى بحاجة إلى الأسلوب الصحيح، ولا تشفع لها مجرد صفتها الدينية كي تكون مقبولة عند البشر. النصيحة الدينية اليوم تعاني ضعف الخطاب الديني الذي لم يتطوّر منذ أكثر من ربع قرن، تطوّرت الوسائل لكن الخطاب كما هو.

وصلني فيديو لعالم دين يتحدث بشكل آسر وتقبلته كثيراً، لكن فجأة خرجت تلك الآهات الحزينة في الخلفية فأغلقت الفيديو فوراً ونفرت بشدة ولم أعد مهتماً بما يقوله. الآهات الحزينة تقرن الحزن بالدين وهذا خطأ، والمقصود بها استدرار العواطف رغم أنف المستمع وهذا خطأ أكبر. المعادلة بسيطة: لو كان الأسلوب آسراً ومحتوى المواعظ جيداً، فلسنا بحاجة إلى آهات الكآبة.

أو فيديو لشيخ دين يصرخ ويحذر ويرعد ويزبد وهذا ليس أسلوباً لإيصال معلومة. ولو كان هذا الشيخ وأمثاله متعلمين لعلموا أن النصيحة تأتي بالرفق واللين وليس بالصراخ! فحتى الطفل لا يتقبل هذا الأسلوب الهمجي.

بالعربي: أفضل أسلوب للنصيحة هو الهمس، خذ الشخص جانباً واهمس له بالنصيحة، وقل له القرار لك ولا أريد لك إلا الخير. هذا الأسلوب يرسّخ النصيحة في عقل متلقيها وسيقدرها للأبد. أمّا النصيحة الجماعية فأقرنها بقصة كنت ضحيتها ولست بطلها، استفدت منها وأردت تعميم الفائدة لأن لا أحد يريد الاستماع لتبجحك مهما كنت متفوقاً.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة